رابط إمكانية الوصول

logo-print

كيف ينتصر المسلمون الليبراليون؟


بقلم نيرڤانا محمود /

رغم انطلاقها منذ قرون، فشلت المساعي نحو خطاب إسلامي ليبرالي في تحقيق قبول عام في المجتمعات الإسلامية. الإسلام الليبرالي هو التفسير غير الحرفي للنصوص الإسلامية، يحافظ على روح النص ولكن يرفض الدوغمائية والرجعية. إن المقترح الذي قدمه الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي من أجل المساواة الكاملة بين الجنسين هو أحد الأمثلة الراهنة على جهود لبْرَلة الخطاب الإسلامي. ومع ذلك، فإن الغضب العارم الذي قوبل به مقترح الرئيس السبسي يوضح حجم المعارضة لليبرالية والتحديات التي تواجه المسلمين الليبراليين.

والمفارقة أن هذا الرفض العنيد لليبرالية لا يمثل وحده عقبة في وجه الفكر الليبرالي، ولكن أيضا الطريقة التي يتعامل بها الليبراليون مع هذا الرفض وكيف أنهم يتشبثون بالمعتقدات الموروثة.

يواجه الليبراليون معارضة على عدة جبهات، من الدعاة الأصوليين مثل المصري المقيم في تركيا وجدي غنيم الذي سب السبسي ووصفه بالكافر، إلى المؤسسات الإسلامية العامة مثل الأزهر المصري، الذي رفض رسميا مقترح الرئيس التونسي.

ومن بين تسونامي التعليقات على منصات التواصل الاجتماعي، والتي شكلت ردة الفعل الشفهية على مبادرة السبسي، صعقتني تحديدا تلك التي قيل إن الزعيم الأصولي للجماعة الإسلامية في مصر عاصم عبد الماجد بثها مباشرة من قطر.

على صفحته في فيسبوك هاجم عبد الماجد الرئيس السبسي قائلا إنه يستحق كل ما قاله غنيم عنه. والأكثر إثارة للانتباه بقية المنشور، إلى جانب سلسلة من المنشورات الأخرى، إذ يقر عبد الماجد بأن تكفير السبسي وغيره قد يثير ردة فعل سلبية.

ويعترف كذلك بأن الدعوة لتطبيق الشريعة ليست بنفس الشعبية التي كانت عليها في السبعينيات والثمانينيات، ويضيف أن الإسلاميين يخاطرون بهزيمة أخرى إذا كرروا سياسات الماضي.

والأكثر أهمية هو مقترح عبد الماجد بأن على الإسلاميين التركيز على كسب ود عموم المسلمين وتغيير فكرهم بدلا من الهجوم المباشر على من وصفهم بـ "أعداء الأمة".

منشورات عبد الماجد تعكس إحساسا دفينا بالهزيمة في معسكر الإسلاميين خاصة بعد فشلهم في البقاء في السلطة في أعقاب الانتفاضات العربية. وللدقة فإن الهدف من اقتراحه تغيير الخطاب هو استعادة المسلمين العاديين إلى صفهم. ولكن في الوقت الذي يناقش فيه إسلاميون كعبد الماجد خططهم التكتيكية، فشل الليبراليون في ما يتعلق بالخطط الخاصة بهم.

يحتاج المثقفون الليبراليون إلى أن يجيبوا على أسئلة صعبة من قبيل: لماذا يرفض الجمهور القلق الرافض للإسلاموية الأصولية، الميل نحو الفكر الإسلامي الليبرالي ولا يزال يتشبث بمعتقدات الأزهر الموروثة؟

هناك ثلاثة أسباب وراء ذلك: الأول هو فشل المسلمين الليبراليين في تقدير حجم مخاوف الجمهور من فقد هويته. والثاني هو استخدام الليبراليين لتكتيكات خاطئة في معركتهم ضد الدوغمائية. والثالث هو أن الليبراليين، وبالرغم من الانخفاض الملحوظ لشعبية المعسكر الإسلامي، لا يؤمنون حقا بقدرتهم على الانتصار.

إن الرفض الصاخب للمساواة بين الجنسين لا يعكس بالضرورة هيمنة التفسيرات التقليدية الصارمة للنصوص الإسلامية، بل يشير إلى إحساس متزايد بالقلق والخوق بين عموم المسلمين المتدينين من فقدانهم هوياتهم في وجه ما يعدونه غزوا ثقافيا عالميا. "ماذا بعد المساواة بين الجنسين؟" زواج المثليين؟ أم منع الحجاب؟ وسط هذا القلق الديني يصبح التفسير الحرفي للنصوص المقدسة بمثابة عقار فكري لمساعدة المسلمين على تهدئة مخاوفهم.

وفي مناخ كهذا تصبح محاولات المسلمين الليبراليين مواجهة التفسير الحرفي بتفسير حرفي عقيمة، بصراحة. فمن غير المجدي الاستشهاد بنصوص قرآنية عند مخاطبة جمهور قلق، أو مواجهة شيوخ الأزهر. هذا التكتيك سيكون مآله الفشل، ولن ينتج عنه سوى ردود فعل دفاعية عن الأزهر. وسيقود أيضا إلى مزيد من الدوغمائية والتعصب.

بدلا من ذلك، على الليبراليين أن يركزوا على تهدئة مخاوف الجمهور من الليبرالية. عليهم أن يطمئنوا عموم المسلمين بأن الليبرالية لا تسعى للهيمنة على الإسلام ولا نشر الانحلال. يجب أن تكون رسالة الليبراليين الأساسية تكوين مجتمع متسامح يتعايش فيه المسلمون جميعا بكل أطيافهم تحت مظلة تسامح واسعة. مجتمع متنوع كهذا لديه فرصة أكبر في الحفاظ على هويته ومقاومة الغزو الثقافي. وعندما يرى المسلمون المتدينون الليبرالية كمبدأ لا يهددهم سيتقبلونها أو على الأقل سيتوقفون عن رفض من يعتنقونها.

الأهم هنا هو أن المسلمين الليبراليين ينقصهم الإيمان بقدرتهم على الانتصار في المعركة الفكرية. فمنذ اغتيال فرج فودة، غرق الليبراليون في عقلية الهزيمة. على عكس فرج فودة، لا يؤمن إلا قلة منهم بأنهم سينتصرون في العالم الإسلامي، بل ويتصرف بعضهم كما لو أن الليبرالية إثم يتوجب الاعتذار عنه. من غير المفاجئ، أن الكثير من المسلمين العاديين يرفضون تقبل الليبراليين الخاملين ويفضلون عليهم الميل إلى الدعاة الدوغمائيين الواثقين في أنفسهم.

قد يكون من الصعب الاتفاق مع عاصم عبد الماجد، ولكنه محق في الإشارة إلى أن المعركة الحقيقية ليست بين التفسيرات الليبرالية والتفسيرات الأصولية للإسلام بل هي حول من يفوز بقلوب جمهور المسلمين عامة وعقولهم.

ولكي ينتصر الليبراليون في هذه المعركة عليهم أن يغير خططهم وأن يوضحوا رسالتهم، ولكن في البدء عليهم أن يصدقوا بأنهم قادرون على الفوز، وإلا لن يجدوا من يصدقهم.

المصدر: موقع الحرة

--------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG