منظر عام من وسط العاصمة الجزائر
منظر عام من وسط العاصمة الجزائر- أرشيف

تواجه الحكومة الجزائرية خلال السنة الجارية تحدي تحقيق ثلاثة رهانات رئيسية ذات طابع اجتماعي واقتصادي. 

تتمثل هذه الرهانات وفق العديد من الخبراء في "ترشيد" الدعم بمعنى توجيهه بشكل مباشر للفئات المحتاجة، الرفع من الأجور، والتقليص من نسبة البطالة.

"رفع الأجور قبل رفع الدعم"

في هذا الصدد، وعلاقة برفع الدعم غير المباشر عن المواد واسعة الاستهلاك، يقول خبير الإحصاء، نبيل جمعة، إن ذلك "مرتبط بمدى قدرة الحكومة الجزائرية على ضبط ورفع الأجور، والتحكم في السوق الموازية وشرعنة نشاطاتها مقابل تحفيزات اقتصادية".

ويرى جمعة في حديثه لـ"أصوات مغاربية" أن إلغاء الدعم غير المباشر خلال السنة الجارية يشكل "مجازفة اجتماعية واقتصادية خطيرة"، مرجحا أن "تسعى الحكومة إلى التخلي تدريجيا عن الدعم غير المباشر للمواد الاستهلاكية، المقدرة قيمتها السنوية بـ 17 مليار دولار، بالتوازي مع ضبط الأجور والرفع منها في مختلف القطاعات الاقتصادية والإدارية العمومية والخاصة".

كما يتوقع المتحدث أن "تشرع الحكومة في إعادة ضبط السوق الموازية التي تصل قيمتها المالية إلى 90 مليار دولار، بحسب ما صرح به الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون في سبتمبر 2021".

وبحسب المتحدث فإن "ترتيب مسألة الدعم الموجه للمحتاجين، ستكون عملية معقدة، في ظل سلم الرواتب الحالي الذي لا يتجاوز أعلاه 300000 دج (ما يعادل 2100 دولار) لكبار الموظفين والنواب"، والذي يرى أنه "لن يصمد"رغم ارتفاعه، أمام إلغاء الدعم الكامل عن المواد واسعة الاستهلاك".

وإذا كان الراتب الأعلى وفق جمعة لن يصمد أمام إلغاء الدعم، "ماذا نقول إذن عن العمال والموظفين الذين لا يتجاوز دخلهم 30000 أو 40000 دينار شهريا؟ (ما بين 215 و287 دولار)"، يتساءل الخبير الجزائري، قبل أن يخلص إلى أن  "الحل الفعال هو رفع الأجور قبل رفع الدعم غير المباشر عن المواد واسعة الاستهلاك".

إجراءات حكومية لرفع الأجور

من جانبه، يقول خبير الاستشارات الاقتصادية، أبو بكر سلامي، إن "الحكومة التزمت فعلا برفع الأجور خلال سنة 2022، من خلال الإجراء المتمثل في إعفاء الأجور لأقل من 30000 دج (نحو 215 دولار) من ضريبة الدخل الإجمالي".

بالإضافة إلى ذلك يشير سلامي في حديثه لـ"أصوات مغاربية" إلى الإجراء المتعلق بـ"الرفع من الحد الأدنى للأجور"، و"مراجعة سلم الضريبة على الدخل الإجمالي"،  ثم "الرفع من النقطة الاستدلالية في الأجور، كإجراء رابع".

وبحسب المتحدث فإن "كل هذه الإجراءات سيكون لها أثر على الخزينة العمومية في سنة 2022"، مشيرا إلى أن "الحكومة الجزائرية ستنجح في هذا التحدي، شريطة أن تستقر أو ترتفع أسعار المحروقات من 80 دولار للبرميل فما فوق، باعتبار أن غالبية مداخيل الخزينة العمومية مصدرها الجباية البترولية، بينما الجباية العادية لا تغطي حتى نفقات التسيير السنوي".

ويتابع مبرزا أن "الضريبة على الثروة هي المصدر الثاني لتغطية نفقات الزيادة في الأجور، والجباية المحلية التي قد ترد في قانون المالية التكميلي للسنة الجديدة"، بالإضافة إلى  "الاحتواء الجبائي الذي تضمنه قانون المالية 2022".

ويتعلق مفهوم "الاحتواء الجبائي" بـ"العاملين في السوق الموازية غير المصرح بنشاطاتهم التجارية والاقتصادية، إذ فتحت الحكومة باب إدماجهم القانوني ضمن مختلف النشاطات المصرح بها مقابل الإعفاء من العقوبات".

مع ذلك يستدرك سلامي، مؤكدا أن  "الجزائر دولة بترولية تعتمد دائما على مداخيل المحروقات في تنفيذ القرارات الاقتصادية الكبرى، أكثر من اعتمادها على مصادر دخل أخرى".

"خطر الاعتماد على المهدئات"

يستهل الخبير الدولي في الشؤون المالية، عبد الرحمان مبتول، حديثه عن التحدي المتعلق بصرف منحة البطالة والحد من ارتفاع مؤشر البطالة في الجزائر، بالإشارة إلى "القاعدة الاقتصادية" التي تفيد أن "معدل الشغل مرتبط بمعدل النمو، وإذا ارتفع النمو انخفضت البطالة".

تبعا لذلك، يؤكد مبتول ضمن تصريح لـ؛أصوات مغاربية" أن "منحة البطالة لا تخلق الثروة، كما أن التشغيل في القطاعات الإدارية بالجزائر لا ينتج الثروة"، وبخلاف ذلك فإن "التشغيل في القطاعات المنتجة هو الطريق المؤدي لرفع مؤشر النمو".

لذلك، يدعو مبتول إلى "عدم الاعتماد على منحة البطالة كحل"، محذرا من خطر ارتفاع نسبة البطالة، إذا ظل الاعتماد قائما على ما يصفها بـ"المهدئات".

ويتابع منبها إلى أن "منحة البطالة ستصرف للعاطلين، لكنها ليست الحل الأمثل لأزمة التشغيل".

في المقابل، يوضح المتحدث أن "الجزائر بحاجة إلى معدل نمو ما بين 8 إلى 9 في المائة على مدى 4 سنوات، لتوفير ما بين 350 ألفا و 400 ألف منصب شغل مطلوب كل سنة في الجزائر". 

  • المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

بعد 62 عاما على الاستقلال لا يزال ملف الذاكرة مفتوحا بين الجزائر وفرنسا- أرشيفية
بعد 62 عاما على الاستقلال لا يزال ملف الذاكرة مفتوحا بين الجزائر وفرنسا- أرشيفية

في الذكرى الثالثة والستين لبدء مفاوضات إيفيان الأولى (20 ماي 1961) بين الوفد الممثل للحكومة الجزائرية المؤقتة والحكومة الفرنسية، لا يزال ملف الذاكرة مفتوحا بين البلدين، وكثيرا ما يشكل مصدر توتر في العلاقات بينهما. 

وتعتبر اتفاقية إيفيان تتويجا لمسار طويل من المفاوضات انتهت بإعلان وقف إطلاق النار يوم 19 مارس 1962، ما مهد لإعلان استقلال الجزائر عن فرنسا يوم 5 يوليو 1962، بعد 132 سنة من الاستعمار.

ويرى مؤرخون أن اتفاقية إيفيان خلت من الإشارة إلى ملف الذاكرة بسبب تركيز قادة الثورة الجزائرية حينها على الاستقلال ما جعلهم، وفق المصادر ذاتها، يؤجلون ملفات أخرى إلى ما بعد تحقيق ذلك الهدف. 

"جبهات"

في هذا الصدد، يقول المؤرخ الجزائري علال بيتور، إن المفاوض الجزائري "كان مركزا على وحدة التراب، عندما خاض معركة طويلة لرفض تجزئة البلاد إلى شمال جزائري وجنوب فرنسي، ثم وحدة الشعب عندما رفض أن يدمج المعمرين الذين سلبوا الأهالي أملاكهم لأكثر من قرن كجزء من النسيج الاجتماعي في الجزائر".

ويضيف بيتور في حديث مع "أصوات مغاربية" أن هدف الوفد المفاوض باسم الحكومة الجزائرية المؤقتة "كان إعلان وقف إطلاق النار ومغادرة القوات الفرنسية التراب الوطني" في الوقت الذي "عمل الفرنسيون على فتح جبهات متعددة في المفاوضات، عندما طرحوا شروطا إضافية كمواصلة التجارب النووية، والحفاظ على القواعد العسكرية والمنشآت الطاقوية".

وتبعا لذلك، يؤكد المتحدث ذاته "تأخر فتح ملف الذاكرة إلى غاية مرحلة ما بعد الاستقلال"، موضحا أن "مناقشته على أعلى المستويات كانت بسبب الاستفزازات الفرنسية المتتالية التي وصلت حد الطعن في تاريخ وجود أمة جزائرية على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون".

"أولويات"

من جانبه، يقول أستاذ التاريخ بجامعة سعيدة (غرب) عبد الرحمان قدوري، إن "ملف الذاكرة لم يطرح في اتفاقية إيفيان بالحدة التي نعيشها اليوم أثناء مفاوضات الاستقلال"، مضيفا أن هذا الملف "اكتسى أهمية بمرور الوقت نتيجة التغييرات السياسية والاقتصادية في كلا البلدين".

ويوضح قدوري في حديث مع "أصوات مغاربية" أن "الملفات المستعجلة التي كانت مطروحة على طاولة المفاوضات جعلت الوفد الجزائري يمنح أولويات لها"، معتبرا أن "سباق الوقت لم يكن يسمح بفتح قضايا أخرى غير الاستقلال، وتأجيل ما تبقى إلى مرحلة ما بعد الاستقلال"، مشيرا في السياق إلى "تأميم المحروقات ووقف التجارب النووية، وإخلاء القواعد العسكرية من القوات الفرنسية".

ويرى المتحدث ذاته أن "مسائل كبيرة تم تجاوزها مثل خرائط الألغام التي بقيت مُرحلة لحد الآن"، معتبرا أن "أهمية الملفات وتأثيرها على استقلال الجزائر هي التي فرضت تأجيل ملف الذاكرة".

  • المصدر: أصوات مغاربية