رابط إمكانية الوصول

logo-print

من'تيهرت' إلى 'ميزاب'.. هكذا واجه 'إباضية' الجزائر الاضطهاد


غرداية معقل إباضية الجزائر

نقلت أزمة ولاية غرداية (600 كلم جنوب العاصمة الجزائر)، المدينة الجزائرية الهادئة، إلى واجهة الأحداث الدولية، واعتلت أخبارها عناوين نشرات الفضائيات العربية والأجنبية.

فَرضُ القضية لنفسها في أجندة الأخبار يعود إلى المتاهة التاريخية والاجتماعية المتحكمة في العلاقة بين أقلية الأمازيغ الإباضية ومحيطهم العام بتفاعلاته السياسية.

مدرسة فكرية عقائدية سياسية

يعتبر الإباضية أنفسهم أول مذهب فكري، فقهي، سياسي، كانت له آراؤه المستقلة في العقيدة والحكم. تأسس في القرن الأول الهجري، وينسب إلى عبد الله بن إباض التميمي. جابر بن زيد هو المؤسس الحقيقي للمذهب، تتلمذ على أيدي كثير من الصحابة والتابعين وأخذ عنهم الحديث والتفسير.

إباضية الجزائر احتموا بالصحراء
إباضية الجزائر احتموا بالصحراء

ليسوا خوارج

يرفض الإباضية تصنيفهم في خانة الخوارج مثلما درجت بعض المراجع التاريخية والأكاديمية، ويعتبرون الوصف إجحافا في حقهم. وكانت هذه النقطة أحد الأسباب التي أججت نار الفتنة في الأزمة الأخيرة التي شهدتها المنطقة.

محمد مسن: الإباضية كمذهب بدأ في البصرة، وكان يسمى أتباعه "أهل الدعوة والاستقامة"

المؤرخ الليبي علي يحيى معمر في مؤلفه "الإباضية بين الفرق الإسلامية"، يعتبر أنهم "ليسوا من الخوارج، غُلاتهم أو معتدليهم". ويؤكد أن "كونهم رفضوا أن يظل الحكم حكرا على قريش، واعتبروا التحكيم بين علي ومعاوية خطأ ما كان له أن يقع، فإن ذلك لا يصنفهم ضمن هذه الطائفة".

تعرضوا للاضطهاد

من جانبه، يؤكد الباحث المتخصص في تراث وادي ميزاب، محمد مسن، في حديث لـ"أصوات مغاربية"، أن الإباضية كمذهب بدأ في البصرة، وكان يسمى أتباعه "أهل الدعوة والاستقامة"، وبعد تعرضه للاضطهاد، أوفد إمامهم جابر بن زيد عددا من العلماء وحملة العلم إلى الأمصار فكان انتشارهم في الجزيرة العربية، وشمال أفريقيا.

الإباضية يشتكون من تعرضهم للاضطهاد
الإباضية يشتكون من تعرضهم للاضطهاد

احتموا بالصحراء

يشدد محمد مسن أن أمازيغ وادي ميزاب، أو بني مصعب، وهي التسمية الأصح في رأيه، كانوا معتزلة، استلطفوا المذهب الإباضي، واعتنقوه لما لمسوه فيه من تعزيز لقيم الحرية السياسية للأفراد. وأسسوا قبل انتشارهم في ولاية غرداية الحالية، الدولة الرستمية سنة 776 م على يد عبد الرحمن بن رستم، لتتوسع في أجزاء واسعة من شمال أفريقيا.​

وطوع الإباضية، بعد احتمائهم بصحراء الجزائر بعيدا عن دروب القوافل، ومسارات الجيوش الغازية، الأرض الجرداء وحولوها إلى واحات خضراء. أسسوا 7 قصور، أو مدن مترابطة، أولها كان تاجنينت (العطف) وعمره يتجاوز الألف سنة. تميزت هذه القرى العامرة بهندستها الفريدة، وصنفتها اليونيسكو ضمن التراث العالمي.

إباضية الجزائر أسسوا 7 مدن وسط الصحراء
إباضية الجزائر أسسوا 7 مدن وسط الصحراء

تنظيم محكم

الروائي والباحث المتخصص في التراث الميزابي، أحمد بكلي، يشير في تصريح خص به "أصوات مغاربية" أن إباضية الجزائر "تمكنوا من قهر ظروف الطبيعة القاسية في وادي ميزاب، وحافظوا لقرون على وجودهم هناك بسبب تنظيمهم المحكم".

هيئات عرفية تنظم شؤون السكان الإباضية
هيئات عرفية تنظم شؤون السكان الإباضية

واعتبر أن هذا العامل، لم يتحقق لهم في دولتهم في تيهرت، وهو سر بقائهم محافظين على وجودهم متماسكين حتى الآن بالرغم من شح مواردهم، والتطورات الاجتماعية الحاصلة في محيطهم العام، وغزو مظاهر العولمة.

نظام العزابة

لا يزال الإباضية يعتمدون على "هيئة العزابة"، وهي حلقة دينية تتشكل من عدد من الرجال المتفقهين في الدين، والمشهود بسيرتهم الحسنة، لتنظيم شؤون حياتهم الدينية.

ويساعد الهيئة، التي يرتدي أعضاؤها لحافا أبيض يميزهم، في تسيير شؤون المواطنين، لجنة من الأعيان، وهي تتشكل من عناصر فاعلة في المجتمع من كافة القبائل والعشائر.

لباس خاص يميز إباضية الجزائر
لباس خاص يميز إباضية الجزائر

يتميز إباضية الجزائر بلباسهم الخاص، الذي حافظوا عليه حتى الآن ولم يتخلوا عنه بالرغم من مظاهر العصرنة. الرجل عندهم يرتدي سروالا مترابطا غير مفصل على الرجلين، وهو منتشر في مناطق مصرية وبلاد الشام، كما يرتدون طاقية بيضاء يغطون بها رؤوسهم، إضافة إلى جبة واسعة فضفاضة في المسجد والمناسبات.

أما النساء، فيرتدين قطعة صوف تلف أجسامهن لا تظهر المتزوجة سوى فتحة صغيرة حول العين.

إباضية بلباسها التقليدي
إباضية بلباسها التقليدي

بارعون في التجارة

برع الإباضية في مجال التجارة، وسيطروا منذ العهد التركي على هذا القطاع، وأسسوا محلات ونشاطا واسعا امتد على كامل تراب الجزائر. لا تخلو منطقة من أتباع هذا المذهب، إذ ساهم هذا العامل في تحقيقهم نهضة عمرانية كان لها تأثير على الأزمة التي عاشتها المنطقة وفق ما ذهبت إليه قراءات عدد من الباحثين.

ومع التطور الذي شهده المجتمع الميزابي توجهت فئات من شبابهم نحو المجالات الأكاديمية والبحثية، وتبوأوا مناصب في الجزائر وفي عدد من الدول الأوربية وفي أمريكا وكندا.

إباضية الجزائر بارعون في التجارة
إباضية الجزائر بارعون في التجارة

شاعر الثورة

يؤكد الإباضية أن لهم مساهمة في مسار حركة ثورة التحرير ضد المستعمر الفرنسي، ويعتزون كون شاعر الثورة ومؤلف النشيد الرسمي للدولة مفدي زكريا من أبناء المنطقة.

كما كان لشيخهم إبراهيم بيوض دور في رفض المساعي الفرنسية لفصل الصحراء عن الشمال خلال مفاوضات استقلال الجزائر. هم يفتخرون أنه لم يسجل أي متشدد من بينهم خلال الأزمة الأمنية والسياسية التي شهدتها البلاد، وكانوا هم ضحية لها.

لا يعرف كم يبلغ تعداد الإباضية في الجزائر، ولم تقدم الجهات الرسمية أرقاما واحصاءات دقيقة عنهم، وهناك من يعتبرهم بالملايين لانتشارهم في مختلف المناطق.

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG