رابط إمكانية الوصول

logo-print

هل تعرف أن سكان بعض المناطق في المغرب صاغوا قوانين عرفية تحسم نزاعاتهم ومشاكلهم؟ قبائل بضواحي ميدلت بجبال الأطلس المتوسط للمغرب، لا يؤمنون بالقوانين، التي وضعها "المخزن" (الدولة)، بل وضعوا قوانين خاصة بهم مستمدة من تقاليدهم وعاداتهم.

العرف عوض القانون

"المحاكم العرفية"، هي مفهوم قديم يعني أن القبيلة تحتكم، في مجموعة من القضايا المحلية، إلى الأعراف، خاصة ما يتعلق بالنزاعات حول الأراضي.

يقول الباحث في الثقافة والأدب الأمازيغي محمد ايريكو إن "المحاكم العرفية هي خصوصية لبعض المناطق لا تعرفها بقية القرى المحيطة بمنطقة ميدلت".

ويرجع الباحث سبب بروز المحاكم العرفية بالمنطقة، إلى انتباه سكانها إلى أن "المخزن" (أي السلطات) لم يعد يتدخل بشكل فعال في مجموعة من النزاعات والمشاكل التي تعاني منها المنطقة، فارتأى أن تكون لجنة منتخبة تسند إليها مهام ومسؤوليات معينة تبث فيها وتعالج القضايا.

حكم هذه اللجنة يكون ساري المفعول وغالبا ما تكون العقوبة عبارة عن "اينبيول"، ويعني ذلك أن اللجنة تعاقب المذنب بإطعام عدد معين من الضيوف. وهذا العدد يرتفع وينخفض حسب طبيعة الجريمة.

أصبحت للمحكمة العرفية، حسب الباحث الأمازيغي محمد ايريكو، سلطة كبيرة بعيدا عن أنظار الدولة و"المخزن" بمعناه الإداري، إذ إن "اللجنة نجحت في وضع حد نهائي للخروقات والصراعات خاصة فيما يتعلق بالسب والقذف بين أبناء القبيلة وأيضا السكر والعربدة".

للمحكمة العرفية فضل كبير أيضا في حماية الغطاء النباتي والغابوي، كاجثتاث الأشجار، فقد أصبحت اللجنة تنشر الوعي بين القبائل بأن الغابة ملك للجميع ويجب الحفاظ عليها، عن طريق وضعها عقوبات صارمة لكل من تجرأ على اجتثات الغابات بشكل عشوائي.

يصدر القضاة في المحكمة العرفية عقوبات شديدة أقلها ذبح خروف وإطعام 12 فردا، وأقصاها عزل المتهم من القبيلة وإجبار أهل القرية على مقاطعته وعدم تمكينة من أبسط حقوقه.

"أمغار" و 12 قاضيا

تضم المحكمة 12 قاضيا، ورئيس المحكمة يسمى "أمغار"، ويتكلف بمباركة الحكم وإدخال المتهمين وإخراجهم من قاعة المحكمة، وهي عبارة عن مؤسسة قديمة تعود ملكيتها لـ"تاجماعت" (الجماعة).

يروي الباحث الأمازيغي ايريكو، في حديثه مع "أصوات مغاربية"، أن القضاة يستمعون إلى كلام المتهمين والمشتكين، وإن ثبتت إدانتهم يحكمون عليهم، بعد المداولة، بعقوبة ذبح خروف وإطعام 12 فردا يختارهم القضاة من القبيلة.

عدم التزام المتهمين بتطبيق الأحكام الصادرة في حقهم يجعلهم معرّضين لمضاعفة العقوبة، إذ إن عقوبة إطعام 12 فردا تتطور إلى إطعام 24 فردا، وهي االعقوبة التي من الممكن أن تتطور إلى عزل المتهم عن القبيلة وقطع الكلام معه وحرمانه من حق أطفاله في التعليم والتطبيب والدخول إلى سوق القبيلة.

كل يوم جمعة من كل أسبوعين تفتح المحكمة العرفية أبوابها أمام المتهمين والضحايا من أهل القبيلة، والذين يكونون قد وضعوا شكاية مسبقا لدى العاملين بالمحكمة يشتكون فيها من أشخاص اعتدوا عليهم أو استولوا على حقوقهم. بعد صلاة العصر مباشرة، يتوافد الضحايا والمتهمون إلى مكان المحكمة ويصطفون في طوابير طويلة.

وعن طقوس المحاكمة يقول الباحث ايكيمو إن يجلس الحاضرون متقابلين لابسين لباسا عاديا، يشربون الشاي قبل إعلان افتتاح الجلسة من طرف "أمغار"، وفي حالة غاب المتهم يحكمون عليه غيابيا ويبلغون أهله بالحكم، وأهل بيته يتكلفون بإطعام الناس.

من أبرز القضايا التي يشتغل عليها القضاة، يوضح الباحث الأمازيغي هي تلك المتعلقة بالمجال الفلاحي، والغابوي، مشيرا إلى أن السبب الرئيسي في اختيار المحكمة العرفية بدل محاكم "المخزن" هو أن المحاكم العرفية تبث في أحكامها بسرعة عكس محاكم "المخزن".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG