قبر حيزية في سيدي خالد بمدينة بسكرة. المصدر: صفحة الكاتب الجزائري واسيني الأعرج على فيسبوك
قبر حيزية في سيدي خالد بمدينة بسكرة. المصدر: صفحة الكاتب الجزائري واسيني الأعرج على فيسبوك

رغم وفاتها قبل 145 عاما إلا أن الحسناء الجزائرية "حيزيّة"، بطلة ملحمة عشق شهيرة خلّدتها قصيدة للشاعر بن قيطون، عادت مجدّدا هذه الأيام إى الواجهة لتثير "فتنة" بين أديبين جزائريين كبيرين. فما القصة؟

"الفتنة" بدأت بتصريحات للأديب والروائي واسيني الأعرج حول روايته المنتظرة عن حيزية، غير أن ما جاء في تصريحاته فاجأ الرأي العام و"زلزل" المشهد الأدبي في الجزائر، خصوصا فيما تعلق بطريقة وفاة حيزية وبشخصية المتيّم بها، وهو ما دفع الشاعر محمد جربوعة إلى أن يسلّ قلمه ويهاجم ما طرحه الأعرج.

الأعرج.. نسخة جديدة من حيزية

الأعرج كشف في جلسة أدبية بمكتبة في مدينة قسنطينة (شرق)، الأسبوع الماضي، تناولت موضوع روايته الجديدة "حيزية"، إن حيزية لم تمت نتيجة وفاة طبيعية بل ماتت مقتولة بالسّم.

وبرّر الأعرج هذا قائلا "كل أبحاثي تؤكد بأن حيزية لم تمت وإنما قتلت، على عكس المتعارف عليه.. حين يصل الشاعر بن قيطون إلى موتها في القصيدة يصف الموت ومنها استخلصت بأنّها سمّمت".

كذلك قال الأعرج إن "سعيّد قصة خيالية وبن قيطون هو الذي كتب قصيدة حيزية"، وأضاف "استمعت الى القصيدة أكثر من خمسين مرة ومن خلال إنصاتي الجيد لا أجد سعيّد.. مقبرة سيدي خالد فيها قبر الأم والأب وكل قبيلة حيزية لكن لا وجود لشخصية سعيد".

وسعيّد هو ابن عم حيزية وهو بطل قصة العشق معها، وفق المتعارف عليه جزائريا، استنادا إلى ما جاء في القصيدة الشعرية التي كتبها بن قيطون نفسه.

ومما ذكره الروائي الجزائري أن "خمسة أبيات شعرية من قصيدة حيزية لاتزال غائبة"، دون أن يكشف محتواها، وترك ذلك ليكتشفه الجمهور بعد صدور الرواية. 

جربوعة يرد

الشاعر محمد جربوعة لم ينتظر كثيرا ليردّ على ما جاء على لسان واسيني الأعرج، حيث قال، أمس الجمعة على صفحته في فيسبوك، "لم تمر أكثر من تسع سنوات على ما قلته، حتى راسلني بعضهم اليوم بتصريح للأعرج ينتصر فيه لهذه الصورة المعادية للتقاليد العربية، ليقول إن حيزية ماتت مسمومة، وأن صاحبها الذي تغزل بها ليس هو زوجها سعيد، بل هو الشاعر ابن قيطون الذي كان معلما لحيزية".

وأفاد الشاعر الجزائري بأن "المذهب الذي يعمل الأعرج لتثبيته، هو مذهب هش ضعيف، وهو دليل على أن صاحبه لا يملك أبجديات قراءة النص وقراءة الواقع.."

وقال جربوعة من جهة أخرى إنه تعرّض، بعد صدور روايته الشعرية "حيزية" سنة 2014م، إلى "هجمة شرسة، نفَش فيها أناس من قوم حيزية ريشهم علي.. وقد رددت عليهم حينها بأن جهلهم يحجب عنهم عظيم الخدمة التي قدمتها لهم ولحيزية وللشرف العربي".

واسترسل "في روايتي، قلت إن سعيد، ابن عم حيزية، التي كتب ابن قيطون قصيدته على لسانه، كان زوجا لها.. وأنه بعد وفاتها فقد عقله، وهام في البرية، إلى أن قابل الشيخ ابن قيطون وهو معلم قرآن وشاعر، ليروي له قصته، وقد رق له ابن قيطون الذي أثرت فيه تلك القصة، فكتب فيها قصيدته".

تهافت الشعراء والأدباء

ولم يتوقف الأمر عند واسيني وجربوعة، إذ دخل على خط الجدال شعراء وأدباء جزائريون، اصطف بعضهم مع أحد الأديبين.

أستاذ النقد الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر الدكتور لحسن عزوز انتقد واسيني في تديونة على صفحته في فيسبوك بعنوان "بكائيات (واسيني) وألطاف (حيزية) الخفية".

 وقال عزوز إن واسيني "يتمتع بقوة باطنية تخييلية فذة هائلة ولا شك ورؤيا مكتظة بحشد من الأساطير، ليفاجئ نفسه بأن حيزية ماتت مسمومة وأن الشاعر محمد بن قيطون هو من كان عاشقا لها وحبيبا.."، وختم تدوينته مخاطبا واسيني مباشرة "واسيني؛ لست انت فارس هذا الزمان و سواك المُسوخ".

المدوّن محمد نايل قال إن التاريخ "لا يؤخذ من الروائيين، والروائي ملزم بأخذ الرواية الشعبية كما هي متوراثة بين الأجيال، فله أن يضيف إليها بهاراته وتوابله الفنية كما يفعل المخرج السينمائي لإضفاء جمالية أكثر على العمل الفني أو الأدبي، ولكن لا يحق له أبدا تغيير الحقيقة التاريخية، فهو إذن مزور تجب مساءلته، لأن كل حقيقة تاريخية لها أهلها، أفرادا أو جماعات".

"واسيني لم يفعل شيئا سوى التقاط الأخبار التي تنسجها طبقات الناس الدنيا المحبة للأساطير، والهاوية للتفاصيل التي يسكنها الشيطان، إذ تفرح بها استجابة لطبيعة النفوس المحبة للغموض والتراجيديا، كما فعل واسيني استجابة لطبيعة الروائي المائلة إلى الخيال المستقطب للقارئ، فالقضية قضية حشد لأكبر عدد من القراء!"، يضيف نايل.

"ومضى يقول "حيزية ماتت في حجر سعيَّد، وهو زوجها، وما كان يمنع شيء من تصريح الشاعر بن قيطون بموتها مسمومة، أو على الأقل التلميح بذلك، ولا يمكن أن يكون بن قيطون مزورا هو أيضا، وقد يتلافى ذِكر موتها مسمومة سواء تصريحا أو ترميزا، ولكنه لا ينسج من رأسه صورة الشهقة الأخيرة وهي في حجر زوجها".

المدون قادر بوشريف وقف إلى جانب واسيني وهاجم جربوعة، حيث دوّن "إن هذا التجنّي المجاني على واسيني لن يزيد القارئ إلا رغبة في قراءة العمل الروائي، وتبقى الشهادات التي نقلها واسيني أقرب إلى الحقيقة، إذ لا يمكن أن ينظم تلك الأبيات الشعرية إلا عاشق شاعر، وقد أثبتت كتب التاريخ ذلك، فقيس مجنون ليلى كان شاعرا وعنترة كان شاعرا، ونبقى كقراء ننتظر بشغف رواية حيزية للروائي الكبير واسيني الاعرج".

الدكتور ناجي صالحي، أستاذ الأدب بجامعة بسكرة (جنوب)، قال من جهته إن تناول قصة حيزية بين الأدباء والمبدعين (المناصرة، وجربوعة، ومؤخرا الأعرج) تبقى مثار جدل حول واقعية هذه القصة وصحتها.

المثقف والإعلامي جمال غلاّب أدلى بدلوه هو الآخر، فدوّن "قد نتفق مع واسيني وقد نختلف معه.. لكن واسيني ليس مؤرخا"، أما الشاعر رزيق عبد الرحمان فاتهم واسيني بـ"تزييف ذكي لحقيقة حكاية حيزية الشعبية بتفكيكها مجددا وإعادة بنائها وفق رؤية الكاتب وحاجته لاختلاق أحداث جديدة غير مألوفة".

وختم رزيق "لعل للموضوع علاقة بسوق الكتابة الروائية بغض النظر عن حقيقة الموروث الثقافي المألوف عن قصة حيزية وسعيّد، التي خلدتها قصيدة بن قيطون.. أقول هذا في انتظار صدور الرواية".

وقصة حيزية (1855-1878) وسعيّد (ابن عمها) حدثت في منطقة سيدي خالد بولاية بسكرة جنوب الجزائر، جمعهما حب كبير، لكن الروايات اختلفت حول القصة بين قائل إنهما تزوجا وقائل إنهما لم يتزوجا بسبب معارضة والدها، فتوفيت حيزية حزنا على عدم زواجها من ابن عمها، الذي جُنّ بعد ذلك وهام في الصحراء.. وخلّد القصة شاعر معروف يدعى بن قيطون بعدما سمعها من سعيّد نفسه، وغنى القصيدة عديد الفنانين الجزائريين.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

هل تخفف محطات تحلية مياه البحر من تداعيات الجفاف بالجزائر- أرشيفية/ تعبيرية
ولايات جزائرية عديدة تعاني أزمة في التزود بمياه الشرب- أرشيفية/ تعبيرية

عرفت ولاية تيارت الجزائرية (شمال غرب)، قبل قرابة ثلاثة أسابيع، احتجاجات شعبية وإغلاق طرق بسبب أزمة جفاف، أدّت إلى حرمان أكثر من 350 ألف من ساكنة عاصمة الولاية من المياه الصالحة للشرب خصوصا طيلة أشهر عديدة.

واستنفر هذا الأمر السلطات العليا في البلاد، فأمر الرئيس عبد المجيد تبون المسؤولين المركزيين والمحليين بحل الأزمة في 48 ساعة فيما أقيل عدد من المسؤولين، لكن تيارت ليست الوحيدة التي تعاني من هذه الأزمة.

وفي آخر مستجدات القضية، اجتمع وزير الري طه دربال، قبل يومين، بوالي تيارت علي بوقرة وإطارات قطاع الري "لمتابعة وتيرة تقدم أشغال المشاريع المنطلقة، بهدف تدعيم تزويد سكان مدينة تيارت بالمياه الصالحة للشرب"، حسبما كشفته وزارة الموارد المائية والأمن المائي على حسابها الرسمي في فيسبوك.

ولحل هذه الأزمة، تعوّل السلطات على "برامج استعجالية" منها نقل المياه من ولايات قريبة، في انتظار استكمال مشروع التحويلات الكبرى لتدعيم التزود بالمياه، انطلاقا من حقل "عجر ماية" جنوبي بلدية قصر الشلالة وحوض" مطالس" بضواحي بلدية سرقين خلال الأيام القادمة، على مسافة 42 كلم.

وتفاقمت الأزمة بسبب جفاف سدّ بخدّة، الذي يزود ولاية تيارت وثلاث ولايات مجاورة بالمياه، خصوصا وأنّ طاقته الاستيعابية تبلغ 38 مليون متر مكعّب.

وقال وزير الداخلية إبراهيم مراد في تصريحات صحافية سابقة، إن السلطات "تسعى لربط مدينة تيارت انطلاقا من الحوض المائي الشط الشرقي، من خلال تعزيز الورشات لتسليمه قبل نهاية الشهر الحالي (يونيو)، إضافة إلى تدشين مخطط مستعجل لاستغلال أسطول الشاحنات بصهاريج قادمة من عدة ولايات والمقدر بـ104 شاحنة، لضمان توزيع المياه عبر أحياء مدينة تيارت والبلديات التي تعرف نفس الأزمة".

إقالات وأزمة بولايات 

وتسببت هذه الأزمة في إنهاء مهام عدد من المسؤولين المحليين هم؛ المدير الولائي للموارد المائية ومدير "الجزائرية للمياه" (مؤسسة عمومية)، فيما زار كل من وزير الري ووزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية ولاية تيارت قبل أكثر من أسبوع، ووصفا ما حدث بـ"سوء تسيير الماء الشروب"، ووعدا بالحل قبل عيد الأضحى.

وفي ردود الفعل قال النائب البرلماني عن ولاية تيارت الجيلالي أحمد، على حسابه في فيسبوك، إن أزمة المياه عميقة وتعمل السلطات مع المنتخبين على حلّها"، وتحدث عن تخصيص مبلغ ٥٠٠ مليار سنتيم (5 مليون دولار) لجلب المياه إلى الولاية.

وقال البرلماني بلجيلالي إن جفاف سدّ بخدّة تسبب في مفاقمة الأزمة، باعتباره سدا عملاقا.

وتعاني ولايات شمال ووسط الجزائر من أزمة مياه منذ سنوات بسبب أزمة الجفاف، وقد وافق مجلس الوزراء، قبل أكثر من أسبوع، على مشروع إنجاز محطة تحلية مياه البحر بتامدة أوقمون ببلدية إفليسن بولاية تيزيز وزو بمنطقة القبائل وسط البلاد، وهي من الولايات التي تعرف أزمة مياه.

وفي مارس الفارط عرفت ولاية بومرداس (وسط) أزمة تزوّد بالمياه الصالحة للشرب، وأقرّ وزير الري طه دربال خلال زيارة الولاية بالأزمة، وقال إن "أزمة التموين بالماء الشروب بهذه الولاية، ستشهد حلولا جذرية من خلال مجموعة من الاقتراحات المتوافرة.

محطات تحلية ومشاريع عملاقة

ولمواجهة هذ الأزمة، التي تسبب فيها نقص تساقط الأمطار ما أدّى إلى تناقص كبير في مياه السدود، لجأت السلطات لإنشاء محطات تحلية لمياه البحر بلغ عددها حاليا 11 محطة، وتستهدف رفع عددها إلى نحو 20 محطة في حدود 2030، لتعويض مياه السدود التي ستحول إلى قطاع الزراعة في إطار "الاستراتيجية الوطنية للمياه 2021-2030".

كما أطلقت الجزائر مشاريع عملاقة في جنوب البلاد لتزويد السكان بالمياه، وكان أبرز مشروع نقل المياه الجوفية على مسافة تفوق 800 كلم بين ولاية عين صالح الغنية بالمياه الجوفية (الجنوب الشرقي) إلى ولاية تمنراست، ومشروع آخر نقل المياه من حقل قطراني إلى ولاية بشار بالجنوب الغربي للبلاد. 

ويستهلك الجزائريون سنويا ما بين 3.6 إلى 4 مليارات متر مكعب، 30 بالمئة منها تأتي من السدود، فيما تأتي البقية من الآبار ومحطات تحلية مياه البحر، وفق إحصاءات رسمية.

المصدر: أصوات مغاربية