من مسيرة الحراك الشعبي في فبراير 2020
قوات الأمن الجزائري تتصدى لأولى مسيرات الحراك الشعبي التي انطلقت في فبراير 2020

يتهم نشطاء سياسيون وحقوقيون بالجزائر السلطات بمحاولة منع إحياء الذكرى الثالثة للحراك الشعبي من خلال العودة إلى "مسلسل الاعتقالات"، في الوقت الذي تؤكد فيه السلطة أن جميع الموقوفين من قبل مصالح الأمن، مؤخرا، ارتكبوا "تجاوزات في الحق العام".

وتحيي الجزائر الذكرى الثالثة للحراك الشعبي يوم 22 فبراير المقبل، وهي الانتفاضة الشعبية التي انطلقت سنة 2019، وأدت إلى الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بعد فشل مشروعه في الترشح إلى عهدة رئاسية خامسة.

وأصدرت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان قائمة لنشطاء تم اعتقالهم مؤخرا عبر العديد من الولايات، مع العلم أن منهم من تم وضعه في الحبس المؤقت للمرة الثانية، كما هو الأمر بالنسبة للناشط الإعلامي عبد الكريم زغيلش، المتهم بـ"الإشادة بالأعمال الإرهابية"، أو النقابية دليلة توات، من ولاية مستغانم، المتابعة بجنح تتعلق بـ"التحريض على التجمهر" ، "إهانة هيئة نظامية" و"عرض منشورات من شأنها الإضرار بالمصلحة الوطنية" .

توتر جديد

وتعيش الجزائر على وقع توتر جديد في الأيام الاخيرة بناء على المعلومات التي سربها محامون تؤكد شروع أزيد من 40 معتقلا في الإضراب عن الطعام.

وعبرت السلطات في الجزائر عن انزعاجها من انتشار هذا الخبر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما جعل السلطات القضائية تصدر بيانا رسميا تصف ما تم تسريبه بـ "الإشاعات المغرضة"، مهددة بالمتابعات القضائية في حق الجهات التي نشرت هذا الخبر.

وشهد العام الماضي عودة المسيرات والحركات الاحتجاجية في بعض المدن الجزائرية تزامنا مع الذكرى الثانية للحراك الشعبي، وذلك بعد توقف استمر أزيد من عام بسبب وباء كورونا، لكن السلطات قررت بعدها منع جميع أشكال التظاهر الشعبي بتعليمة صادرة من وزارة الداخلية.

ولا يخفي بعض الحقوقيين في الجزائر نيتهم في إحياء ذكرى الحراك الشعبي هذه المرة، على اعتبار أن هذا "الحدث التاريخي" أضحى مكرسا في الدستور الأخير بأمر من الرئيس عبد المجيد تبون.

"احتكار" الحراك

ويقول نائب رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، سعيد صالحي، إن "العديد من النشطاء يرغبون في إحياء هذه الذكرى بهدف إحياء مشروع التغيير الذي نادى به أغلب الجزائريين شهر فبراير 2019".

لكن المتحدث يؤكد، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن "السلطة التي قررت احتكار الحراك الشعبي واستغلاله سياسيا ترفض السماح للجماهير بالتعبير عن مواقفهم بكل حرية"، مشيرا إلى "عودة الاعتقالات واستهداف بعض النشطاء المعروفين والبارزين في المدة الأخيرة يدخل في هذا الإطار".

وتساءل المتحدث عن "خلفيات التناقض في موقف السلطات الجزائرية"، قائلا "في الوقت الذي قررت تكريسه في الدستور بأمر رئاسي نجدها تحرم الشعب من الاحتفال به".

وأفاد صالحي بأن "النية الحقيقية للنظام الحالي انفضحت مع مرور الوقت، فهو استغلال الحراك الشعبي من أجل التخلص من نظام الرئيس السابق، معتقدة أن الدور الأساسي للانتفاضة الشعبية انتهت بمجرد تحقيق هذا الهدف".

ويضيف المسؤول في الرابطة الجزائرية لحقوقي الإنسان: "مبررات مشروع التغيير الذي نادي به الجزائريون في فباير 2019 تبقى قائمة في الساحة المحلية بسبب استمرار نفس النظام الذي كان يحكم البلاد من قبل، بدليل عودة نفس الوجوه التي كانت تشتغل مع الرئيس السابق، بمن فيهم الرئيس الحالي عبد المجيد تبون".

دولة المؤسسات

مقابل ذلك، يرى أستاذ العلوم السياسية، رضوان بوهيدل، أن "الحراك الشعبي في الجزائر انتهت مهمته الأساسية بعدما ساهم في إنقاذ الدولة الجزائرية من الانهيار في مرحلة وما قبل 22 فبراير 2019".

ويشير المتحدث، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إلى أن"الدولة الجزائرية عملت منذ البداية على مرافقة الحراك الشعبي، فلم تقف في وجهه أو تواجهه كما حصل في بعض البلدان الأخرى"، مؤكدا أنها "حققت أهم مطلب نادى به الحراك والمتمثل في إسقاط العهدة الخامسة للرئيس، وهو أمر لم يكن سهلا".

ورفض المصدر ذاته الحديث عن قضية الاعتقالات التي حدثت مؤخرا، مشددا على أن ذلك "يعتبر من صلاحيات مصالح العدالة التي ينبغي أن تعمل بعيدا عن أية ضغوطات مهما كان مصدرها".

ويتهم بوهيدل أطرافا يقول إنها "حاولت منذ البداية اختراق الحراك الشعبي وجره إلى وجهة مجهولة، وهو الأمر الذي تفطن له الجزائريون مع مرور الوقت".

ويضيف "نفس الجهات تحاول حاليا ركوب موجة الحراك مرة أخرى من خلال السعي لإحياء الذكرى وفق أجندة سياسية معينة، الهدف منها تكسير سيرورة التحول الديمقراطي والمؤسساتي التي عرفته البلاد في عهد الرئيس عبد المجيد تبون".

وأفاد أستاذ العلوم السياسية بأن "الضغط الذي تقوم به هذه الأطراف في الظرف الراهن هو جزء من مشروع الانتقال الديقمراطي الذي تسعى لفرضه على الشعب الجزائري دون احترام لأدني أبجديات العمل الديمقراطي أو لرغبة أولئك المواطنين الذين فضلوا الصندوق لإعادة بناء مؤسسات الدولة".

 

المصدر: أصوات مغاربية

 

 

 

مواضيع ذات صلة

FILE - In this handout photo provided by Photo host Agency RIA Novosti, Algerian President Abdelmadjid Tebboune addresses a…
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون

تشهد الساحة السياسية في الجزائر نقاشا حول تحركات تقوم بها جهات رسمية في البلاد لمنع ما تقول إنها "ممارسات تملق سياسي"، تعرف محليا باسم "الشيتة"، وأبرزها استعمال صور الرئيس عبد المجيد تبون في بعض الأنشطة والملتقيات السياسية والحزبية.

واشتعل الجدل حول الموضوع على خلفية قيام مجموعة من الناشطين في أحزاب أبدت دعمها لترشح الرئيس الجزائري إلى عهدة انتخابية جديدة برفع صورة كبيرة له في إحدى القاعات، فضلا عن استعمال ألقاب مثل "فخامة الرئيس" للحديث عنه.

ونشرت عناوين صحافية توصف بأنها مقربة من السلطة، قبل يومين، مقالات أكدت فيها "انزعاج الرئيس عبد المجيد تبون شخصيا من هذين الظاهرتين".

سلوكات وتسريبات

وجاء في مقال لجريدة الخبر، تحت عنوان "الرئيس تبون غاضب": "كان غالبية المواطنين يظنون أن عهد التزلف والتملق في المواعيد الانتخابية وغيرها قد انتهى، خاصة بعدما حصدت البلاد الكثير من النقاط السوداء جراء ممارسة كادت تكرس عبادة الأشخاص، بمظاهر مقززة بعيدة كل البعد عن التبجيل والتقدير والاحترام".

وأضافت أن "من كان يظن أن لعبة الكادر قد تعود يوما إلى الجزائر بعدما اندثرت مع مجيء الرئيس تبون إلى الحكم في 2019".

و"الكادر" (le cadre) هي كلمة بالفرنسية معناها "الإطار"، لكن استعمالاتها السياسية في الجزائر تحيل على الفترة التي اختفى فيها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة عن الظهور بسبب المرض، فسعى القائمون على تعويض غيابه بنشر صور كبيرة له في جميع الفعاليات والأنشطة الرسمية للدولة أو للأحزاب والمنظمات التي كانت تسانده.

وأفاد المصدر ذاته بأن "بعض الأصداء تفيد بأن هذه السلوكيات تناهت أخبارها إلى من يهمهم الأمر في رئاسة الجمهورية وانتابتهم حالة من الغضب".

نفس الموضوع أيضا تطرقت إليه يومية "لوسوار دالجيري"، الناطقة باللغة الفرنسية، على صدر صفحتها الأولى، وأكدت بأن جهات عليا في الدولة غاضبة من عودة هذه السلوكات.

ويتوافق ما جاء في مضمون وسائل الإعلام الجزائرية مع تصريحات سابقة للرئيس عبد المجيد تبون بخصوص "التوصيفات البروتوكولية"، التي يجب الاعتماد عليها خلال التعامل معه من قبل المسؤولين أو الهيئات الرسمية في البلاد.

وطلب الرئيس عبد المجيد تبون في خطاب تنصيبه رئيسا للبلاد، بعد انتخابات ديسمبر 2019، من الجميع "حذف كلمة فخامة" من التداول الرسمي.

ومصطلح "فخامة" ظهر بعد أشهر قليلة من وصول الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم في 1999، ليتم تعميمه في وقت لاحق على جميع مؤسسات الدولة، بما فيها التلفزيون الرسمي خلال الحديث عن رئيس الجمهورية، وهو تقليد لم يكن معمولا به في الجزائر.

ودأب الجزائريون منذ الاستقلال إلى غاية 1999 على سماع لكمات مثل "الأخ الرئيس"، أو "السيد الرئيس" خلال توصيفهم البروتوكولي للمسؤول الأول عن قصر المرادية.

بالمقابل، أضحى القاموس السياسي الجزائري على عهد الرئيس عبد المجيد تبون يتضمن مصطلحا جديد هو كلمة "عمي" من طرف شريحة واسعة من المواطنين يستعملونه خلال مناداة الرئيس عبد المجيد من أجل حل مشاكلهم أو تحسين وضعياتهم الاجتماعية.

وأبدى الرئيس عبد المجيد تبون انفعالا إيجابيا عندما سئل عن رأيه في تفضيل بعض الجزائريين مناداته بكلمة "عمي".

القديم والجديد

وقال المحلل السياسي، عبد الرحمان بن شريط، إن "الرئيس عبد المجيد تبون عبر في العديد من المناسبات عن رفضه الاعتماد على الأحزاب السياسية من أجل التواصل مع الشعب الجزائري"، مؤكدا أن "رسالته من ذلك واضحة فهو يرفض اختزال برنامجه ومشاريعه وخطة التغيير التي بادر بها في مرجعية حزبية معينة".

وأضاف، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، أن "الحديث عن وجود غضب الجهات العليا في الدولة من ممارسات بعض الأحزاب لم يتأكد بشكل رسمي، لكن الثابت أن هناك العديد من الفعاليات والمجموعات السياسية التي تحن إلى العهد الماضي والسلوكات التي كانت سائدة وقتذاك".

بالمقابل، يؤكد بن شريط أن "الرئيس عبد المجيد تبون قرر منذ توليه السلطة القطع مع كل التقاليد والمسؤولين وبعض الهيئات التي كان لديها دور فيما وقع بالجزائر في مرحلة ما قبل الحراك الشعبي".

واعتبر المتدخل أن "شعبية الرئيس عبد المجيد تبون مقترنة مع مع مصطلح الجزائر الجديدة، وبالتالي فإن العودة إلى القاموس السياسي المستعمل في فترات سابقة قد يضر بمشروع التجديد".

سياق الحملة الانتخابية

أما رئيس حزب الكرامة، محمد الداوي، فيؤكد أن "الموقف الحازم للرئيس الجزائري مع التقاليد القديمة، المتضمنة لأساليب التملق السياسي، تهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على صورته وسمعته خلال الحملة الانتخابية لرئاسيات سبتمبر المقبل في حال قرر الترشح إليها".

وأضاف في تصريح لـ"أصوات مغاربية": "الرئيس عبد المجيد تبون يسعى دوما للتأكيد على أنه من أبناء الطبقات الفقيرة، ومن عائلة عاشقة للفلاحة والأرض ولم يكن أبدا أرستقراطيا،  وهو ما جلب له شعبية كبيرة خلال حملته الانتخابية الأولى".

وقال الداوي "الرئيس تبون يعرف بشكل جيد أن الشعب الجزائري يكره التملق السياسي والشيتة وما شابهها، ويدرك جيدا أن مثل هذه السلوكات تعتبر قاتلة لمسار أي مسؤول يسعى للعب أدوار أولية داخل السلطة، فما بالك بمنصب رئيس الجمهورية".
 
المصدر: أصوات مغاربية