رابط إمكانية الوصول

logo-print

ماسحو الأحذية في تونس.. بحث عن الخبز بين النعال


ماسح أحذية (صورة رمزية)

طقس شديد البرودة، كمعظم أيام ديسمبر في تونس. حركة مزدحمة في شوارع العاصمة مع زحف أفواج الموظفين من ضواحي المدينة إلى قلبها النابض، في أول أيام الأسبوع.

هنا شارع باريس بالعاصمة تونس، حيث تتراص أفخم المحلات التجارية التي تعرض الملابس والمعدات التكنولوجية، ينتشر عدد من ماسحي الأحذية، معظمهم قدموا من المناطق الداخلية للبلاد إلى العاصمة بحثا عن مورد رزق.

سامي: أخجل من خطيبتي بسبب عملي

بوجه حزين، يجلس ماسح الأحذية الشاب، سامي، على كرسي مهترئ مقلبا أدوات عمله.

يعتمر الشاب قبعة صوفية تقيه برد شتاء تونس القارس منتظرا قدوم الزبائن. يبدأ نهاره على الساعة السابعة صباحا. يرتشف بين الفينة والأخرى من فنجان قهوته السوداء. ينفث دخان سيجارة رخيصة الثمن قبل أن يشرع في عمله.

سامي
سامي

يحكي سامي لـ"أصوات مغاربية" قصة انتقاله للعيش بتونس العاصمة، قبل 10 سنوات، قادما من بلدة صغيرة في الوسط، يحمل معه هموم أسرته، حسب ما يقول.

"كنتُ أقيم هناك في منزل متواضع مع ثمانية إخوة وأم أرملة، قبل حلولي بالعاصمة للبحث عن مورد رزق، يقيني شر التسول"، يردف سامي.

أدوات سامي في العمل بسيطة: طاولة خشبية مهترئة، فوقها بعض علب مادة تلميع الأحذية، ولصاق، وخيوط أحذية، وبعض قطع القماش.

سامي رفض إظهار وجهه، خشية أن تكتشف خطيبته طبيعة مهنته. السبب أن فئة واسعة من المجتمع تنظر إلى مهنته نظرة شفقة، كما يقول.

"لدي خطيبة، أحن إليها كثيرا وأخجل أن تعرف مهنتي الحقيقية فتحزن. لا أحد من الأهل يعرف ماذا أشتغل. كلما سُئلتُ عن طبيعتي عملي في العاصمة أتهرب من الرد"، يقول سامي.

يقول هذا الشاب، ماسح الأحذية، إنه يتعرض للعديد من المواقف الصعبة خلال عمله، غير أن أكثرها وجعا، كما يقول، هي حينما يمد إليه شخص لا يفوقه مكانة علمية أو اجتماعية قدمه طالبا مسح حذائه.

في تلك اللحظة، يشعر سامي، حسب ما يقول، بـ"الخجل الشديد والإهانة"، لكنه يتحلى بالصبر لتجاوز الموقف.

ليس لسامي أجر ثابت ولا يتعدى دخله اليومي، في أحسن الأحوال، 30 دينارا (حوالي 12 دولارا)، وقد يمضي يومه دون الحصول على دينار واحد.

يضيف بنبرة حزينة: "بعض الزبائن كرام، خاصة النساء؛ إذ لديهن عطف خاص ويحدث أن تمدني إحداهن بدينار أو اثنين زيادة على أجرتي".

ناصر: هذه المهنة موت بطيء

في الشارع نفسه، على بعد أمتار من سامي، يجلس ناصر أمام معدات عمله. نظراته لا تبارح الأحذية. يبادر إلى رد التحية بينما يتفحص حذاء من يقف أمامه حتى قبل أن يُطالعَ وجهه.

ناصر
ناصر

يقول ناصر إنه ورث هذه المهنة عن والده. فقد جاء إلى تونس العاصمة قادما من بلدته الصغيرة في الوسط الغربي للبلاد، حيث ترتفع معدلات الفقر، وذلك قبل نحو عقدين من الزمن.

"بدأتُ العمل في هذه المهنة في عمر 21 سنة. أعيل عائلتين. وفي كثير من الأحيان أعود إلى البيت صفر اليدين، ففي عملنا لا يمكن أن نجبر الناس على مسح أحذيتهم"، يكشف ناصر.

وقف زبون في هذه اللحظة على ناصر. شرع في تنظيف حذائه بحركة سريعة. حركة يديه خفيفة. يقلب الحذاء بسرعة من جوانبه الأربعة.

يتأكد من عدم وجود ثقوب أو خلل في النعل. ينحني إلى علبة مادة التلميع. يضع منها النزر القليل فوق الفرشاة ثم يشرع في التنظيف في حركة آلية تمرّنت عليها أصابعه، فلم يعد يحتاج إلى تدقيق. يمسح الحذاء في النهاية بقطعة قماش ناعم، ويضعه جانبا في انتظار عودة صاحبه.

"زبائني طلبة وموظفون وأطر في مؤسسات مالية. كسبت أصدقاء كثر من مهنة مسح الأحذية، لكني، في المقابل، خسرت أشياء لا تعوض؛ فصحتي لم تعد على ما يرام بعد إجراء عملية جراحية، ولم أعد قادرا على حمل الأشياء الثقيلة بسبب الجلوس المتواصل الذي تتطلبه مهنة مسح الأحذية"، يقول ناصر.

ويضيف: "لن أطلب شيئا من الدولة، فالمسؤولون يعرفون أوضاعنا الصعبة، ويَحدُث أن يمر أحدهم من هنا دون أن يكلف نفسه حتى مجرد النظر إلينا".

سعيد: تغير 5 رؤساء وما زلت ماسح أحذية

غير بعيد عن شارع باريس، وتحديدا بشارع الحبيب ثامر، قبالة كنيسة "القديس جورج"، اختار سعيد، الكهل قوي البنية، المكوث لساعات طويلة أمام معدات تلميع الأحذية الخاصة به منتظرا رزقه.

يُمنّي سعيد نفسه بإيجاد فرصة عمل أخرى أفضل لا تضعه في محل إحراج مع أصدقائه ومحيطه العائلي، كما يقول. يحكي لـ"أصوات مغاربية" أنه كثيرا ما يشعر بالخجل كلما تم التطرق إلى موضوع فرص العمل أثناء الحديث معهم.

سعيد
سعيد

يخشى سعيد من المستقبل الذي يراه غامضا، يقول: "لا أتمتع بتغطية صحية ولا بمعاش تقاعد. أوضاعي المالية لا تسمح بأن أتوفر على تغطية اجتماعية لي ولأطفالي".

"لازمت هذه المهنة منذ عقود، حتى أنني عايشت 5 حكام مروا على البلاد، بداية من الحبيب بورقيبة وصولا إلى فؤاد المبزع والمنصف المرزوقي والباجي قائد السبسي بعد الثورة، مرورا بزين العابدين بن علي"، يقول سعيد، قبل أن يردف: "خلال هذا الزمن الطويل تغيرت أمور كثيرة في البلد، لكنني ما زلت ذلك الرجل الذي تمر أمام عينيه يوميا عشرات الأحذية طامعا في تنظيف بعضها".

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG