رابط إمكانية الوصول

logo-print

هو رجل مر بزمن الجليد السياسي في الجزائر، حاول إذابة مخلفات صقيع الحزب الواحد، لكن السلطة كانت له بالمرصاد، رفع راية العلمانية في الجزائر، وحارب الإسلام السياسي. تحالف مع العسكر في ذلك، قبل أن يهاجمهم، لكنه ظل يحافظ على خيط رفيع في علاقته مع رجال المؤسسة.

مزج بين الثقافة والسياسة، وناضل من أجل الأمازيغية والديمقراطية. عارض النظام السياسي الأحادي في عهد الشاذلي بن جديد، مثلما عارض النظام الثيوقراطي في أعقاب فوز جبهة الإنقاذ بالانتخابات التشريعية عام 1991، رغم أن السجن جمعه مع خصومه من رموز الحركة الدينية في الجزائر.

يصفه المؤرخ الأمازيغي آرزقي فراد لـ "أصوات مغاربية" بأنه "رجل مثقف، يتميز بالجرأة والشجاعة في طرح أفكاره، مناضل سياسي معارض للاستبداد، خريج مدرسة الأفافاس"، مضيفا أن "سعيد سعدي مؤسس التيار العلماني في الجزائر".

ويرى آرزقي فراد أن سعيد سعدي "كاتب، له قلم سيال، ألّف عدة كتب، آخرها كتاب صدر له مؤخرا حول الشاعر والمغني والملحن الأمازيغي شريف خدام".

سعدي والأمير خالد

ورغم العقود الطويلة من النضال، لم يصل سعدي إلى تحقيق أحلامه السياسية. فقد سجن في أعقاب الربيع الأمازيغي يوم 20 أبريل 1980، ثم سجن عام 1985 عقب تأسيسه للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الانسان. فهل فشل في ذلك؟

يرى الكاتب والباحث السوسيولوجي محمد طيبي، أن "سعيد سعدي صاحب نضال سياسي وثقافي بارز، وهو لم يفشل في تحقيق آماله في نظام الديمقراطية كما يراه، بل أن الآمال العريضة تحتاج دوما لوقت أكبر".

ويضيف ذات المتحدث "رغم ذلك فإن سعيد سعدي لم يغرس نبتة، مثلما فعل الأمير خالد الذي يعتبر مؤسس الحركة الإصلاحية السياسية في الجزائر منذ التواجد الفرنسي، بل زرع خطابا سياسيا، وهو يحضر بين الفينة والأخرى، ثم يغيب".

حاول سعدي بعد موجة الربيع العربي، تحريك الشارع الجزائري ضد السلطة، من أجل مواكبة موجة الثورات الشعبية التي عاشتها عدة بلدان عربية، لكنه فشل في تحقيق ذلك بفعل الإقبال الضعيف للمواطنين.

ويبرّر سعدي ذلك الموقف في حصة ثقافية سياسية لقناة فرنسية قائلا " لقد أوقفوا الحافلات والقطارات، وحاصروا الجامعة لمنع تنقل المواطنين"، في إشارة إلى حصار السلطة له، بعدما اعتاد على تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالتغيير كل يوم سبت.

من الطب إلى السياسة

ولد سعيد سعدي في قرية أغريب بولاية تيزي وزو عام 1947، كانت تلك الفترة من عمر الجزائر، تحمل مآلات ما بعد حوادث 8 ماي 1945، فقد أسست حركة انتصار الحريات الديمقراطية جناحا عسكريا لها عقب مؤتمر فبراير 1947.

درس سعدي الطب العقلي بجامعة الجزائر، التي تحصّل منها على دكتوراه في هذا التخصّص ومارسه بمستشفى تيزي وزو، وخنشلة.

ناضل ضمن الحركة الأمازيغية في جبهة القوى الاشتراكية، التي انشق عنها، ليؤسّس التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية عام 1989، على إثر أحداث 5 أكتوبر 1988 التي أدت إلى الانفتاح السياسي والاقتصادي للسلطة، وقاده إلى غاية 2012، تاريخ استقالته من الحزب.

أية علاقة مع الإسلاميين؟

خلال فترة سجنه في الثمانينيات، كان إلى جانبه أبرز رموز الحركة الدينية في الجزائر، رغم ما تحمله مرجعية كل طرف من تناقضات ضد الطرف الآخر. فما هو موقف سعدي من الإسلاميين؟ وهل بنى برنامجه على محاربتهم، مثلما يزعم خصومه أم على مناهضة السلطة؟

في هذا السياق، يؤكد المؤرخ آرزقي فراد، على أن "سعيد سعدي له موقف صارم إزاء الإسلاميين، وتحدّى ذات يوم عباسي مدني زعيم جبهة الإنقاذ، على مرأى ومسمع الشعب الجزائري، وأعلن موقفه الصريح بأنه سيقف حجر عثرة أمام جبهة الإنقاذ، لذلك عندما وقع الانقلاب على السيادة الشعبية عام 1992، كان من بين الذين وقفوا مع أصحاب القرار".

لكن بالنسبة للكاتب والباحث السوسيولوجي محمد طيبي، فإن "علاقة سعدي مع الإسلاميين هي علاقة متضاربة، فهو يعتقد أنه يمكن أن يوظّفهم كقوة إضافية ضد النظام السياسي الجزائري، وفي نفس الوقت لا يقبل أن يكونوا جزءا من مشروعه السياسي".

علاقات غامضة مع النظام

في أعقاب فوز الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالعهدة الأولى سنة 1999، قبل سعيد سعدي الانضمام إلى الحكومة التي شكلها بوتفليقة، في ذلك الوقت الذي شهد انسحاب حسين آيت أحمد، ومترشحين آخرين من الانتخابات الرئاسية.

وفي هذا الصّدد، يعتقد الباحث السوسيولوجي محمد طيبي في حديثه لـ "أصوات مغاربية" عن سعيد سعدي، أنه "كمثقف ومحنك في العمل السياسي، جمع بين المعارضة الظاهرية، بما تحمله من حمولات ثقافية فرنكو-لائكية، وعلاقات مع أصحاب القرار الأمني في الجزائر، وبالتالي فهو محنك في حبك المناورات السياسية".

لكن سعيد سعدي أجاب عن ذلك في مقابلة تلفزيونية(1) ، عندما نفى أن يكون قد تحالف مع بوتفليقة مجانا، بل "اشترطنا فتح ورشات لإصلاح المدرسة، والعدالة، وقانون الأسرة، وبعد 10 أشهر من إعلان بوتفليقة عن ذلك، لم يظهر أي تقدّم، فانسحبنا من الحكومة".

رهان الأمازيغية

لا يخفي سعيد سعدي تمسكه بالهوية الأمازيغية، والدعوة إلى العلمانية واللبرالية التي تحفظ الحقوق الاجتماعية للمواطنين، ويشير محمد طيبي إلى أن سعدي، "من المدافعين الأشداء عن الهوية الأمازيغية التي يراها هي الحقيقة، وهو يناضل من أجل الأمازيغية المرتبطة بالأكاديمية البربرية، والمرجعية الرومانية التي تحتك مع الثقافة الكنيسية".

لكن المؤرّخ الأمازيغي آرزفي فراد، يراه "مناضلا شجاعا، وشخصية فاعلة في الحياة الثقافية والسياسية، رغم استقالته من الحزب، وهي بالمناسبة نقطة إيجابية، لأنه قدّم الاستقالة من الحزب الذي أسّسه أواخر الثمانينيات".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG