Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الجزائر

الأمير عبد القادر.. جزائري خلّده التاريخ رمزا للإنسانية

عبد السلام بارودي
29 مايو 2018

ممتطيا صهوة جواده، شاهرا سيفه، كأنه يتقدّم جيوش المقاومة التي كان يقودها في معاركه ضد الفرنسيين، هذه هي صورة الأمير عبد القادر الجزائري، التي تتصدر شارع العربي بن مهيدي الذي يقصده زوار الجزائر العاصمة، لالتقاط صورة تذكارية مع التمثال التاريخي للنحات البولوني "ماريان كونييتشني".

​​الأمير بعيون أسير ألماني

ألف يوهان كارل بيرنت، كتابا بعنوان "3 سنوات من حياة ألماني بين العرب"، ترجمه إلى العربية الكاتب الجزائري أبو العيد دودو، ويصف فيه الكاتب الأمير عبد القادر، بأنه "رجل شاب في حوالي الثلاثين من عمره، قصير القامة، رشيق الجسم، أبيض اللون، يرتسم النبل والحلم على ملامح وجهه، وكانت عيناه ذواتا لون أزرق، لكنهما براقتان".

ويضيف يوهان كارل بيرنت الذي أسره جيش الأمير في 19 يونيو 1835، "كانت لحيته سوداء منتظمة، وصوته عميقا به نعومة ورقة، وكان يحمل وشما صغيرا فوق جبينه، وخده الأيمن ويده اليمني".

الحج، بغداد والبيعة

ولد عبد القادر بن محيي الدين، بالقطنة، قرب مدينة معسكر، غرب الجزائر، يوم 6 سبتمبر 1808، وهو الإبن الثالث لوالده، شيخ الطريقة الصوفية القادرية، التي تربى فيها.

تعلم أصول العلوم الدينية، والأدب العربي، والفلسفة، والتاريخ والرياضيات وعلم الفلك، والطب، على يد "علماء أجلاء، في أرزيو بوهران التي تنقل إليها لإتمام دراسته".

أدى فريضة الحج عام 1826 رفقة والده، ثم اتجه إلى بغداد، لـ "زيارة ضريح الولي عبد القادر الجيلاني، مؤسس جمعية القادرية التي تضم زاوية القطنة".

​​بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830، اجتمعت قبائل الناحية الغربية، لمبايعة قائد لهم، حيث وقع اختيارهم على محيي الدين، غير أن هذا الأخير اعتذر بسبب سنه المتقدمة، واقترح، بدلا عنه، ابنه عبد القادر، و بإقبال كبير بويع أميرا عليهم، في تجمع ضخم بتاريخ 21 نوفمبر 1832"، وعمره 24 عاما. 

أمير القيم الإنسانية

ويرى صاحب الدراسات المتخصصة، في تاريخ الأمير عبد القادر، الباحث محمد طيبي من جامعة وهران، أن الظروف السياسية والاجتماعية، التي كانت سائدة، والعوامل الروحية التي أحاطت بنشأته، هيّأته لأن يكون قائدا للمقاومة، ومؤسسا للدولة الجزائرية.

ويضيف طيبي، أن الأمير عبد القادر الذي "صُنع من المادة الماسية للتاريخ"، قال ذات يوم "خرجت للدفاع عن وطني وعقيدتي".

​​ويرجع المتحدّث هذا الإيمان بالدفاع عن العقيدة والوطن، إلى ما اكتسبه الأمير، من نظرة سياسية للواقع، برؤية الدولة، لا القبيلة. ينضاف إليه البعد الروحي، الذي جعله يتميّز عن باقي المرجعيات في القرن التاسع عشر بنظرته الشاملة للمجتمعات.

انطلاقا منه يرى الباحث في تاريخ الأمير عبد القادر، أن الأخير كان حاضرا بين الجزائريين، "كشخصية أسطورية، استمدت الحب والاحترام، من القيم الإنسانية السامية التي غرستها خلال مسارها البطولي".

ويضيف طيبي أن عبد القادر الجزائري، كان أمير مقاومة، وأمير فكر وتصوّف، وأمير قيم إنسانية، واصفا إياه بأنه خرج عن المعتاد في التاريخ السياسي، "لأنه جمع بين المقاصد الحضارية، والربانية"، فهو بحسب طيبي من الشخصيات العالمية الخالدة.

هذه شخصية الأمير..

بينما يؤكد الدكتور مصطفى أوشاطر، في ورقة بحثية حول شخصية الأمير عبد القادر في الذاكرة الشعبية للجزائريين، أن الأمير استمد هذا الحضور من "شخصية البطل الذي قاوم الاستعمار وأبلى بسيفه وسلاحه في المعارك، البلاء الذي أذهل العدو، وجعله يعترف بالبطولة والعبقرية في الحرب".

ومن "شخصية الشاعر، الذي يُلهب حماس جنوده، بشعر الملاحم، ويبث في عزائمهم القوة والشجاعة"، ومن شخصية "الفيلسوف المفكر، المدافع عن الإسلام بحجة العقل وقوة البرهان".

ويضيف مصطفى أوشاطر من جامعة تلمسان، أن الأمير استمد حضوره أيضا، من شخصية "المتصوّف الذي سافر في ملكوت السماء باحثا عن الأسرار الإلهية، متحمّسا في حب الله".

​​ومن جانبه يشير محمد طيبي، في حديثه عن الأمير عبد القادر، أنه يعد اليوم من الشخصيات العالمية، فقد "دافع مبكرا عن حقوق الإنسان، وخبر معاني التفتح على العالم المسيحي، والتشريع للحوار بين الثقافات، فمشروعه كان سلما وسلاما"، رغم مظاهر الحروب.

ويعتقد المتحدث، أن "الفكر الوهابي في شبه الجزيرة العربية، حاصر الأمير عبد القادر، الذي اهتم به الغرب ونخبه، وحاصره الوهابيون".

قصة الأمير وسلطان المغرب..

خاض الأمير عبد القادر حربا ضروسا ضد الفرنسيين، واعترف جنرالات فرنسا بقوته، عندما تمكن من تأسيس دولة حديثة تضم 8 مقاطعات، لها عملتها وعلمها، وحدودها، وسفراؤها، ونظم الجيش وفق الطرق الحديثة، كما شكل حكومة "فخرج من النظام القبلي إلى نظام الدولة الحديثة"، يقول محمد طيبي.

​​اضطرت فرنسا إلى توقيع معاهدة "دي ميشيل" مع الأمير عبد القادر، في فبراير 1834، تشير إلى اعترافها بسلطانه، وخرق الاستعمار تلك المعاهدة، ما دفعه إلى المواجهة، واضطرت مرة أخرى إلى عقد اتفاقية "تافنة" في ماي 1937، فكانت فرصة من أجل تقوية دولته وتوحيد القبائل، وفي سنة 1839، خرق الفرنسيون بقيادة الجنرال بيجو المعاهدة، فواجههم الأمير، مستعينا بمساعدة المغرب له.

قصف طنجة..

ويقول محمد بن الأمير عبد القادر في كتابه "تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر"، إن الجنرال بيجو قتل الأطفال، والنساء، والشيوخ، وحرق القرى والمدن، التي تساند الأمير مستعملا الوحشية ضد المدنيين".

ويضيف صاحب الكتاب، أنه بعد لجوء الأمير إلى بلاد المغرب الأقصى، هدّد "الفرنسيون السلطان المغربي، ولم يستجب لتهديداتهم في أوّل الأمر، وساند الأمير في حركته من أجل استرداد وطنه"

​​لكن الفرنسيين، يضيف محمد بن الأمير عبد القادر، "ضربوا طنجة وبوغادور، بالقنابل من البحر، لتحييد المغرب وإخراجه من حلبة الصراع، فأجبرت المولى عبد الرحمن سلطان المغرب، على توقيع معاهدة تقضي بوقف مساعداته للأمير وتوقيفه وتسليمه للسلطات الفرنسية، حال لجوئه للأراضي المغربية".

هل تراجع عن المقاومة؟

و"في ديسمبر 1847، اقتيد عبد القادر إلى أحد السجون الفرنسية"، ويشير الباحث في تاريخ الأمير، محمد طيبي، إلى أن مؤسّس الدولة الجزائرية الحديثة، "لم يرضخ للعصبيات التي كانت سائدة آنذاك، فاختار خصمه الحوار، والأمير عبد القادر لم يستسلم، في معركة، حاملا سلاحه، بل نُظّمت الأمور وفق اختياره بالنظر إلى ما كان واقعا في المدن والقرى التي تعرضت للقتل والحرق".

​​بعد تولي نابليون الثالث الحكم استدعى الأمير عبد القادر عام 1852، و"أكرم نزله"، بعدها انتقل إلى دمشق التي استقر فيها عام 1856، حيث اختار منفاه الإرادي.

وفي عام 1860، اندلعت 'فتنة' كبرى، واحتمى 15 ألف مسيحي بالأمير عبد القادر، من تهديدات الدروز لهم، هذه الواقعة ضاعفت احترام الغرب ونخبه لشخصية الأمير عبد القادر.

وقبل هذه الواقعة، وفي "عام 1846 قرر تيموثي ديفيس، وجون تومسون، وسيج تشيستر، الذين أسسوا مدينة صغيرة في مقاطعة كلايتون في ولاية آيوا الأميركية، تسمية مدينتهم الكايدر، نسبة إلى الفارس الجزائري الأمير عبد القادر، الشاب الذي كان يقود آنذاك شعبه لمقاومة المستعمر الفرنسي".

​​الأمير عالميا

كما قام "عمدة مدينة باريس السابق، بارتران دولانوي سنة 2006، بتدشين ساحة الأمير عبد القادر الواقعة بحي جاردان دي بلانت في المقاطعة الخامسة، غير بعيد عن المسجد الكبير لباريس".

وفي أبريل 2016، احتفت الأمم المتحدة بشخصية الأمير عبد القادر، في قصر الأمم بجنيف، وقال السفير إدريس الجزائري حينها، إن "الأمير ، قام بوضع أسس القانون الإنساني الدولي منذ العام 1837 وهذا حتى قبل ظهور أفكار هنري دينون مؤسس حركة الصليب الأحمر، بل حتى قبل إبرام معاهدة جنيف التي لم تكتمل إلا في العام 1864".

​​وفي شهادته، يقول الكونت دو سيفي، أحد دعاة الاستعمار الفرنسي للجزائر، إن "أعدادا من الأسرى الفرنسيين القدامى الذين تلقوا علاجا من قبل الأمير، كانوا يأتون من مناطق نائية في اتجاه قصر، بو، وقصر أمبواز، حيث كان الأمير معتقلا، لتحية من كان المنتصر بالأمس".

توفي الأمير عبد القادر يوم 26 ماي 1883، بدمشق، عن عمر يناهز 76 سنة، ونقل جثمانه إلى الجزائر سنة 1965، ودفن في مقبرة العالية.

​​كان الأمير عبد القادر يردّد، كرجل سلام وتعايش، "لو أصغى إليّ المسلمون والنصارى، لرفعت الخلاف بينهم، ولصاروا إخوانا ظاهرا وباطنا".

 

  • المصدر: أصوات مغاربية
Abdelsalam Baroudi

مواضيع ذات صلة

من مسيرة الحراك الشعبي في فبراير 2020
من إحدى مسيرات الحراك الجزائري- أرشيف

تمر اليوم الذكرى الـ36 لانتفاضة 5 أكتوبر 1988 في الجزائر التي ذهب ضحيتها 160 متظاهرا ومئات المصابين، وفق الرواية الرسمية، وأعقبها انفتاح سياسي وإعلامي أنهى هيمنة الحزب الواحد الذي حكم البلاد منذ استقلالها عام 1962.

وشكلت انتفاضة 5 أكتوبر 1988 عاملا رئيسيا في التحول السياسي الذي مس النظام الجزائري، فقد خرج مئات الشباب في أحياء ومدن رئيسية، خصوصا بالجزائر العاصمة، في مسيرات حاشدة منددة بتردي الأوضاع الاقتصادية والانغلاق السياسي.

وعبرت الجزائر وقتها من الأحادية التي قادها حزب جبهة التحرير الوطني طيلة 27 سنة، نحو فسيفساء سياسي وإعلامي واقتصادي انفتحت خلاله الحكومة على كافة التيارات التي كانت تعمل في السرية من إسلاميين ويساريين وديمقراطيين.

وخلال هذه العقود مرت التجربة الديمقراطية بمراحل عدة، وكانت البداية عندما فسح دستور فبراير 1989 المجال أمام التعددية، إلا أن صدمة المواجهة بين الإسلاميين والحكومة التي ألغت فوزهم بغالبية مقاعد الانتخابات التشريعيات في ديسمبر 1991، أجهضت مسار التعددية في البلاد.

أعلنت السلطة حالة الطوارئ وحظرت نشاط الجبهة الإسلامية للإنقاذ (فازت في التشريعيات)، عقب استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد في 11 يناير 1992، كما فتحت محتشدات بالصحراء لاعتقال عناصر جبهة الإنقاد بعد تنصيب محمد بوضياف رئيسا للدولة الذي تعرض للاغتيال يوم 29 يونيو 1992، لتدخل البلاد عشرية الدماء والدموع.

عادت الحكومة للمسار الديمقراطي عقب انتخاب الجنرال ليامين زروال رئيسا للبلاد في 1995، ثم تنظيم انتخابات تشريعية ومحلية سنة 1997، طعنت المعارضة في نزاهتها، وسط تصاعد للعنف والمجازر التي استهدفت المدنيين.

وأعلن الرئيس زروال عن استقالته وتنظيم انتخابات مسبقة فاز بها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في أبريل 1999، ولم يغادر السلطة إلا عقب احتجاجات شعبية عمت البلاد في فبراير 2019، بعد أن قضى 20 سنة في سدة الحكم.

تجاوزت السلطة مرحلة الحراك الشعبي عندما نظمت انتخابات رئاسية في ديسمبر 2019 فاز بها الرئيس الحالي، عبد المجيد تبون، الذي أطلق سلسلة إصلاحات دستورية مست التشريعات والقوانين، وأعيد انتخابه لولاية ثانية في 7 سبتمبر الماضي.

وتتباين وجهات النظر حول المسار السياسي والديمقراطي الذي قطعته البلاد، بين من يعتبره تراجعا، ومن يرى أنه لم يتوقف ولم تراجع.

عودة لما قبل التعددية

وتعليقا على هذا النقاش، يعتقد المحلل السياسي، توفيق بوقاعدة، أن هناك تراجعا عن الديمقراطية والتعددية عقب كل إصلاح تعرفه البلاد"، مضيفا أن إصلاحات دستور 1989 كانت متقدمة جدا عما هو الوضع عليه الان".

ويتابع بوقاعدة مشيرا إلى أن السلطة أصبحت "تشدد على الحريات بوضع خطوط حمراء تحت مسميات مختلفة"، وفي تقدير المتحدث فإن البلاد "تتجه تدريجيا نحو مرحلة ما قبل أكتوبر 1988 التي تميزت بالنظام الأحادي".

وقال توفيق بوقاعدة لـ"أصوات مغاربية" إن الساحة السياسية تتشكل اليوم وفق "الرأي الواحد والشخص الواحد، كما لو أننا قبل التعددية السياسية"، منتقدا الأطراف التي "تتغنى بوجود فضاء سياسي حر في البلاد، وتدعم المسار الذي وصلت إليه الديمقراطية".

مسار لم يتوقف

وبخلاف ذلك، يرى أستاذ القانون الدستوري، موسى بودهان، أنه "لا يمكن الجزم بأن الجزائر تراجعت عن مسار بناء مؤسسات دستورية ديمقراطية الذي بدأته منذ أكتوبر 1988 إلى اليوم"، مشيرا إلى أن الأوضاع والأحداث التي عاشتها البلاد كانت "أقوى من التجربة الفتية التي كانت في بدايتها".

وبالنسبة للمتحدث فإن كافة المراحل التي عاشتها الجزائر كانت التعددية "حاضرة فيها باستثناءفترة الأوضاع الأمنية الخاصة التي أعقبت استقالة الشاذلي بن جديد في يناير 1992"، مضيفا أنه برغم الحالة الأمنية الصعبة خلال التسعينيات "نظمت الحكومة انتخابات رئاسية ونيابية ومحلية سمحت بالعودة للمسار الانتخابي".

ويرى بودهان في حديثه لـ"أصوات مغاربية" أن المسار الديمقراطي "لم يتوقف ولم يتم التراجع عنه"، مستدلا عن ذلك بإعلان الرئيس تبون عن حوار قادم "يسمح لكافة التيارات بعرض وجهة نظرها بشأن الوضع السياسي وآفاقه المستقبلية في الجزائر"، وتوقع أن "تثري هذه المحطة التجربة الديمقراطية في البلاد".  

المصدر: أصوات مغاربية