متسولات في أحد شوارع العاصمة الجزائر (أرشيف)
متسولات في أحد شوارع العاصمة الجزائر (أرشيف

شرعت الحكومة الجزائرية في مراجعة سياسة الدعم العمومي للمنتوجات واسعة الاستهلاك التي تدعمها خزينة الدولة.

وتسعى الحكومة إلى إقامة "جهاز وطني" مهمته توجيه الإعانات للعائلات المحتاجة، أو التي تنطبق عليها معايير الاستفادة من الدعم المالي.

وتعوّل الحكومة على تطبيق هذا الإجراء "عقب صدور نصوص تنظيمية، تحدد قائمة المنتوجات المدعمة المعنية بمراجعة الأسعار، وفئات الأسر المستهدفة، ومعايير التأهيل للاستفادة من التعويض، وكذا كيفيات التحويل النقدي".

مسار صحيح.. ولكن!

ويؤكد المحلل الاقتصادي، أحمد سواهلية، على "صحة وسلامة" إنشاء جهاز وطني للدعم الاجتماعي المباشر، لأن الدعم الحالي "لا يصل إلى مستحقيه مباشرة".

لكن، في المقابل، يشير سواهلية إلى صعوبة آليات التطبيق في تحديد المحتاجين في ظل انهيار القدرة الشرائية للعديد من الطبقات.

ويشير المتحدث إلى النقاش الحالي "المتضارب" بشأن تحديد الفئات المحتاجة، بين اختيار الحد الأدنى للأجر المضمون ٢٠ ألف دينار (ما يعادل 145 دولارا)، وبين من يتلقى راتب 30 ألف دينار (ما يعادل 218 دولارا).

تأثير الظروف الحالية

وبحسب أحمد سواهلية، فإن الاشتغال على ملف تحديد الفئات الاجتماعية المحتاجة في هذه الظروف الاقتصادية، التي تتسم "بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وتدني الأجور، وضعف الاستثمارات والإنتاج، وتداعيات كورونا، قد يثير توترا في الجبهة الاجتماعية بحكم تضرر فئات واسعة من المجتمع".

ويرى المتحدث أن الحكومة مدعوة إلى "تأجيل ملف الدعم المباشر، لأنه ليس من الأولويات التي تكمن  حاليا في دعم رفع الإنتاج أولا".

وكان الوزير الأول الجزائري، أيمن بن عبد الرحمان، قال أمام نواب البرلمان يوم 16 سبتمبر الماضي إن إصلاح الدعم الاجتماعي سيتم عن طريق "الانتقال إلى نظام التحويلات النقدية لصالح الأسر المحتاجة، التي ستستفيد من دخل إضافي كتعويض لها عن تعديل الأسعار".

مفاتيح التصنيف

وحسب بن عبد الرحمن فإن الحكومة خصّصت ما قيمته 1900 مليار دينار، وهو ما يعادل 23.78 بالمئة من ميزانية الدولة، للدعم الاجتماعي خلال سنة 2021.

ويؤكد خبير الإحصاء، نبيل جمعة، أن الحكومة ستبدأ بتحديد أرضية مفاتيح تعتمد عليها في تصنيف الفئات الاجتماعية التي تستحق الدعم الاجتماعي، معتبرا أن ذلك هو البداية الحقيقية للذهاب نحو تصنيف الأسر المحتاجة التي تتلقى الدعم المباشر لاحقا.

كما يشير المتحدث إلى أن عملية الإحصاء ستكون مقيدة بالمفاتيح التي تعني الشروط الواجب توفرها في الأسر المصنفة "محتاجة".

تصفية السوق الموازية

إلا أن الخبير الاقتصادي، عبد الرحمان مبتول، يرى أن ذلك سيكون مرهونا بمدى قدرة الحكومة على القضاء أولا على السوق الموازية.

واعتبر مبتول أن "نجاح سياسة الدعم المباشر، وتصنيف الأسر المحتاجة سيكون مرتبطا بالقضاء على السوق الموازية"، التي تبلغ كتلتها النقدية المتداولة 10 آلاف مليار دينار، ما يعادل 90 مليار دولار، بحسب ما صرح به الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يوم 11 أكتوبر الماضي، أمام المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي.

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

FILE - In this handout photo provided by Photo host Agency RIA Novosti, Algerian President Abdelmadjid Tebboune addresses a…
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

تشهد الساحة السياسية في الجزائر نقاشا حول تحركات تقوم بها جهات رسمية في البلاد لمنع ما تقول إنها "ممارسات تملق سياسي"، تعرف محليا باسم "الشيتة"، وأبرزها استعمال صور الرئيس عبد المجيد تبون في بعض الأنشطة والملتقيات السياسية والحزبية.

واشتعل الجدل حول الموضوع على خلفية قيام مجموعة من الناشطين في أحزاب أبدت دعمها لترشح الرئيس الجزائري إلى عهدة انتخابية جديدة برفع صورة كبيرة له في إحدى القاعات، فضلا عن استعمال ألقاب مثل "فخامة الرئيس" للحديث عنه.

ونشرت عناوين صحافية توصف بأنها مقربة من السلطة، قبل يومين، مقالات أكدت فيها "انزعاج الرئيس عبد المجيد تبون شخصيا من هذين الظاهرتين".

سلوكات وتسريبات

وجاء في مقال لجريدة الخبر، تحت عنوان "الرئيس تبون غاضب": "كان غالبية المواطنين يظنون أن عهد التزلف والتملق في المواعيد الانتخابية وغيرها قد انتهى، خاصة بعدما حصدت البلاد الكثير من النقاط السوداء جراء ممارسة كادت تكرس عبادة الأشخاص، بمظاهر مقززة بعيدة كل البعد عن التبجيل والتقدير والاحترام".

وأضافت أن "من كان يظن أن لعبة الكادر قد تعود يوما إلى الجزائر بعدما اندثرت مع مجيء الرئيس تبون إلى الحكم في 2019".

و"الكادر" (le cadre) هي كلمة بالفرنسية معناها "الإطار"، لكن استعمالاتها السياسية في الجزائر تحيل على الفترة التي اختفى فيها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة عن الظهور بسبب المرض، فسعى القائمون على تعويض غيابه بنشر صور كبيرة له في جميع الفعاليات والأنشطة الرسمية للدولة أو للأحزاب والمنظمات التي كانت تسانده.

وأفاد المصدر ذاته بأن "بعض الأصداء تفيد بأن هذه السلوكيات تناهت أخبارها إلى من يهمهم الأمر في رئاسة الجمهورية وانتابتهم حالة من الغضب".

نفس الموضوع أيضا تطرقت إليه يومية "لوسوار دالجيري"، الناطقة باللغة الفرنسية، على صدر صفحتها الأولى، وأكدت بأن جهات عليا في الدولة غاضبة من عودة هذه السلوكات.

ويتوافق ما جاء في مضمون وسائل الإعلام الجزائرية مع تصريحات سابقة للرئيس عبد المجيد تبون بخصوص "التوصيفات البروتوكولية"، التي يجب الاعتماد عليها خلال التعامل معه من قبل المسؤولين أو الهيئات الرسمية في البلاد.

وطلب الرئيس عبد المجيد تبون في خطاب تنصيبه رئيسا للبلاد، بعد انتخابات ديسمبر 2019، من الجميع "حذف كلمة فخامة" من التداول الرسمي.

ومصطلح "فخامة" ظهر بعد أشهر قليلة من وصول الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم في 1999، ليتم تعميمه في وقت لاحق على جميع مؤسسات الدولة، بما فيها التلفزيون الرسمي خلال الحديث عن رئيس الجمهورية، وهو تقليد لم يكن معمولا به في الجزائر.

ودأب الجزائريون منذ الاستقلال إلى غاية 1999 على سماع لكمات مثل "الأخ الرئيس"، أو "السيد الرئيس" خلال توصيفهم البروتوكولي للمسؤول الأول عن قصر المرادية.

بالمقابل، أضحى القاموس السياسي الجزائري على عهد الرئيس عبد المجيد تبون يتضمن مصطلحا جديد هو كلمة "عمي" من طرف شريحة واسعة من المواطنين يستعملونه خلال مناداة الرئيس عبد المجيد من أجل حل مشاكلهم أو تحسين وضعياتهم الاجتماعية.

وأبدى الرئيس عبد المجيد تبون انفعالا إيجابيا عندما سئل عن رأيه في تفضيل بعض الجزائريين مناداته بكلمة "عمي".

القديم والجديد

وقال المحلل السياسي، عبد الرحمان بن شريط، إن "الرئيس عبد المجيد تبون عبر في العديد من المناسبات عن رفضه الاعتماد على الأحزاب السياسية من أجل التواصل مع الشعب الجزائري"، مؤكدا أن "رسالته من ذلك واضحة فهو يرفض اختزال برنامجه ومشاريعه وخطة التغيير التي بادر بها في مرجعية حزبية معينة".

وأضاف، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن "الحديث عن وجود غضب الجهات العليا في الدولة من ممارسات بعض الأحزاب لم يتأكد بشكل رسمي، لكن الثابت أن هناك العديد من الفعاليات والمجموعات السياسية التي تحن إلى العهد الماضي والسلوكات التي كانت سائدة وقتذاك".

بالمقابل، يؤكد بن شريط أن "الرئيس عبد المجيد تبون قرر منذ توليه السلطة القطع مع كل التقاليد والمسؤولين وبعض الهيئات التي كان لديها دور فيما وقع بالجزائر في مرحلة ما قبل الحراك الشعبي".

واعتبر المتدخل أن "شعبية الرئيس عبد المجيد تبون مقترنة مع مع مصطلح الجزائر الجديدة، وبالتالي فإن العودة إلى القاموس السياسي المستعمل في فترات سابقة قد يضر بمشروع التجديد".

سياق الحملة الانتخابية

أما رئيس حزب الكرامة، محمد الداوي، فيؤكد أن "الموقف الحازم للرئيس الجزائري مع التقاليد القديمة، المتضمنة لأساليب التملق السياسي، تهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على صورته وسمعته خلال الحملة الانتخابية لرئاسيات سبتمبر المقبل في حال قرر الترشح إليها".

وأضاف في تصريح لـ"أصوات مغاربية": "الرئيس عبد المجيد تبون يسعى دوما للتأكيد على أنه من أبناء الطبقات الفقيرة، ومن عائلة عاشقة للفلاحة والأرض ولم يكن أبدا أرستقراطيا،  وهو ما جلب له شعبية كبيرة خلال حملته الانتخابية الأولى".

وقال الداوي "الرئيس تبون يعرف بشكل جيد أن الشعب الجزائري يكره التملق السياسي والشيتة وما شابهها، ويدرك جيدا أن مثل هذه السلوكات تعتبر قاتلة لمسار أي مسؤول يسعى للعب أدوار أولية داخل السلطة، فما بالك بمنصب رئيس الجمهورية".
 
المصدر: أصوات مغاربية