رابط إمكانية الوصول

logo-print

​نحن الآن نقصد مدينة هرمومو .. في طريق ملتوية، تخال مع منعرجاتها الوعرة أنها تصل الأرض المنبسطة بالسماء.. في هذه اللحظات يجول في خاطرك العديد من الأسئلة حول مدينة قدر لها أن تعانق التاريخ، في أول محاولة انقلاب عسكري في المغرب.. مدينة توقفت بها الحياة منذ ذلك التاريخ، حسب ما يفيده به السكان.

هنا تغيب ألوان الطبيعة تاركة لون السحاب الرمادي يسود المكان. الحياة في المدينة ما زالت تدب على إيقاع ذلك الحدث القديم، تاريخ انقلاب الصخيرات.

وصمة الانقلاب

في هذه المدينة توجد أشهر مدرسة عسكرية في البلاد، تلك التي انطلق منها، ذات يوم من سنة 1971، الموكب العسكري الذي كان يقوده الكولونيل امحمد أعبابو، في محاولة فاشلة لإسقاط الملكية عبر قيادة انقلاب جنوده كانوا تلاميذ هذه المدرسة العسكرية وقتها.

إيقاع الحياة في هذه القرية ما يزال بطيئا، لولا حركة أصحاب سيارات الأجرة كبيرة الحجم التي يمنح صوت سائقيها المرتفع وهدير محركاتها جرعة حياة يومية، تربطهم مع أقرب المراكز الحضرية مثل فاس وصفرو بوسط البلاد.

"لم تتطور المدينة الصغيرة بالشكل المطلوب، فمنذ 1971، تاريخ الانقلاب، والمنطقة تعيش ركودا كبيرا في جميع المجالات"، يقول الرئيس السابق للمجلس البلدي لهرمومو أو مدينة رباط الخير،كما أصبحت تسمى، بعد محاولة الانقلاب.

مقر الجماعة المحلية رباط الخير
مقر الجماعة المحلية رباط الخير

​أحاديث شيوخ المدينة في المقاهي الصغيرة تبرئ قريتهم مما حصل وتقول إنها كانت ضحية مخططات وحسابات بعيدة عنهم، لكن وصمة الانقلاب ستظل على جبينهم إلى الأبد، يقر بنبرة مستسلمة أحد سكان هرمومو ممن التقتهم "أصوات مغاربية".

مدينة معاقبة

بعد فشل المحاولة الانقلابية على الملك الراحل الحسن الثاني في قصره بالصخيرات، تمت معاقبة جميع التلاميذ والضباط الذين شاركوا دون علمهم في المحاولة، ومعهم عوقبت المدينة أيضا..تلك هي الفكرة السائدة بين سكان القرية.

"المناطق الجبلية بالمغرب تعيش التهميش والعزلة، لكن هرمومو انضاف إليها، إلى جانب ذلك، عقاب المسؤولين نظرا لتاريخها، وحتى السكان عانوا من تبعات ما فعله الآخرون"، يقول محمد العيوني، أحد سكان المدينة ونشطائها، والذي يرى أن المسؤولين عملوا على طمس تاريخ هرمومو وتقليص حجمها، لكي لا تظهر من جديد، وفق تعبيره.

سكون يخيم على المدينة
سكون يخيم على المدينة

التجول بين أزقة المدينة يؤكد معطى غياب الألوان والتناسق بالفعل، فباستثناء الشارع الرئيسي، تنتشر مساكن غير منظمة ولا تخضع لتصميم معين.

"الأمر مقصود وليس اعتباطيا"، يقول العيوني، قبل أن يسترسل في الحديث: "المدينة تنمو بشكل مشوه، ما أفرز مشاكل أخرى مثل انقطاع الماء عن السكان. قد تلاحظ بجوار المدينة العديد من المزارع التي تسقى بمياه المنطقة الوافرة، بينما السكان يموتون عطشا".

ثقل التاريخ

مباشرة بعد الانقلاب الفاشل تم تغيير اسم المدينة من هرمومو إلى رباط الخير، وهي محاولة تهدف، حسب محمد العيوني، إلى محو تاريخها من عقول وأذهان الأجيال الصاعدة، وفك ارتباطها مع حدث الانقلاب، وكتابة تاريخ جديد عنوانه "رباط خير" يجمع السكان بالسلطات.

في كل شبر من المدينة بحثنا عن اسم "هرمومو"، في يافطات المؤسسات الرسمية أو الجمعوية بالمنطقة، لكن دون فائدة، فهذا الإسم لم يعد موجودا، إلا في أذهان المواطنين هنا.

"قد يستطيعون تغيير الإسم على الورق، لكنه لن يتغير وسط أهل القرية. الكل هنا ما يزال يسمي المكان باسمه الأول حتى أصحاب سيارات الأجرة تصدح حناجرهم باسم هرمومو "، يستطرد المتحدث ذاته، الذي لخص بعضا من الكلمات المتسابقة على طرف لسانه قائلا: "صدقني، يصعب محو التاريخ بشكل عام، وتاريخ المدينة أيضا سيظل مؤرخا لما حصل سنة 1971 ".

هرمومو.. المدرسة

في الطريق نحو المدرسة العسكرية، التي تشكل الجزء الأكبر من تاريخ وهوية ومساحة القرية، يتقلص تدريجيا عدد المارة ويغيب العنصر البشري عنها تقريبا، وكأن حظر تجوال مطبق على المكان المجاور لها، منذ تاريخ الانقلاب.

طريق المدرسة العسكرية
طريق المدرسة العسكرية

كانت المدرسة في الماضي تكون ضباط الصف، تحت قيادة مديرها الكولونيل امحمد أعبابو، مهندس المحاولة الانقلابية الأولى على نظام الملك الحسن الثاني، وظلت تقوم بتخريج أفواج من العسكريين، إلى أن تم غلقها عقب تنفيذ الانقلاب وفشله، رغم تأكيد غالبية تلاميذها أنه من غير اعبابو وبعض المسؤولين العسكريين الكبار، لم يكن أحد منهم يعلم أنه ذاهب لقصر الصخيرات من أجل وضع حد لحياة الملك ونظامه.

البنايات الداخلية التي كانت تحتضن الضباط أصبحت شاحبة ومتهالكة، فيما ما تزال بعض المعدات الخاصة بالتدريب صامدة في وجه الزمن.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG