رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

"الوعاظ الجدد".. مغاربيون يحاربون التشدد بـ'بَشَاشة الإيمان'


رجل دين يلقي درسا دينيا في مسجد بتونس

رضوان بن عبد السلام والشيخ العلوي في المغرب، شمس الدين الجزائري في الجزائر، محمد مشفر في تونس، ولد آبواه في موريتانيا… فقهاء ودُعاة مغاربيون اختاروا الاعتماد على النُكتة لإيصال خطابهم الديني، عبر إضحاك المُستمعين إلى خطبهم ومشاهدي فيديوهاتهم.

​"الإنسان عبارة عن مرحاض مُتحرك"، هكذا عبر الداعية المغربي المعروف بـ"الشيخ العلوي" عن نبذه للتكبر والغرور لدى بعض الناس، واصفا إياهم، سُخرية، بالمراحيض المتحركة، قبل أن تضج القاعة التي يخطب فيها بالضحك.

وفي جو من الدُعابة، اعترف الداعية رضوان بن عبد السلام، على غير عادة المتحدثين في مجال الدين، بكونه يعرف جيدا من تكون ممثلة أفلام إباحية وسيرتها الذاتية.

أما الشيخ شمس الدين الجزائري، فقد استطاعت فيديوهاته على "يوتيوب" تجاوز حدود الجزائر وجني ملايين المُشاهدات، بسبب طريقته الساخرة وهو يقرأ أسئلة مُتابعيه ويجيب عليها بفتاوى تنضح سُخرية وقدرة على الإضحاك.

التونسي محمد مشفر أيضا واحد من الشيوخ المُسلمين الذين يُخاطبون الناس والابتسامة لا تُفارق محياهم، ويدعو في أغلب خرجاته وفيديوهاته إلى السلام والتسامح والمحبة والاحترام.

ويعرف جميع الموريتانيين الشيخ مُحمد ولد آبواه على أثير الإذاعة، فهو لا يكتفي بالأحاديث الدينية فقط، بل هو كذلك أديب وشاعر، تتخلل خطبه أبيات شعرية بالعربية والحسانية، ونُكت مُضحكة.

بعيدا عن النمطية

يرى الباحث التونسي في الفكر الإسلامي، بدري المدني، أن أبرز صفات الخطاب الديني في صيغه الحديثة هي صفة النُكتة وفن الإضحاك، مؤكدا أن "الحاجة إلى خطاب ديني بعيد عن التكلس والنمطية مُلحة في ظل الجو الخانق الذي يعيشه المُسلمون اليوم من ضغوطات الحياة وتسارع الأحداث".

ويُضيف المدني، في حديثه مع "أصوات مغاربية"، أن "هذا ليس بغريب عن جوهر دين الإسلام، ما دام أن رب العزة يضحك ويُعلمنا بالضحك، وما دام أن رسول الله كان بشوشا ضحوكا ولينا في الدعوة ويستعمل جميع فنون التواصل الجميلة مع الناس".

وإذا كانت النكتة والابتسامة فنين من فنون التواصل في جميع المجالات، فإن لهُما، كذلك "تأثيرات على الاستقطاب والاقتراب من الناس"، يؤكد المدني، مُضيفا: "التبسم والبشاشة لا يجب أن يُفارقا وجه المؤمن".

النكتة لمحاربة التشدد

من جانبه، يعتبر الإطار السابق في وزارة الشؤون الدينية بالجزائر، الباحث عدة فلاحي، أن استعمال النكتة في الخطاب الديني ضرورة مُلحة يفرضها انتشار الإعلام الحديث، وظروف التطرف والإرهاب التي يمر منها العالم الإسلامي.

وفي هذا الصدد، يقول فلاحي، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، أن "محاربة الإرهاب عن طريق الخطاب الديني لا تتطلب استعمال النكتة فقط، بل أيضا جميع أنواع الفنون كالموسيقى والأدب، ولذلك تُطرح ضرورة عودة العلماء والأئمة إلى الأدب والثقافة، لأن الثقافة الدينية وحدها لا تخلق الإمام المرح". ​

في السياق نفسه، يستحضر الباحث الجزائري تجربة الجاحظ الذي ينتمي لمدرسة المُعتزلة، والذي كان مُلما بالأدب ويستعمل النُكتة في خُطبه وشعره، وفقه.

ما يزال البعض، حسب الباحث التونسي بدري المدني، "يسوق صورا للمسلمين على أنهم أهل كآبة وعبوس وتقطيب الجبين، غير أن الواقع غير ذلك، إذ أن التطرف والتشدد لا يلتقيان مع منهج اليُسر والسماحة والبشر".

وسيلة تواصل

وإذا كان هناك من ينتقد ما يقوم به بعض الشيوخ والدعاة من إدخال للنكتة في خطاباتهم ومُحاضراتهم، إلا أن عضو المجلس العلمي الأعلى المغربي، لحسن سكنفل، يوضح أن النُكتة في الخطاب الديني، وعظا وإرشادا ومحاضرة، يُمكن اعتبارها وسيلة للتواصل، مردفا: "رص المعلومات وعرضُها لحشرها في أذن المُستمع، دون مراعاة لحاجة الناس إلى الثقافة الدينية وقُدرتهم على التفاعل معها، قد يؤدي إلى مُغادرتهم للمكان".

وانطلاقا من هذا، فإن بعض العلماء المغاربة، حسب سكنفل، "يأتون بكلام فيه تسلية للحاضرين، وبنكت هادفة ومواقف مضحكة مرتبطة بموضوع الدرس بلغة عامية راقية تبلغ آذان المستمعين وتنفذ إلى وجدانهم فتثير انتباههم وتدخل الفرحة إلى قلوبهم".

ويحذر المتحدث ذاته من السقوط في الإسفاف والابتذال والهمز واللمز والكلام في أعراض الناس من أجل إضحاك السامعين بدون فائدة، حسب تعبيره.

ويتفق الباحث الجزائري عدة فلاحي مع هذا الطرح، معتبرا أن "المبالغة في النكتة قد تفقد الرسالة مضمونها الحقيقي، وقد تفقد الإمام هيبته، ولذلك يجب الالتزام ببعض الضوابط في استعمالها".

المصدر: أصوات مغاربية

XS
SM
MD
LG