رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

هل تبخر حلم "الملكية البرلمانية" بالمغرب؟


الملك محمد السادس خلال "حفل البيعة"

أقدم الملك محمد السادس خلال هذا العام على اتخاذ مبادرات قوية وتدخلات مباشرة أعادت تشكيل المشهد السياسي في المغرب، بشكل يبعث على التساؤل عن دور المؤسسات المنتخبة وصلاحيات الحكومة، وما إذا كان "القصر" عازما على إحكام قبضته على الحقل السياسي المغربي، وهل "الملكية التنفيذية" أمر واقع ولا مفر منه؟

فقد برز العاهل المغربي كفاعل أساسي، بل الأهم والأكثر فاعلية، في المشهد السياسي بعد إعفاء الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، من تشكيل الحكومة، وتعيين سعد الدين العثماني بدلا منه، ما أفسح المجال لهذا الأخير لتعويض بنكيران أيضا على رأس الحزب الذي يقود الحكومة منذ 2012.

ولعل ما يبرر هذه التساؤلات أيضا هو عدد القرارات والإجراءات التي أقدم عليها الملك محمد السادس خلال هذا العام كإعفاء أربعة وزراء في الحكومة الحالية وعدد من كبار المسؤولين على خلفية مشاريع أعطى الملك انطلاقتها سنة 2015، لكنها لم تكتمل، بالإضافة إلى إعفاء العشرات من رجال السلطة والعمال والولاة، بسبب احتجاجات عرفتها مناطق يشرفون على تدبيرها.

النائب البرلماني السابق عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حسن طارق، يعتبر في حديث لـ"أصوات مغاربية"، أن طبيعة الملكية في المغرب كانت دائما "ملكية تنفيذية متدخلة"، مشيرا إلى أن ذلك لم يكن يحتاج نصا دستوريا بل هو من أسس الممارسة السياسية في المغرب التي كرست التدخل القوي للمؤسسة الملكية كسلطة قائدة في المجال التنفيذي.

دستور المغرب الذي تم اعتماده والاستفتاء عليه سنة 2011 لا ينص صراحة على أن الملكية في المغرب لها سلطات مطلقة، بل ينص الفصل الأول منه على أن "نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية، ويقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة".

وكثيرا ما أثار الفصل التاسع عشر من الدستور السابق جدلا واسعا في الأوساط السياسية المغربية، على اعتبار أنه يبرز مكانة الملكية في المغرب، إذ كان ينص أن "الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها..".

لكن دستور 2011 استبدل هذا الفصل بفصل عن الحريات والحقوق الأساسية، إذ نص الفصل الجديد على أن "يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها".

في مقابل ذلك، فإن فصولا أخرى من الوثيقة الدستورية تطرقت بشكل مفصل لصلاحيات الملك، خصوصا في الباب الثالث من الدستور، والذي يمتد من الفصل 41 إلى الفصل 59، ويضمن صلاحيات واسعة للملك سواء على مستوى السياسة الداخلية والخارجية للمغرب، وحتى على مستوى الحقل الديني، على اعتبار أن الملك إلى جانب دوره السياسي، يعد "أميرا للمؤمنين" أيضا.

أولى المحطات

قبل الاستفتاء على الدستور والانتخابات وقيادة حزب العدالة والتنمية الحكومة، أثيرت مسألة صلاحيات الدستور، ومدى ممارسة المؤسسات المنتخبة للسلطة، لكن أبزر المحطات في هذا السياق كانت القانون التنظيمي رقم 02.12، والذي قدمته حكومة بنكيران، والخاص بالتعيين في المناصب العليا في البلاد.

هذا القانون الذي جرّ على بنكيران انتقادات كثيرة، حصر صلاحيات التعيين في عدد من المناصب العليا في يد الملك، بالرغم من أن الدستور منح للحكومة ورئيسها سلطة ممارسة السلطة التنفيذية والتعيين في الوظائف المدنية في الإدارات العمومية، بالإضافة إلى الإشراف على عدد من القطاعات.

أكثر النقط إثارة للجدل في هذا القانون هي كونه كرس سلطة الملك في مجال تعيين مسؤولي المؤسسات الاستراتيجية، ولم يترك لرئيس الحكومة إلا اختصاص التعيين في مؤسسات أقل درجة.

إشكال المفهوم؟

ويعتبر المحلل السياسي المغربي محمد شقير في حديث لـ"أصوات مغاربية"، أن الملكية التنفيذية وغيرها من المصطلحات التي تتداول حول المؤسسة الملكية في المغرب تبقى "مجرد شعارات غير واقعية وأن الملكية لها سلطات شبه مطلقة".

لكن ما الذي يبرر حديث شقير عن أن سلطة الملك "شبه مطلقة"، يوضح المحلل السياسي، أن ذلك يعود أساسا إلى أن "الدساتير لم تحد من صلاحيات الملكية سواء في عهد الملك الراحل الحسن الثاني أو محمد السادس"، مشددا أن "المؤسسة الملكية استطاعت طيلة أكثر من ستة عقود أن تحتكر القرار السياسي في المغرب وأن تكون محورية داخل المشهد الساسي، وهي التي تحدد مسار مكونات هذا المشهد بما في ذلك الأحزاب المغربية".

ويذهب المتحدث إلى التأكيد أن وصف "الملكية التنفيذية" هو "تعبير يتم تسويقه كمفهوم جديد للسلطة لا يعكس الصلاحيات شبه المطلقة للملكية"، لافتا إلى أن الدستور "لم يحد من صلاحيات الحكومة".

ويستدل شقير على ما يعتبره صحة قوله بأن "خلال فترة الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي أو عبد الإله بنكيران لم تتم مناقشة ميزانية القصر وإنما الاجماع عليها"، معتبرا أن ذلك "يعطي فكرة على صلاحيات الملكية على جميع الأصعدة سواء منها الديني أو الاجتماعي أو غيرها.. كما تبقى المؤسسة المحورية، ويبقى الدستور ممنوحا فقط وليس قائم على الإرادة الشعبية"، على حد تعبيره.

ومنذ نهاية السبعينيات برزت داخل اليسار الدعوة إلى ملكية برلمانية، خصوصا في بيانات حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1978، كما أن "الكتلة الديمقراطية"، التي كانت تجمع 3 أحزاب مغربية (الاتحاد الاشتراكي، والاستقلال، والتقدم والاشتراكية)، انطلقت من فكرة تعزيز صلاحيات الحكومة ورئيسها، لكن مع ذلك، يقول حسن طارق، "لم يكن هامش التقدم ولم يتحقق الشيء الكثير في دستوري 1992 و1996".

تحولات "ما بعد الربيع"

ومع أحداث ما عُرف بـ"الربيع الديمقراطي" شهد المغرب فترة حراك سياسي تمثلت في موجة احتجاجات قادتها حركة "20 فبراير" الشبابية التي ضغطت من أجل تغييرات دستورية عميقة وربط المسؤولية بالمحاسبة ومكافحة الفساد.

يقول حسن طارق إن مطلب "الملكية البرلمانية" عاد إلى الشارع مع حركة "20 فبراير"، وللمرة الأولى، أصبح مطلبًا حقيقيًا ولم يعد مجرد شعار.

إلا أنه اعتبر في تقييمه لواقع الحال أن "ما جاء به نص الدستور شيء آخر، وكان تعبيرا عن القوى التي كانت في المغرب خلال تلك اللحظة، كما أن موازين القوى جعلت النص يقف في منتصف الطريق، فهو يبتعد عن الملكية التنفيذية دون أن يصل بعيدا الى الملكية البرلمانية".

ويوضح المتحدث فكرة "منتصف الطريق" بكون الدستور حصر اختصاصات تنفيذية في يد الملك، باعتباره رئيسا للدولة، وله صلاحيات على المستوى الديني والعسكري ويمتلك صلاحيات التدبير الاستراتيجي، أما الحكومة فهي تنفذ، وتشتغل على السياسات الحكومية، كما تنظر في القوانين والمشاريع.

لكن ما الذي يجعل الملكية التنفيذية حاضرة في المشهد السياسي المغربي، وفق ما ذهب إليه شقير وطارق؟ يجيب الأخير عن هذا السؤال بأن "الملكية لم تتراجع عن الحضور، وظل الطابع التنفيذي حاضرا في أدائها، واستطاعت أن تملأ المساحات التي افترض قراء الوثيقة الدستورية أن تتنازل عنها".

ما يورده الباحثون المغاربة بخصوص علاقة المؤسسة الملكية مع رئاسة الحكومة، أكده عبد الإله بنكيران، في عدد من اللقاءات الصحافية، والتي شدد خلالها أنه جاء للتعاون مع الملك والمساهمة في التسيير إلى جانبه، كما أشار أن "صلاحيات الملك قديمة قدم التاريخ وهو رئيس السلطة القضائية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس كل شيء"، على حد تعبيره.​

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG