رابط إمكانية الوصول

logo-print

'قالب السكر'.. رفيق المغاربة في الأفراح والأحزان


"قالب السكر" المغربي الأزرق الشهير

عرفه المغاربة منذ قرون، وازدهرت تجارته في عهد السعديين الذين كانوا يصدرونه إلى عدة بلدان، أثار في فترة معينة جدلا كان سببا في إصدار عدد من الفتاوى، واليوم هو ليس مجرد مادة غذائية تضاف إلى كثير من الوجبات والمشروبات المهمة لدى المغاربة وعلى رأسها الشاي، بل إنه يتجاوز ذلك ليصبح رفيقا دائما لهم في المناسبات السعيدة وأيضا الحزينة.

إليكم بعض المعلومات عن علاقة المغاربة بالسكر:

تاريخ قديم

السكر ليس بالمادة الجديدة على المغاربة وصناعته ليست بالصناعة الحديثة في المغرب.

في مقال تحت عنوان "السكر في المغرب القديم" تضمنه العددان 111 و112 من مجلة "دعوة الحق" الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، ذُكر أن المغرب "عرف زراعة قصب السكر منذ القديم، ورافق ذكر هذه الزراعة مختلف أطواره التاريخية منذ الفتح الإسلامي إلى انحطاط الدولة السعدية".

وحسب المصدر نفسه فإن "المؤرخين الأولين الذين تحدثوا عن المغرب من شكل أبي حنيفة الدينوري، وابن حوقل والبكري وابن خلدون، وغيرهم، كلهم أشاروا إلى أن هذه الزراعة كانت مزدهرة في المغرب".

وقد عرفت عدة مناطق في جنوب المغرب وغيره بزراعة قصب السكر، ولعل أشهرها تارودانت التي ورد ذكرها في العديد من المصادر.

وقد كان المغرب يصدر السكر إلى العديد من البلدان، ومما ورد في المصدر السالف أن "المواد التي كان المغرب يستبدل بها مادة السكر هي مواد لم تكن تمتلكها إلا الدولة. فالمغرب كان يتاجر مع كل من بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، فكان الإنجليز يزودونه بدلا من السكر بأنواع الثوب الرفيع".

جدل التحريم

من المثير أن هذه المادة التي تربط المغاربة اليوم علاقة وطيدة بها، أثارت في فترة معينة جدلا كبيرا وكانت موضوع فتاوى بعدما ساد جدل حول حرمتها.

في كتاب "من الشاي إلى الأتاي..العادة والتاريخ"، لعبد الأحد السبتي، وعبد الرحمان الخصاصي، ضمن فصل "الحلية والحرمة" يتم التطرق باستفاضة إلى عدد من الفتاوى التي صدرت بخصوص السكر وتحديدا سكر القالب المصفى، في فترة بداية القرن التاسع عشر، إذ كانت تُتداول حينها بعض الأخبار عن استعمال مواد من قبيل الدم في تصفية السكر.

ويورد المؤلف المشار إليه عددا من الفتاوى التي وردت في الموضوع، من بينها فتوى بعنوان "تغيير المنكر في من زعم حرمة السكر" لعالم يدعى سليمان بن محمد الشفشاوني.

وتشير الفتوى في مستهلها إلى ما يتم تداوله نقلا عن بعض من سافروا إلى بلدان الغرب عن كون من يصنعون السكر هناك "يجعلون الدم في السكر عند طبخه للتصفية، ثم يبالغ فيه طبخا وتصفية إلى أن يصير في نهاية من البياض والصلابة، مفرغا في القوالب على الشكل الواصل إلينا"، مضيفا أنه قد "كثر الكلام بين الطلبة في حكمه بالتحريم لنجاسة الدم الذي خالطه".

ويؤكد صاحب الفتوى في ما يلي ذلك أن المتداول "غلط نشأ من توهم أن الحمرة التي في السكر أول طبخه هي حمرة دم يخالطه حينئذ"، ويوضح أن ذلك اللون الأحمر "هو عين السكر في أول أطوار طبخه".

قالب السكر

​ينتشر السكر بأشكال مختلفة في المغرب، فهناك المكعبات والسكر على شكل بودرة (سكر الصقيل) والسكر على شكل حبيبيات صغيرة (سكر سنيدة)، غير أن الشكل الأشهر في المغرب والذي يستعمل بكثرة هو السكر "القالب" الذي يتخذ شكل مخروط.

قالب السكر الذي يعرفه المغاربة والشهير بغلافه الورقي الأزرق لا يُقتنى فقط بغاية الاستهلاك ولكنه أيضا يقتنى لتقديمه كـ"هدية" في العديد من المناسبات السعيدة، إلى جانب أنه يحضر أيضا في المناسبات الحزينة إذ ألف المغاربة عند تعزية أحدهم تقديم قوالب السكر.

وعلاقة بتسمية "القالب" يشير الأستاذ المختص في الأنثروبولوجيا التاريخية والسياسية، مصطفى القادري، في تصريحه لـ"أصوات مغاربية" إلى أن التسمية تحيل على ذلك الوعاء (القالب) الذي يوضع فيه السكر ويتخذ شكله المخروطي فيه، ويبدو بأن القالب الذي يتخذ شكلا هرميا قديم، لأن المتحدث يشير إلى أن "الأركيولوجيين في الفترة الاستعمارية عثروا على قالب طين بالشكل الذي نعرفه اليوم".

أفراح وأحزان

تقديم السكر كهدية في المناسبات السعيدة كالأعراس، أو كوسيلة للمواساة في المناسبات الحزينة كالجنائز، عادة ارتبطت منذ القديم بالمغاربة، وما تزال كثير من العائلات اليوم تتشبث بالسكر تحديدا "القالب" في مختلف المناسبات السعيدة والحزينة.

سر العلاقة الوطيدة للمغاربة بالسكر يرجعه القادري إلى قدمها مشيرا هنا إلى أن المغاربة هم "أول من صنعوه وباعوه".

ويتابع المتحدث موضحا في تصريحه لـ"أصوات مغاربية" أن "السعديين هم أول من صنعوا السكر وقاموا بتصديره" مبرزا أنه بالرغم من أن إنتاج السكر بدأ قبل السعديين في عهد الموحدين والمرابطين غير أن "الإنتاج كان موجها للاستهلاك المحلي فقط".

أيضا يلفت الأنثروبولوجي المغربي إلى قيمة السكر الرمزية في المخيال الاجتماعي وهي القيمة المستمدة من لونه الأبيض ومذاقه الحلو وأيضا من قيمته المادية ذلك أن السكر كان مادة غالية جدا، الأمر الذي يفسر تقديمه في العديد من المناسبات الهامة.

المصدر: أصوات مغاربية - مؤلف "من الشاي إلى الأتاي..العادة والتاريخ" - مجلة "دعوة الحق"

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG