رابط إمكانية الوصول

logo-print

اختار جزائريون العيش إلى جانب جيران من نوع خاص: نائمون لا يستيقظون، لا يتكلمون، لا يتسوقون..

في مقابر منتشرة بمدينة تلمسان الجزائرية، شيّد مواطنون سكناتهم، بعيدا عن الأعين والضجيج، فتحولت المدافن إلى عقارات سكنية يتعايش فيها الأحياء مع الأموات على أرضهم.

وأكثر ما يغري جيران الموتى هو الهدوء، الذي يلفّ المقابر باستثناء بعض الجلبة التي يُحدثها الزوار يوم الجمعة.

سكنات وحدائق خلفية على أرض المقبرة

عبد القادر صالحي، متقاعد من مواليد 1939، بمدينة تلمسان، يُشرف على حراسة ضريح سيدي مساهل بحي بودغن الشعبي، الذي يعود إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر.

عبد القادر مشرف عل مقبرة سيدي مساهل
عبد القادر مشرف عل مقبرة سيدي مساهل

لا يقوى عبد القادر على تنظيف المقبرة من غزو الحشائش والنباتات البرية، "لم أعد قادرا على حمايتها من الأعشاب التي تُغطّي القبور، مثلما لم أعد قادرا على حمايتها من غزو السكنات لأرضها"، يقول عبد القادر، الذي أحصى 26 مسكنا تم بناؤه بجوار المقبرة، وعلى أرضها "التي تعود لوقف عائلة عريقة من تلمسان".

تُطل مقبرة سيدي مساهل من أعلى الحي العتيق لبودغن، على مدينة تلمسان غرب الجزائر، لكنها تحولت بفعل زحف البنايات غير القانونية إلى ساحة مغلقة، تحيط بها سكنات لمواطنين لجأوا إلى المقبرة للاستقرار بجانب "سكانها".

مدخل مقبرة..سياج وكلب مدرب لأحد الوافدين
مدخل مقبرة..سياج وكلب مدرب لأحد الوافدين

يرفضون الرحيل ولو مقابل شقق حديثة

ويُفسّر عبد القادر صالحي سبب لجوء بعض المواطنين إلى إنجاز سكناتهم بمنطقة كهذه إلى أزمة السكن في البداية، لكن مع توفّر الكهرباء والماء والغاز والمسالك الطرقية، استقر أصحاب السكنات بجوارها، "واليوم ها هم يرفضون الرحيل أو الترحيل، ولو مقابل شقق حديثة".​

عند مدخل مقبرة سيدي مساهل، قام مواطن بإقامة سياج بداخلها تابع لسكن محاذي لها. ومن داخل السياج، يفاجئ كلب مدرب زوار الضريح والمقبرة بشدة نباحه.

يرفض أصحاب السكنات المقابلة للمقبرة الحديث عن هذا الوضع، خشية حدوث مشاكل مع جيرانهم الجُدد، لكن عبد القادر صالحي، أوضح لـ"أصوات مغاربية" أن صراعه مع المرض "ترك فراغا أدى إلى وفود عائلات استقرت بجوار المقبرة، واستغلت ساحتها، في غرس شجيرات، وتسييجها".

مقبرة "الموتى فوق الأحياء"

ومن مقبرة سيدي مساهل التي تحوي ضريح هذا الولي الصالح بمدينة تلمسان، إلى مقبرة حي بني بوبلان، التابع لبلدية المنصورة.

ميلود في مقبرة بني بوبلان
ميلود في مقبرة بني بوبلان

يقول ميلود زناسني، وهو من المقيمين في مدينة المنصورة، إن المقبرة اشتهرت منذ عقود بعبارة "الموتى فوق الأحياء"، بعدما اتخذت عشرات العائلات من كهوف تقع تحت المقبرة سكنات لها، "ودفع سوء الوضع الاجتماعي لتلك العائلات بالسلطات السنة الماضية إلى ترحيلهم مستفيدين من شقق حديثة، ضمن برنامج يهدف إلى القضاء على السكنات القصديرية".

لكن السلطات المحلية، حسب زناسني، لم تقو على إخلاء محيط المقبرة الذي شهد إنجاز سكنات لمواطنين، تتوفر على كل ضروريات الحياة، ويظهر محيط المقبرة محاصرا بالمنازل التي تم إنجازها منذ سنوات، بينما لجأ السكان إلى بناء مسجد ملاصق للمقبرة لحماية العقار من زحف البنايات، ووقف الظاهرة.

حي بني بوبلان، ظل لعقود يُعرف بعبارة "الموتى فوق الأحياء"، وإلى غاية الآن ما زال الأحياء يستأنسون بالهدوء الذي يصنعه النوم الأبدي لسكان المقبرة. ورغم صعوبة الوصول إلى الحي بالسيارة، نظرا لضيق المسالك الطرقية القديمة، فإن جيران المقبرة يفضلون البقاء على البحث عن أماكن أخرى للاستقرار، يقول زناسني ميلود في تصريحه لـ"أصوات مغاربية".

عظام بشرية تحت الأنقاض

لا يقتصر إنجاز السكنات بجوار المقابر على الأحياء الشعبية، بل إن الأحياء الراقية في مدينة عريقة مثل تلمسان، عرفت هي الأخرى، هجرة السكان نحو المقابر.

مقبرة الكيفان بمدينة تلمسان وتظهر من خلفها بنايات حديثة
مقبرة الكيفان بمدينة تلمسان وتظهر من خلفها بنايات حديثة

يؤكد بن سعيد عبد الكريم، الذي سبق له العمل في مقبرة حي الكيفان بمدينة تلمسان، أن أشغالا للحفر جرت منذ سنوات لإنجاز سكن بجوار المقبرة، "أدت إلى الكشف عن عظام بشرية، قام المعنيون بإعادة دفنها".

كما أن المقبرة التي يعود تاريخها إلى مرحلة ما بعد الاستقلال مباشرة، تعرضت لـ"غزو الإسمنت" وبناء سكنات أصبحت بمرور الوقت جزءا من النسيج العمراني للمدينة، ودفع ذلك بالسلطات المحلية إلى إقامة سياج اسمنتي لحماية أرضها من زحف البنايات العشوائية.

مقابر خارج المدن

ولحماية المقابر من زحف البنايات الحديثة، لجأ بعض المواطنين إلى استحداث مقابر جديدة، خارج المحيط العمراني الحديث لمدينة تلمسان.

مقبرة بوسميح خارج المدينة
مقبرة بوسميح خارج المدينة

​وتعتبر مقبرة بوسميح، بتراب بلدية المنصورة، نموذجا لإعادة الدفن في المقابر التي تقع خارج المدن، فقد سبق وأن هجرها السكان بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة التي كانت تعيشها البلاد خلال مرحلة التسعينات، ثم بدأت تعرف في السنوات القليلة الماضية إعادة دفن الموتى فيها، بعيدا عن زحمة وفوضى المدينة التي فضل بعض سكانها مجاورة الموتى.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG