Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

هنري علاق (2005)
هنري علاق (2005)

"حاولت مقاومة الاختناق من خلال الاحتفاظ بالهواء في رئتي لأطول فترة أقدر عليها، لكن لم أستطع، وتولد لديّ انطباع بالغرق، واستولى علي شعور بالعذاب الرهيب، المتمثل في الموت نفسه".

هذا مقتطف، مما كشفه صحافي فرنسي في كتاب، حول "التعذيب الذي طاله كغيره من الجزائريين إبان الاحتلال، وجزء من الانتهاكات التي اقترفتها فرنسا في تلك الحقبة".

يهودي الأصل وجزائري بالتبني

هنري علاق صحافي يهودي الديانة، ولد في 20 يوليو 1921 في لندن، من والدين ينحدران من أصول بولندية روسية، فهو بريطاني بحكم الولادة وصار فرنسيا باستقرار عائلته في باريس، ثم تحول إلى جزائري بالتبني بعد استقلالها سنة 1962.

تولّى هنري، في الفترة ما بين 1950 إلى 1955، ادارة تحرير جريدة "الجزائر الجمهورية"، لكنها بعد مدة، تعرضت للحظر من السلطات الفرنسية، على اعتبارها الصحيفة الوحيدة التي فتحت أعمدتها لمختلف الآراء الديمقراطية والوطنية الجزائرية.

بعدها بسنة، حاول هنري الفرار بجلده من محاولة الاعتقال، التي كانت تطال كل موظفي الجريدة، واضطر للاختباء في أحد الأحياء بالعاصمة الجزائر، غير أنه تم القبض عليه سنة 1957 من قبل فرقة المظليين الفرنسيين.

​​التعذيب ولّد السؤال

وطيلة وجوده في سجن لومباز في الجزائر، تعرض هنري للتعذيب من طرف القوات العسكرية الفرنسية كغيره من الجزائريين المقبوض عليهم آنذاك، على حد رأيه.

هذا الفترة، شكلت منعرجا في حياة هنري، حيث اهتدى إلى نشر كتاب بعنوان "السؤال" مباشرة بعد خروجه من السجن، يستعرض فيه تجاربه القاسية التي عاشها في السجن والمعسكرات.

وسرد في كتابه، تفاصيل دقيقة منذ إلقاء القبض عليه في 12 يونيو 1957 على أيدي فريق المظلات، بقيادة جاك ماسو، إلى غاية إطلاق سراحه.

وبحسب ما ورد في كتاب "السؤال"، تعرض علاق بشكل خاص للتعذيب بواسطة الماء، واصفا هذه العملية باسم "إغراق إلى حد الاختناق".

كما روى هنري التفاصيل الدقيقة، "أثناء تعرضه للتعذيب بالمولدات الكهربائية من قبل الجيش الفرنسي، ما أحدث مضاعفات سلبية على جسده".

وفي حوار أدلى به لصحيفة جزائرية، قال علاق إن التعذيب كان "يمارس تلقائيا على من ألقي القبض عليهم"، معترفا أنه كان يعرف المصير الذي ينتظره بعدما تم توقيفه.

ويضيف علاق أن الانتهاكات الممارسة داخل السجن كانت "بمباركة السلطات الفرنسية"، مشيرا إلى أن العواقب المترتبة عن هذه الممارسات كانت "فظيعة".

ويعتقد الصحافي أن التعذيب "لم يكن عرضيا في الحرب الاستعمارية، ولكنه كان أساس الحرب"، كاشفا أن الكثير من الأشخاص قُتلوا بسبب هذه الممارسات.

هل دافع عن الجزائر؟

وفي نظر الباحث في التاريخ، عبد الباسط شرقي، أن "فرنسا كان لا يزعجها مناضل جزائري صاحب قضية، بقدر ما كان يزعجها مناضل من أجل الحرية من بني جلدتها".

ويتصور الباحث، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، أن مؤلف هنري علاق "ساهم في فضح الجرائم والانتهاكات التي مارسها الاستعمار الفرنسي في الجزائر، فضلا عن أنه من أصدق المصادر التاريخية التي وثقت للتعذيب في الجزائر".

وكون علاق شاهد على هذه الجرائم وحقوقي التكوين، دفعه لاتخاذ موقف معارض وصريح من السياسات الاستعمارية للحكومة الفرنسية، وحتى من اليسار الفرنسي عموما، على حد تعبير الباحث.

"هذا ما يبرهن"، وفق تصور شرقي، "على مصداقية الكاتب ويثبت مناصرته القوية والمبدئية للقضية الجزائرية ولكل القضايا الإنسانية في العالم".

في المقابل، لا يرى المؤرخ خميلي عكروت أي جدية في نضال هنري علاق، إذ يعتبره كباقي الفرنسيين الآخرين ممن كتبوا شهاداتهم عن الثورة الجزائرية.

ويقول، في تصريح لـ"أصوات مغاربية، إن "الكتاب الفرنسيين، ممن دوّنوا شهاداتهم عن الثورة، حصروا تلك الجرائم في بعض الحالات التعذيب للتضليل على الجريمة الكبرى التي استمرت 130 سنة".

 

 

المصدر: أصوات مغاربية

 

مواضيع ذات صلة

من مسيرة الحراك الشعبي في فبراير 2020
من إحدى مسيرات الحراك الجزائري- أرشيف

تمر اليوم الذكرى الـ36 لانتفاضة 5 أكتوبر 1988 في الجزائر التي ذهب ضحيتها 160 متظاهرا ومئات المصابين، وفق الرواية الرسمية، وأعقبها انفتاح سياسي وإعلامي أنهى هيمنة الحزب الواحد الذي حكم البلاد منذ استقلالها عام 1962.

وشكلت انتفاضة 5 أكتوبر 1988 عاملا رئيسيا في التحول السياسي الذي مس النظام الجزائري، فقد خرج مئات الشباب في أحياء ومدن رئيسية، خصوصا بالجزائر العاصمة، في مسيرات حاشدة منددة بتردي الأوضاع الاقتصادية والانغلاق السياسي.

وعبرت الجزائر وقتها من الأحادية التي قادها حزب جبهة التحرير الوطني طيلة 27 سنة، نحو فسيفساء سياسي وإعلامي واقتصادي انفتحت خلاله الحكومة على كافة التيارات التي كانت تعمل في السرية من إسلاميين ويساريين وديمقراطيين.

وخلال هذه العقود مرت التجربة الديمقراطية بمراحل عدة، وكانت البداية عندما فسح دستور فبراير 1989 المجال أمام التعددية، إلا أن صدمة المواجهة بين الإسلاميين والحكومة التي ألغت فوزهم بغالبية مقاعد الانتخابات التشريعيات في ديسمبر 1991، أجهضت مسار التعددية في البلاد.

أعلنت السلطة حالة الطوارئ وحظرت نشاط الجبهة الإسلامية للإنقاذ (فازت في التشريعيات)، عقب استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد في 11 يناير 1992، كما فتحت محتشدات بالصحراء لاعتقال عناصر جبهة الإنقاد بعد تنصيب محمد بوضياف رئيسا للدولة الذي تعرض للاغتيال يوم 29 يونيو 1992، لتدخل البلاد عشرية الدماء والدموع.

عادت الحكومة للمسار الديمقراطي عقب انتخاب الجنرال ليامين زروال رئيسا للبلاد في 1995، ثم تنظيم انتخابات تشريعية ومحلية سنة 1997، طعنت المعارضة في نزاهتها، وسط تصاعد للعنف والمجازر التي استهدفت المدنيين.

وأعلن الرئيس زروال عن استقالته وتنظيم انتخابات مسبقة فاز بها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في أبريل 1999، ولم يغادر السلطة إلا عقب احتجاجات شعبية عمت البلاد في فبراير 2019، بعد أن قضى 20 سنة في سدة الحكم.

تجاوزت السلطة مرحلة الحراك الشعبي عندما نظمت انتخابات رئاسية في ديسمبر 2019 فاز بها الرئيس الحالي، عبد المجيد تبون، الذي أطلق سلسلة إصلاحات دستورية مست التشريعات والقوانين، وأعيد انتخابه لولاية ثانية في 7 سبتمبر الماضي.

وتتباين وجهات النظر حول المسار السياسي والديمقراطي الذي قطعته البلاد، بين من يعتبره تراجعا، ومن يرى أنه لم يتوقف ولم تراجع.

عودة لما قبل التعددية

وتعليقا على هذا النقاش، يعتقد المحلل السياسي، توفيق بوقاعدة، أن هناك تراجعا عن الديمقراطية والتعددية عقب كل إصلاح تعرفه البلاد"، مضيفا أن إصلاحات دستور 1989 كانت متقدمة جدا عما هو الوضع عليه الان".

ويتابع بوقاعدة مشيرا إلى أن السلطة أصبحت "تشدد على الحريات بوضع خطوط حمراء تحت مسميات مختلفة"، وفي تقدير المتحدث فإن البلاد "تتجه تدريجيا نحو مرحلة ما قبل أكتوبر 1988 التي تميزت بالنظام الأحادي".

وقال توفيق بوقاعدة لـ"أصوات مغاربية" إن الساحة السياسية تتشكل اليوم وفق "الرأي الواحد والشخص الواحد، كما لو أننا قبل التعددية السياسية"، منتقدا الأطراف التي "تتغنى بوجود فضاء سياسي حر في البلاد، وتدعم المسار الذي وصلت إليه الديمقراطية".

مسار لم يتوقف

وبخلاف ذلك، يرى أستاذ القانون الدستوري، موسى بودهان، أنه "لا يمكن الجزم بأن الجزائر تراجعت عن مسار بناء مؤسسات دستورية ديمقراطية الذي بدأته منذ أكتوبر 1988 إلى اليوم"، مشيرا إلى أن الأوضاع والأحداث التي عاشتها البلاد كانت "أقوى من التجربة الفتية التي كانت في بدايتها".

وبالنسبة للمتحدث فإن كافة المراحل التي عاشتها الجزائر كانت التعددية "حاضرة فيها باستثناءفترة الأوضاع الأمنية الخاصة التي أعقبت استقالة الشاذلي بن جديد في يناير 1992"، مضيفا أنه برغم الحالة الأمنية الصعبة خلال التسعينيات "نظمت الحكومة انتخابات رئاسية ونيابية ومحلية سمحت بالعودة للمسار الانتخابي".

ويرى بودهان في حديثه لـ"أصوات مغاربية" أن المسار الديمقراطي "لم يتوقف ولم يتم التراجع عنه"، مستدلا عن ذلك بإعلان الرئيس تبون عن حوار قادم "يسمح لكافة التيارات بعرض وجهة نظرها بشأن الوضع السياسي وآفاقه المستقبلية في الجزائر"، وتوقع أن "تثري هذه المحطة التجربة الديمقراطية في البلاد".  

المصدر: أصوات مغاربية