رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

العالمية أم العولمة؟


كانت المعلومات التي ننالها اليوم بضغطة زر حلما بعيد المنال

بقلم رياض عصمت/

إبان عهد الدراسة الجامعية الأولى في مطلع الشباب، تعلمنا أهمية "العالمية" (Universality) في الأدب من أساتذتنا الأميركيين الذين كانوا يأتون إلى جامعة دمشق من خلال منح "فولبرايت" لتدريس الطلبة السوريين.

كانت الأعمال المقررة علينا في أغلبها تتسم بهذه الصفة التي تكسبها نزعة إنسانية وخلودا. هكذا، ظلت المقولة المفضلة لجيلنا من ثلاثية نجيب محفوظ إلى "مئة عام من العزلة" لماركيز هي: "المحلية هي أقصر طريق إلى العالمية"، وآمنّا بأن "العالمية" هدف منشود يجب أن يتوق إليه الأدباء الشباب، دون أن يفقدوا بالطبع هويتهم القومية، لأنها تكسبهم التنوع والتمايز عن أقرانهم من مبدعي الثقافات الأخرى.

أخشى أنه في الربع الأخير من القرن العشرين انقلبت الصورة وتبدلت المفاهيم، إذ ظهر مصطلح جديد بصورة متزايدة وطاغية هو مصطلح "العولمة" (Globalization).

لا تأخذ "العولمة" اللمسات "المحلية" بعين الاعتبار، بل تسعى لإذابة الفوارق بين الثقافات وصهرها في شكل واحد. بالأحرى، تعنى العولمة بفرض نموذج القطب الواحد في كل شيء، من الأدب والفنون الدرامية والتشكيلية إلى الصناعة والتجارة والسياحة وحتى ثقافة الطبخ عبر مطاعم الوجبات السريعة والمشروبات الغازية وسواها.

لذلك، تعالت أصوات حتى في بعض دول أوروبا، وبالأخص فرنسا، التي قرعت ناقوس الخطر محذرة من هذه الظاهرة على شبابها، بل من خطر ذلك المفهوم المتسلط للعولمة، والمختلف تماما عن المفهوم الإنساني النبيل للعالمية.

الأمر أخطر، بالتأكيد، بالنسبة لما يسمى "الجنوب" في العالم بالمقارنة مع أوروبا. إذ أن "الشمال" يأمل بتذويب السمات المحلية للدول النامية في بوتقة التأثر، وحرمانها من التأثير، في سعي لمحو ثقافاتها الأصلية ودمجها بنموذج القطب الأوحد.

إقرأ للكاتب أيضا: شموع الأطفال تضيء عتمة العرب

ليست "العولمة" مفهوما جديدا تماما، إذ سبق أن هيمنت في الماضي حضارات مختلفة في مرحلة أو أخرى، كالرومان والفرس والإسبان والإنكليز... في الواقع، فرضت "العولمة" نفسها في عصرنا، بحيث لا يمكن تجاهلها، وإلا كنا مثل النعامة التي تدفن رأسها في الرمال اتقاء للخطر.

وراء مظاهر "العولمة" السياحية أمور أخطر وأعقد بكثير، مثل اقتصاد السوق، البورصة العالمية، الفضائيات التلفزيونية، احتكار شركات الكومبيوتر، منتديات اقتصادية معينة... وسواها.

بالتالي، للعولمة وجهان: سلبي وإيجابي، قبيح وجميل. يتجلى الأول في محاولة قطب واحد الهيمنة على ثقافات واقتصاد العالم، ملغيا التفرد المحلي والمصالح القومية، ويتجلى الثاني في الحوار مع الآخر، وتلاقح الثقافات والاقتصاد بما يغني الحضارات الإنسانية، ويجلب للمجتمعات غربا وشرقا، شمالا وجنوبا، مزيدا من الرفاه والاستقرار والأمان.

بوجه عام، أتاحت المعلوماتية تصعيد الصراع العنيف والشرس بين مشروعية "العالمية"وعدوانية "العولمة"، بحيث يتناقص التناقض بين هوية الذات المحلية والاتصال الإنساني بالثقافات الأخرى.

قبل سنوات خلت، كانت المعلومات التي ننالها اليوم بضغطة زر حلما بعيد المنال، فهل نتشاءم وننغلق على ذواتنا ونندب عزلة الماضي من أجل نوستالجيا وهمية للنقاء المسرحي؟ أم نكافح للبقاء في عصر المصادر المتاحة بغزارة، ما يجعلنا تدريجيا لا نكتفي باستيراد النموذج الثقافي من الغرب المتقدم، وإنما تعريفه بثقافتنا الحديثة التي تستلهم التراث بأصالة، إنما دون نزعة متحفية زائفة.

يفترض أن يتملى الإنسان عميقا في القرن الحادي والعشرين في وجه آخر للعولمة، وجه أكثر إيجابية ينظر إلى العالم على أنه قرية كونية كبيرة عبر تقدم التكنولوجيا الرهيب، ويسعى لإزالة الحواجر الصناعية والتجارية من أجل تشغيل أوسع وأرخص لليد العاملة، وتأمين احتياجات المواطن العالمي بسعر زهيد.

لكن الجدير بهذه العولمة الاقتصادية والصناعية والتجارية والعلمية والإعلامية ألا تنتقل بالعدوى إلى الثقافة والفنون، بدليل الاحتفاء بالاختلافات البينة في الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية والسينمائية والتلفزيونية والتشكيلية في ثقافات العالم.

إن النجاح في نيل بعض الجوائز العالمية القيمة كجائزة "نوبل" لا يأتي من التشابه، بل من الاختلاف، ولا يأتي من الاتباع، بل من الإبداع. هذا الوجه الإيجابي من العولمة يؤمن بالمثاقفة مع الآخر، ويعترف بالتعددية والتنوع، أي أنه عولمة ديموقراطية بامتياز. لكنها ـ للأسف الشديد ـ عولمة محدودة التواجد، وما تزال الحلقة الأضعف من مفهوم "العولمة" ما لم يبذل العالم المتقدم من جانبه جهدا لقبولها واحتوائها وتشجيعها.

إقرأ للكاتب أيضا: السلطة الرابعة تمسك الحقيقة كالجمر

بالتالي، فالسؤال المشروع في العالم العربي في القرن الحادي والعشرين: هل العولمة بمجملها شر مستطير يجب التصدي له ومحاربته بقوة؟ هل هي قدر محتوم لا يمكن تجنبه، أم أن ثمة خيارات أخرى؟ هل يمكن الصمود أمام اجتياح إعصار العولمة، بالمفهوم السلبي، أم أن الدمار للهوية المحلية أمر محتوم في عصرنا؟ وهل تتهاوى الثقافات المحلية تحت وطأة العولمة، أم أنها تكتسب الانتشار العالمي من خلالها؟

إذا أحسن كتابنا وفنانونا قراءة الحاضر والمستقبل، سيتمكنون من الصمود في وجه ما يسمى تعسفا "الغزو الثقافي"، الذي يخشاه الجميع متوقعين منه الويل والثبور وعظائم الأمور. لا بل سيستطيع مبدعونا الرد عليه بنسيم عليل ينعش رئة الغرب نفسه، ويحمل عبقا ينافس "أوديب" و"هاملت" و"دون كيخوت".

لن تتأخر الثقافة في عصر المعلوماتية والإعلام العولمي، بل سيكتب لكل الثقافات قاطبة ـ بما في ذلك الغربية ـ التقدم والازدهار. لا يلغي الكمّ الكيف، بل ستتيح الكثرة المتبادلة من الإبداع الأصيل في العالم مزيدا من القدرة على الانتقاء عند المتلقين من القراء والمشاهدين، وترفع من مستوى التذوق المعرفي والجمالي، فيضمحل شأن أصحاب المواهب الضحلة، ولا يصح إلا الصحيح.

إذن، صار لزاما في عصرنا الراهن اتخاذ موقف من "العولمة"... موقف فاعل، وليس منفعلا. بالتالي، لا بد من الانخراط الإيجابي في مواجهة ظاهرة العولمة، ليس بنفيها أو تجاهلها، بل بالعمل الشجاع الدؤوب على أن يكون لنا نقاط علام فيها، سواء اقتصاديا أم ثقافيا، وهذا لا يتم دون جهود من المبدعين ودولهم المحتضنة لإبداعاتهم، والحريصة على تسويقها للعالم أجمع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

رأيك

اظهار التعليقات

XS
SM
MD
LG