Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رفقة نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رفقة نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون

منذ سنوات قليلة مضت، تفاجأ أغلب الجزائريين لِما تضمنه كتاب الوزير الأول الأسبق عبد الحميد الإبراهيمي عن حقيقة "حزب فرنسا" في الجزائر، وعن مدى تغلغله في مراكز القرار، ودوره البارز في العديد من الأحداث التي عرفتها الجزائر منذ استقلالها لغاية اليوم.

كان الحديث عن "حزب فرنسا" في الجزائر يشكل طابوها حقيقيا في السابق، قبل أن يغزو وسائل الإعلام المحلية ويصبح حديث العديد من المواطنين، بالنظر إلى الحقائق التي أوردها هذا المسؤول القوي في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد.

​​فمن يكون "حزب فرنسا"؟ متى تأسس؟ وهل فعلا هو المسؤول عن الأحداث السياسية التي عرفتها الجزائر وتلك الجارية الآن؟ وإلى أي حد يؤثر على القرار السياسي بالبلد؟

يؤكد الوزير الأول الجزائري الأسبق، عبد الحميد الإبراهيمي في كتابه "في أصل المأساة الجزائرية.. شهادة عن حزب فرنسا الحاكم" أن فرنسا انتقلت من استعمار تقليدي للجزائر إلى استعمار حديث بدأ بـ"مشروع اختراق جيش التحرير الجزائري".

وحسب الإبراهيمي فقد تم تجسيد هذا المخطط مباشرة بعد التحاق عدد من الضباط الجزائريين من الجيش الفرنسي بجيش التحرير بين سنوات 1958 و1962.

وكشف المؤلف، الذي تحول إلى معارض سياسي نهاية الثمانينات، أن "نفس هؤلاء الضباط الذين ترقوا في رتبهم بعد الاستقلال، صاروا هم المتحكمين في قيادة المؤسسة العسكرية في سنوات السبعينات وفي دواليب السلطة في البلاد".

حقائق واتهامات!

وتتحدث شهادات لبعض القيادات التاريخية للثورة الجزائرية عن بقاء مجموعة من الضباط على علاقة مباشرة مع فرنسا، حتى بعد الاستقلال، إذ سبق لأحد مفجري ثورة التحرير الجزائرية، عمار بن عودة، أن اتهم بشكل مباشر وزير الدفاع الأسبق الجنرال خالد نزار بـ"التسبب في سجن زميله اللواء بلوصيف بعد تلقيه أوامر فرنسية".

وفي نفس الاتجاه أيضا يتحدث كتاب الوزير الأول الأسبق عن دور كبير لعبه هؤلاء الضباط في مجموعة من الأحداث التي عرفتها الجزائر في التسعينات، خاصة ما تعلق بتوقيف المسار الانتخابي سنة 1992، أو قضايا أخرى مماثلة.

يعلق المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث عن هذه الشهادات وما جاء في كتاب عبد الحميد الإبراهيمي بالقول "الأمر صحيح ولا يمكن التشكيك فيه بأي حال من الأحوال".

وبحسب المتحدث فإن "فرنسا التي فشلت في مواجهة الثورة الجزائرية عسكريا، اهتدت إلى حل آخر وضعه شارل ديغول يقضي بالانتقال من فكرة الجزائر فرنسية إلى استعمار الجزائر عن طريق الجزائريين أنفسهم".

ويضيف المؤرخ، في تصريح لـ "أصوات مغاربية"، أن "فكرة هذا المشروع انطلقت مباشرة بعد فرار مجموعة من الضباط الجزائريين من الجيش الفرنسي والتحاقهم بجيش التحرير الجزائري.. الأمر لم يكن عفويا، ولكن كان مبرمجا".

ويشير محمد الأمين بلغيث إلى أن "بعض هؤلاء الضباط الفارين قدّموا لفرنسا، منذ الاستقلال إلى غاية اليوم، ما عجزت عن تحقيقه في مرحلة الاستعمار".

الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد رفقة اللواء خالد نزار
الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد رفقة اللواء خالد نزار

من جانبه، أوضح المحلل السياسي، عبد العالي رزاقي، هؤلاء الضباط "حولوا الجزائر إلى ولاية تابعة لفرنسا من خلال مزايا عديدة قدموها لثقافتها واقتصادها وحتى سياستها".

ويعلل المتحدث رأيه بأمثلة من الواقع الاقتصادي "اسألوا عمن يدير المؤسسات الاقتصادية الكبرى في الجزائر مثل الترامواي والمطارات والميترو.. أليسوا فرنسيين؟ هذا دليل كاف على صحة استمرار وجود حزب فرنسا في الجزائر".

وقال رزاقي إن فرنسا هي الآن جد مرتاحة لوضعها في الجزائر "فكل مصالحها محفوظة، لغتها هي لغة المسؤولين الرسميين، واقتصادها يستفيد بشكل دوري وعادي من خزينة الجزائر، وهي لا تحتاج لمن يساعدها في ذلك.. أبناؤها فعلوا كل شيء".

السرّ في مفاوضات إيفيان

أما الإعلامي والمحلل السياسي فيصل ميطاوي فيبدي رأيا مخالفا بخصوص هذا الموضوع، إذ يقول "هناك كلام كثير عن حزب فرنسا في الجزائر وبأنه يسيطر على القرار السياسي فيها، لكن أعتقد أن الأمر مجرد كلام، ويحتاج إلى كثير من التدقيق والتمحيص".

واسترسل المتحدث "لا أحد يمكنه نفي التواجد الفرنسي في الجزائر بعد استقلالها إلى غاية الآن، وهناك عدة أشياء تبرر ذلك، منها اتفاقية إيفيان التي وقعت بين الطرفين نهاية ثورة التحرير".

"أعتقد أن نقاط الظل العديدة الموجودة في العلاقة بين فرنسا والجزائر الآن تكمن ربما في ما يسميه البعض بالبنود السرية التي تضمنتها اتفاقية إيفيان، والتي لم يفصح عنها"، يقول المتحدث.

ويرى ميطاوي أنه "ما لم نتمكن من معرفة هذه البنود وماذا تضمنته فستبقى العلاقات الثنائية بين الطرفين غامضة".

وبخصوص الشهادات التي قدمها كبار الثوريين وبعض المؤرخين عن "اختراق الجيش الجزائري من قبل الضباط الفارين"، أفاد المصدر ذاته "أن الأمر يبقى مجرد اتهامات تحتاج إلى كثير من التدقيق والتمحيص، خاصة بعد تصريحات اللواء المتقاعد خالد نزار الذي نفى هذه التهم ومثله فعل ضباط آخرون".

من جهة أخرى، يقول الوزير الأسبق والقيادي في حزب جبهة التحرير الوطني، نورالدين بن نوار، إن "حزب فرنسا في الجزائر أضحى من الماضي ولم يعد لديه أي تأثير، خاصة على عهد الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة".

"لقد تمكنت الجزائر من دفع كل ديونها للخارج وحررت بذلك قرارها السياسي والاقتصادي من الضغوطات الأجنبية، بل رفضت الذهاب إلى الاستدانة من الخارج، حتى تغلق الباب في وجه ما يسمى حزب فرنسا أو جهة أخرى"، يختم بن نوار.

 

المصدر: أصوات مغاربية

 

مواضيع ذات صلة

من مسيرة الحراك الشعبي في فبراير 2020
من إحدى مسيرات الحراك الجزائري- أرشيف

تمر اليوم الذكرى الـ36 لانتفاضة 5 أكتوبر 1988 في الجزائر التي ذهب ضحيتها 160 متظاهرا ومئات المصابين، وفق الرواية الرسمية، وأعقبها انفتاح سياسي وإعلامي أنهى هيمنة الحزب الواحد الذي حكم البلاد منذ استقلالها عام 1962.

وشكلت انتفاضة 5 أكتوبر 1988 عاملا رئيسيا في التحول السياسي الذي مس النظام الجزائري، فقد خرج مئات الشباب في أحياء ومدن رئيسية، خصوصا بالجزائر العاصمة، في مسيرات حاشدة منددة بتردي الأوضاع الاقتصادية والانغلاق السياسي.

وعبرت الجزائر وقتها من الأحادية التي قادها حزب جبهة التحرير الوطني طيلة 27 سنة، نحو فسيفساء سياسي وإعلامي واقتصادي انفتحت خلاله الحكومة على كافة التيارات التي كانت تعمل في السرية من إسلاميين ويساريين وديمقراطيين.

وخلال هذه العقود مرت التجربة الديمقراطية بمراحل عدة، وكانت البداية عندما فسح دستور فبراير 1989 المجال أمام التعددية، إلا أن صدمة المواجهة بين الإسلاميين والحكومة التي ألغت فوزهم بغالبية مقاعد الانتخابات التشريعيات في ديسمبر 1991، أجهضت مسار التعددية في البلاد.

أعلنت السلطة حالة الطوارئ وحظرت نشاط الجبهة الإسلامية للإنقاذ (فازت في التشريعيات)، عقب استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد في 11 يناير 1992، كما فتحت محتشدات بالصحراء لاعتقال عناصر جبهة الإنقاد بعد تنصيب محمد بوضياف رئيسا للدولة الذي تعرض للاغتيال يوم 29 يونيو 1992، لتدخل البلاد عشرية الدماء والدموع.

عادت الحكومة للمسار الديمقراطي عقب انتخاب الجنرال ليامين زروال رئيسا للبلاد في 1995، ثم تنظيم انتخابات تشريعية ومحلية سنة 1997، طعنت المعارضة في نزاهتها، وسط تصاعد للعنف والمجازر التي استهدفت المدنيين.

وأعلن الرئيس زروال عن استقالته وتنظيم انتخابات مسبقة فاز بها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في أبريل 1999، ولم يغادر السلطة إلا عقب احتجاجات شعبية عمت البلاد في فبراير 2019، بعد أن قضى 20 سنة في سدة الحكم.

تجاوزت السلطة مرحلة الحراك الشعبي عندما نظمت انتخابات رئاسية في ديسمبر 2019 فاز بها الرئيس الحالي، عبد المجيد تبون، الذي أطلق سلسلة إصلاحات دستورية مست التشريعات والقوانين، وأعيد انتخابه لولاية ثانية في 7 سبتمبر الماضي.

وتتباين وجهات النظر حول المسار السياسي والديمقراطي الذي قطعته البلاد، بين من يعتبره تراجعا، ومن يرى أنه لم يتوقف ولم تراجع.

عودة لما قبل التعددية

وتعليقا على هذا النقاش، يعتقد المحلل السياسي، توفيق بوقاعدة، أن هناك تراجعا عن الديمقراطية والتعددية عقب كل إصلاح تعرفه البلاد"، مضيفا أن إصلاحات دستور 1989 كانت متقدمة جدا عما هو الوضع عليه الان".

ويتابع بوقاعدة مشيرا إلى أن السلطة أصبحت "تشدد على الحريات بوضع خطوط حمراء تحت مسميات مختلفة"، وفي تقدير المتحدث فإن البلاد "تتجه تدريجيا نحو مرحلة ما قبل أكتوبر 1988 التي تميزت بالنظام الأحادي".

وقال توفيق بوقاعدة لـ"أصوات مغاربية" إن الساحة السياسية تتشكل اليوم وفق "الرأي الواحد والشخص الواحد، كما لو أننا قبل التعددية السياسية"، منتقدا الأطراف التي "تتغنى بوجود فضاء سياسي حر في البلاد، وتدعم المسار الذي وصلت إليه الديمقراطية".

مسار لم يتوقف

وبخلاف ذلك، يرى أستاذ القانون الدستوري، موسى بودهان، أنه "لا يمكن الجزم بأن الجزائر تراجعت عن مسار بناء مؤسسات دستورية ديمقراطية الذي بدأته منذ أكتوبر 1988 إلى اليوم"، مشيرا إلى أن الأوضاع والأحداث التي عاشتها البلاد كانت "أقوى من التجربة الفتية التي كانت في بدايتها".

وبالنسبة للمتحدث فإن كافة المراحل التي عاشتها الجزائر كانت التعددية "حاضرة فيها باستثناءفترة الأوضاع الأمنية الخاصة التي أعقبت استقالة الشاذلي بن جديد في يناير 1992"، مضيفا أنه برغم الحالة الأمنية الصعبة خلال التسعينيات "نظمت الحكومة انتخابات رئاسية ونيابية ومحلية سمحت بالعودة للمسار الانتخابي".

ويرى بودهان في حديثه لـ"أصوات مغاربية" أن المسار الديمقراطي "لم يتوقف ولم يتم التراجع عنه"، مستدلا عن ذلك بإعلان الرئيس تبون عن حوار قادم "يسمح لكافة التيارات بعرض وجهة نظرها بشأن الوضع السياسي وآفاقه المستقبلية في الجزائر"، وتوقع أن "تثري هذه المحطة التجربة الديمقراطية في البلاد".  

المصدر: أصوات مغاربية