رابط إمكانية الوصول

logo-print

بقلم منصور الحاج/

حين قرأت مقالة "العبودية المختارة" للفرنسي إتيان دو لا بويسي لأول مرة قبل سنوات، أذهلني الوصف الدقيق للعلاقة بين الحاكم والمحكومين ودور الشعوب في صنع الطغاة ومنحهم صفات وقدرات خارقة، فيما هم في الأساس بشر ليس لهم من القوة والبطش إلا بقدر ما يمنحه لهم المحكومون الذين إن توقفوا عن طاعة الحاكم فقد كل مصادر قوته.

ومنذ ذلك الحين وأنا اقترح على كل من أرى له ميولا نحو "تأليه" الحاكم أو المبالغة في وصف قدراته أو الخشية المفرطة من بطشه، أن يقرأ المقالة المنشورة عام 1576 (يمكن تنزيلها مجانا من الإنترنت) التي أعتبرها مفصلية في فهم العلاقة بين الحاكم والمحكومين وفي تعزيز قيمة الحرية كمبدأ وحق أساسي لا يرضى من ذاق حلاوتها التنازل عنها مهما كانت المغريات.

وبالنظر إلى العلاقة بين الحكام والمحكومين في المنطقة العربية وقارة أفريقيا يلاحظ أن الشعوب لم تدرك بعد أنها صاحبة الحق والقوة كما لم يدرك الحكام أن تجبرهم وطغيانهم وعدم احترامهم للقوانين ليس مستمدا من قوى خارقة يمتلكونها وإنما من أبناء الشعب الذين لو قرروا عدم طاعة أوامرهم لربما لقوا مصيرا مشابها لمصير الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.

وحتى لا أتهم بجلد الذات واحتقار الشعوب العربية والإسلامية أقول إنهم ليسوا بدعا من الشعوب، فقد جربت أمم غيرهم ولا تزال الاستبداد وويلاته. والاستبداد بالنسبة للعرب والمسلمين يرجع في اعتقادي إلى عاملين أساسين هما: عامل "عبادة القوة" بحسب تعبير الدكتور خالص جلبي ويتمثل في تأليهنا لمن يملك القوة والسلطة وإن حصل عليها بطريقة غير شرعية وهذا التأليه يصنع بالضرورة طغاة من أمثال صدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي الذين أرهبوا شعوبهم واستخفوا بهم، فأطاعوهم وأسبغوا عليهم صفات الكمال.

أما العامل الثاني فهو الثقافة الدينية التي تعزز الطغيان والمتمثلة في الطاعة المطلقة للحاكم خشية من فتنة الخروج عليهم وإن ضرب الظهور وسرق الأموال. وهذا النوع من الطاعة المطلقة للحاكم هو الذي تروج له المملكة العربية السعودية عبر هيئة كبار العلماء التي تعطي الحاكم العصمة وتحرم الخروج عليه إلا أن يرى أهل الحل والعقد منه "كفرا بواحا" ويكون عندهم فيه من الله برهان. بل إنهم يحرمون على الشعوب قول كلمة الحق أو التوجه بالنصح للحاكم أو إظهار فساده للعامة ويعتبرون ذلك من قبيل التحريض على الفتنة التي تغط في نوم عميق لا يوقظها الظلم والقمع والفساد من سباتها وإنما إشارات الحقوقيين والنشطاء السياسيين إلى وجودها ومطالباتهم بمعاقبة المسؤولين عنها.

وحسب تحليل لا بويسي لشخصية الطاغية، فهو لا يثق بأحد حتى أقرب الأقربين إليه، وأنه يستعين بالمرتزقة في حروبه خشية من أن يقوى الجيش أو يُخرج قائدا قد ينافسه في الحكم أو ينقلب عليه. ويبدع لا بويسي في وصف "المطبلين" الذين يسبحون بحمد الحاكم ويقدسون أقواله وأفعاله وكل تصرفاته فيقول: "إن سر كل طغيان إنما يكمن في إشراك فئة قليلة من المستعبدين في اضطهاد سائرهم وهكذا يرمي الطاغية بالفتات إلى زمرة المتملقين من أتباعه فلا يكتفي هؤلاء بما يغنمون منه ولا بدوام طاعتهم له بل إنهم يستبقون رغباته ويحدسون ما يريد قبل أن يفصح هو عنه. وهؤلاء المتملقون المقربون إلى الطاغية يختارون العبودية طواعية، بينما يكون الشعب مكرها عليها".

ويقدم الكاتب وصفه للتخلص من الحاكم المستبد واستعادة الحرية فيقول: "صمموا على ألا تخدموا بعد الآن وسترون أنفسكم أحرارا. لا أريد منكم أن تدفعوه دفعا، ولا أن تخلعوه خلعا، بل كفوا عن مساعدته فقط ولسوف ترونه ينهار كتمثال ضخم أزيحت قاعدته فهوى وتحطم". هذه الوصفة نفسها يقول المفكر السوري جودت سعيد مؤصل فكرة اللاعنف إسلاميا، إن القرآن قد أمر بها حين قال "كلا لا تطعه" ثم أمر بالسجود والاقتراب بدلا من مقاومة العنف بالعنف.

ويخلص لا بويسي إلى أن البشر يولدون أحرارا وتولد معهم غريزة الدفاع عن حريتهم، بل ويذهب إلى أبعد من ذلك حين يقول إن الحيوانات أيضا تعشق الحرية وإن عشقها للحرية هو ما يجعلها تقاوم عندما تقع في الأسر بمخالبها ومناقرها وقرونها ويدفع بعضها للموت كمدا لفقدها حريتها أو التنازل عن "العاج" بكسره على جذوع الشجر كما تفعل الفيلة حين يقبض عليها الصيادون فداء للحرية.

وبحسب لا بويسي فإن البشر يعشقون الحرية ولا يستسلمون للعبودية إلا في حالتين: إما أن يكونوا مكرهين بالقوة أو مخدوعين كما يفعل الكثير من الطغاة في العصر الحالي حين يروجون بأنهم صمام الأمان والاستقرار للبلاد وأن ذهابهم يعني أن تنزلق البلاد في أتون الفوضى ويتفشى العنف والجوع والتشرد حتى يرضى الناس بهم حكاما رغم علمهم بفسادهم وظلمهم.

ومن القصص المعبره التي ذكرها لا بويسي في مقالته قصة الإسبارطيين اللذين نشآ على عشق الحرية ورفض الاستبداد بولس وسبرثيوس اللذين تطوعا ليفديا أسبرطة من بطش الفرس والحديث الذي دار بينهما وبين قائد جيوش ملك الفرس إنداران الذي سألهما عن سبب رفضهما لصداقة الملك ورغبتهما عن المغانم الكثيرة التي قد يحصلان عليها إن وافقا أن يخدما الملك. فأجابه الأسبارطيان: "أنت يا إنداران لم تحسن نصحنا في هذا الأمر، لأن النعمة التي تعدنا بها خبرتها أنت، لكنك لا تعرف النعمة التي نتمتع بها نحن بها؟ لقد حظيت بإنعام الملك عليك غير أنك لا تعرف شيئا عن الحرية ولم تذق طعمها اللذيذ، ولو أنك ذقتها لنصحتنا بالدفاع عنها لا بالرمح والدرع فحسب بل بالأسنان والأظافر أيضا".

كما تطرق لا بويسي إلى "الأخيار من الناس" الذين يحظون بالاحترام والتقدير في المجتمع، ويقربهم الطاغية منه فهو يرى أن مخالطتهم للحاكم المستبد ستجعل منهم أيضا طغاة ربما نسبة إلى المثل القائل: "من عاشر قوما 40 يوما صار منهم". ويختم لا بويسي مقالته بالتصريح عن اعتقاده بأن الطغيان هو "أبغض شيء" عند الله و"أن الله قد أعد للطغاة وشركائهم عقابا خاصا في الدار الآخرة".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG