رابط إمكانية الوصول

logo-print

تعكف السلطات التونسية في الوقت الراهن على وضع اللمسات الأخيرة على مشروع قانون يهدف إلى مناهضة التمييز العنصري.

ويحيي هذا المشروع الجدل في البلاد حول أحد الموضوعات المثيرة للجدل، ويطرح تساؤلات عن مدى تغلغل العنصرية في المجتمع التونسي.

نظمت وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، بداية الأسبوع الحالي، استشارة وطنية بالشراكة مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة وعددا من مكونات المجتمع المدني لمناقشة مشروع يتعلق بمناهضة التمييز العنصري.

قانون لتجريم العنصرية

ويهدف مشروع القانون الذي نشرته الوزارة على صفحاتها الرسمية، وفقا لفصله الأول، إلى "مناهضة جميع أشكال التمييز العنصري ومظاهره حماية لكرامة الذات البشريّة وتحقيقا للمساواة بين المواطنين في التمتع بالحقوق والواجبات".

وتُعرف الوثيقة التمييز العنصري على أنه "كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أسـاس العرق أو اللون أو النسب أو غيره من أشكال التمييز.. الذي من شأنه أن ينتج عنه تعطيل أو عرقلة أو حرمان من التمتع بالحقوق والحريات الأساسية أو ممارستها على قدم المساواة أو أن ينتج عنه تحميل واجبات وأعباء إضافية".

وتضمن مشروع القانون في باب الزجر جملة من العقوبات الموجهة ضد مرتكبي جرائم التمييز العنصري.

ويعاقب مشروع القانون في فصله الثامن بالسجن من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة مالية أو بإحدى العقوبتين كل من ارتكب فعلا أو أدلى بقول يتضمن تمييزا عنصريا، وتضاعف العقوبة في الحالات التي يكون فيها الضحية طفلا أو في حالة استضعاف وغيرها من الحالات.

ويشدد مشروع القانون هذه العقوبات في الحالات التي يحرض فيها مرتكب جريمة التمييز على الكراهية والعنف والتفرقة والفصل والعزل أو التهديد بذلك ضد كل شخص أو مجموعة أساسه التمييز العنصري.

ومن المنتظر أن يتم إحالة مشروع القانون بعد هذه الاستشارة إلى مجلس الوزراء للمصادقة عليه، قبل تحويله إلى مجلس نواب الشعب لمناقشته.

وقال وزير العلاقات مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، المهدي بن غربية، إن وزارته تأمل في أن "يصادق مجلس نواب الشعب على نص القانون قبل 21 مارس 2018 الذي يصادف اليوم العالمي لمناهضة التمييز العنصري".

هل يوجد تمييز عنصري في تونس؟

تتباين الآراء بشأن مدى وجود الميز العنصري في البلاد، بين ما يعتبرها ظاهرة متفشية في المجتمع التونسي، ومن يرى فيها مجرد تصرفات فردية لا ترقى إلى مستوى الظاهرة.

وتقول في هذا السياق رئيسة جمعية "منامتي"، الناشطة في مجال محاربة العنصرية، سعدية بن مصباح، إن "ظاهرة التمييز العنصري متفشية على نطاق واسع بين التونسيين، ويمكن معاينتها في وسائل النقل العمومية والمدارس وغيرها من الفضاءات العامة والخاصة".

وتضيف الناشطة الحقوقية، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن الجمعية التي ترأسها "تدون بصفة دورية حالات من الميز العنصري التي يحرص بعض ضحاياها على متابعة قضاياهم، فيما يلوذ آخرون بالصمت أو عدم تتبع المتهمين بسبب الخوف، خصوصا في ظل غياب قانون رادع للميز العنصري".

وبخصوص الفئات الأكثر استهدافا بظاهرة التمييز، تقول محدثتنا، إن "الضحايا ينقسمون إلى تونسيين ـ بسبب لون البشرة ـ وأجانب، خاصة طلبة أفريقيا جنوب الصحراء الذين يتعرضون لأنواع شتى من المضايقات والاعتداءات وهضم الحقوق".

ونشر رواد على مواقع التواصل الاجتماعي في وقت سابق حالات اعتداء، تحمل طابعا عنصريا استهدفت طلبة في الجامعات التونسية.

في المقابل، يرى الباحث الاجتماعي الدكتور أحمد الأبيض أن التمييز العنصري لا يرقى إلى درجة وصفه بالظاهرة.

ويقول، في هذا الإطار، إن "أصحاب البشرة السوداء والبيضاء يعيشون جنبا إلى جنب في مختلف الفضاءات العامة دون أن يسبب ذلك أي إشكال لدى الطرفين"، واعتبر أن حالات الميز العنصري "نادرة وهي تصرفات فردية معزولة لا تعبر عن المزاج العام".

وأنحى باللائمة على الإعلام الذي اعتبره مسؤولا عن "النفخ في هذه الأحداث لجعلها ظاهرة قائمة الذات في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من إشكاليات أعمق بكثير".

من جهته يرى الباحث في علوم الاجتماع، فتحي الجراي، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إنه لا يمكن إنكار وجود بعض التصرفات العنصرية في المجتمع التونسي، خاصة في علاقة بغياب أصحاب البشرة السوداء عن مراكز القرار السياسي، وندرة حدوث زيجات بين الطرفين مؤكدا في الآن ذاته أن تلك التصرفات لا ترقى إلى مستوى أن تكون ظاهرة مجتمعية بحد ذاتها.

من سن القوانين إلى تغيير العقليات

في تقييمها لمشروع القانون مناهضة التمييز العنصري تقول رئيسة جمعية "منامتي" إنه "قانون مقبول على الرغم من بعض الثغرات الموجودة فيه، ومن بينها كونه ينص على مناهضة التمييز في حين كان من الأجدر العمل على وقف التمييز لأن المناهضة من مشمولات منظمات المجتمع المدني".

وتطالب سعدية بن مصباح الدولة التونسية، بعد مرور أكثر من ستين سنة على استقلال البلاد، بتكثيف جهودها في هذا الصدد و"عدم الاكتفاء بإصدار التشريعات التي يمكن أن تخفف من وطأة الظاهرة لكنها غير قادرة على إنهائها بشكل تام دون اعتماد آليات حقيقية في قطاع التربية والإعلام وغيرها".

ويتبنى الباحث الاجتماعي أحمد الأبيض هذا الطرح مؤكدا أن القوانين لا تغير من الواقع شيئا في غياب استراتيجية كاملة تشمل المدارس والتنشئة الاجتماعية وحملات للتوعية والتحسيس بالظواهر السلبية.

يُذكر أن تونس كانت قد ألغت تونس ظاهرة الرق منذ العام 1861، لتكون بذلك قد سبقت جميع الدول العربية وبعض البلدان الغربية إلى هذا التشريع، كما صادقت البلاد على اتفاقيات دولية تناهض الميز العنصري.

المصدر: أصوات مغاربية

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG