رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

الموروث الفقهي المغربي.. هل يغذي التشدد؟


مسجد الحسن الثاني بمدينة الدار البيضاء

أثار قرار السماح للنساء في المغرب بممارسة مهنة "العدول" ردود فعل مختلفة بين علماء الدين والفقهاء، إذ رأى بعضهم أنه لا يجوز للنساء ممارسة هذه المهنة، فيما اعتبر البعض الآخر أنه لا يوجد في الإسلام ما يمنع المرأة من ممارسة تلك المهنة.

في السياق نفسه، اتجهت بعض الآراء نحو اعتبار أن المواقف المتشددة إزاء هذا الموضوع وغيره تستند إلى قراءات فقهية يتشبث بها البعض رغم أنها صارت "متجاوزة".

فهل هذا يعني أن الموروث الفقهي يساهم في التشدد الديني؟

وإذا صح ذلك، فهل من الضروري التخلي عن هذا الموروث أم تطويره؟

رفيقي: لكل عصر فقهه ولكل زمان أحكامه

محمد عبد الوهاب رفيقي. مصدر الصورة: حسابه على "فيسبوك"
محمد عبد الوهاب رفيقي. مصدر الصورة: حسابه على "فيسبوك"

الباحث في الدراسات الإسلامية، محمد عبد الوهاب رفيقي، يؤكد أن "الموروث الفقهي هو أحد الأسباب في ظاهرة التشدد"، غير أنه يستدرك موضحا "ليس بسبب الموروث الفقهي في حد ذاته وإنما بسبب عدم انسجامه مع واقع الحياة المعاصرة، مما يجعله خارجها".

ويتابع رفيقي تصريحه لـ"أصوات مغاربية" موضحا أن هذا "الموروث الفقهي ربما في عصره وفي وقته كان أمرا طبيعيا ولم يكن يوصف بالتشدد، بحكم أنه كان منسجما مع حاجيات المجتمع في ذلك الوقت"، مضيفا أن "هذا التغير الذي وقع في المجتمع والتشبث بفقه لا يناسبه هو الذي ينتج التشدد"، ينضاف إلى ذلك، يقول رفيقي، كون "الموروث الفقهي منتوج بشري محض وفيه عدد من الاتجاهات".

وحسب رفيقي فإن تطوير ذلك الموروث يتأتى بـ"أن يكون لكل عصر فقهه ولكل زمان أحكامه"، بحيث "تكون الأحكام منسجمة مع كل المتغيرات التي يعرفها الواقع، ومع حاجيات كل مجتمع والبيئة والخصائص الزمانية والمكانية لكل بلد ولكل وقت".

لكن هل ما يزال المغرب يرزح تحت ثقل ذلك الموروث؟

رفيقي يجيب بالتأكيد أن "هذا التشدد لا يزال محصورا في فئة معينة"، مضيفا أن "الاتجاه العام الذي تسير فيه الدولة سواء في سياساتها أو في قوانينها، وكذا الاتجاه الذي يسير فيه المجتمع يظهر أنه تم التخلص بشكل كبير من هذا الثقل، وأن هناك اتجاها تلقائيا نحو تدين أكثر اعتدالا وأكثر انفتاحا".

عصيد: تراث ميت لا يمكن إلا أن نرميه في مزبلة التاريخ

أحمد عصيد
أحمد عصيد

بالنسبة للكاتب والناشط الحقوقي، أحمد عصيد، فإن "المشكل في أمرين اثنين" على حد تعبيره، "الأول هو فشلنا في ترسيخ الديمقراطية في الدولة وفي المؤسسات وفي القوانين" والثاني "أنه عندما فشلنا في ترسيخ الديمقراطية عاد الماضي بكل ثقله ليسيطر على الأذهان، التي تعيش أزمة هوية ونفسية واقتصادية واجتماعية خانقة".

ويتابع عصيد تصريحه لـ"أصوات مغاربية" مبرزا أن تلك "الأزمة" أدت إلى العودة إلى الماضي بحثا عن الحلو"، "بينما الماضي لا يمكن أن يقدم لنا أية حلول لأن واقع من عاشوا فيه كان مختلفا عما نعيشه نحن اليوم".

وعلاقة بموضوع السماح للمرأة بممارسة مهنة "عدول" والجدل الذي أثاره يقول عصيد "هذا هو نفس النقاش الذي عاشه المسلمون قبل 110 سنوات فيما يتعلق بتعليم المرأة، إذ قال البعض (مثل قاسم أمين) لا يوجد في الإسلام ما يمنعها من التعلم، وقال الفقهاء، ومنهم فقهاء الأزهر والقرويين، إن الإسلام يأمر المرأة بالبقاء في بيتها وعدم الذهاب للتعلم".

وقال المتحدث ذاته "من أقصى المرأة من تولي المناصب طوال 1400 سنة السابقة هم الفقهاء، الذين وضعوا قواعد بشرية من اجتهادهم قالوا فيها بأن الشرط الأول لتولي مناصب الدولة أن يكون المرء ذكرا عاقلا".

من ثمة يؤكد عصيد أن "المشكل ليس في الدين في حد ذاته" لأن الدين، حسب رأيه، هو "نصوص قابلة للقراءة وإعادة القراءة في كل عصر على ضوء واقع الناس"، ولكن "المشكل في فهمه على ضوء الواقع وتحولات المجتمع والدولة".

كيف يجب إذن التعامل مع الموروث الفقهي؟

عصيد يستشهد في رده على هذا السؤال بما قاله الكاتب المصري جمال البنا "كل هذا الفقه لا حل له إلا أن نرميه في الزبالة"، مسطردا بالقول "هذا التراث الميت لا يمكن إلا أن نرمي به في مزبلة التاريخ، لأنه فكر مرتبط بمجتمع لم يعد موجودا، وبدولة لم تعد موجودة هي دولة الخلافة".

ويشدد عصيد على ضرورة "إبداع فقه جديد"، موضحا أن "هذا الفقه الجديد لا يمكن أن يبدعه إلا نخبة نيرة من فقهاء الدين".

وحسب المتحدث فعلى الدولة أن تمول وتساند وتدعم بإرادتها السياسية هذه النخبة النيرة من الفقهاء "لأننا بحاجة إليهم"، كما أن الدولة أيضا، حسب رأيه، "في حاجة إليهم لأنها في خطر هي نفسها، والسلطة مهددة بالتطرف الديني، الذي قامت بتغذيته داخل المدارس والجامعات منذ ثلاثين أو أربعين سنة مضت".

الكنبوري: الاجتهاد كالقانون لا بد من تعديله بعد فترة

إدريس الكنبوري
إدريس الكنبوري

​من جانبه يرى الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية، إدريس الكنبوري أن "الإشكال هو في جزء من الموروث الفقهي" الذي يرى أنه يمثل جزءا من مجموعة من العوامل التي تسهم في التشدد.

وبدوره يشير الكنبوري إلى الإشكال المتعلق بالسياق الزمني للموروث الفقهي، إذ يشير إلى بأن "أي إنتاج فقهي إلا ويكون متأثرا بالبيئة التي ولد فيها، وبالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية".

ويتابع الكنبوري تصريحه لـ"أصوات مغاربية" مبرزا أنه "لا يمكن أن يكون الإنتاج الفقهي أو غير الفقهي خارجا عن سياقه الزمني"، كما أن "الجزء المرتبط باجتهادات الفقهاء الذين هم بشر، يتأثر بثقافتهم، مزاجهم الشخصي، واقعهم، وبالظروف السياسية".

من ثمة، فإن "الاجتهاد الفقهي كأي قانون حين يتجاوز مرحلة معينة لابد من تعديله ليساير متطلبات واحتياجات الناس"، يقول الكنبوري.

كيف ذلك؟

الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية يجيب بالتشديد على دور المدرسة في هذا الإطار إلى جانب دور الإعلام، دون أن يغفل الحديث عن دور العلماء المتخصصين في الفقه.

"يجب على العلماء الذين أنيطت لهم مهمة الاجتهاد التصدي للنقاش" يقول الكنبوري الذي يبدي أسفه لكون هؤلاء "صامتون ولا يدخلون في نقاش مع هؤلاء السلفيين" الذين يصفهم بـ"المتطرفين" والذين "يُنظرون ولهم مؤلفات وكتب يحاولون فيها تحريف النصوص الدينية، وتأويلها بطريقة تقليدية جدا ومازالوا يعيشون في العصر الماضي".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG