Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

في مدرسة تدرس السحر في البرازيل
في مدرسة تدرس السحر في البرازيل

بقلم رياض عصمت/

استولى السحر والسحرة على اهتمام الناس منذ قديم الزمان، واستمر الأمر على حاله حتى عصرنا الحاضر، وإن بشكل موارب ومستتر. في أماكن بدائية من العالم، وصل بعض السحرة إلى مهابة جعلتهم يحتلون مراتب قيادية مقدسة في القبيلة، بحيث لا يتخذ الزعيم قرارا أو يملي أمرا إلا بعد الحصول على رضاهم وموافقتهم، وهما على حد زعمهم إشارات يستلهمونها من السماء. لذا، كان يطلق على الساحر في القبائل البدائية لقب "شامان"، الذي يوحي بالمهابة والاحترام.

لا شك أن شخصية الساحر تتمتع بدرجة عالية من الذكاء والخيال والفراسة، لأن القدرة على التنبؤ هي أهم أدلة إقناع الساحر للآخرين بامتلاكه قدرة استثنائية تفوق قدرات البشر العاديين من باقي أفراد القبيلة، بل حتى من زعمائها وأمرائها وأشاوس قادتها المحاربين.

يذكر التاريخ قصة مفادها أنه حين اكتشف كولومبوس القارة الأميركية التي كان يقطنها الهنود الحمر، اعتمد على معرفته بعلم الفلك بحيث أعلن للقوم البدائيين حدوث كسوف للشمس، فارتاعوا عند وقوع الكسوف فعلا، وظنوه ناجما عن قدرة كولومبوس الخارقة على إخفاء نور الشمس كما أنذر وأوعد، ثم إعادة نور الشمس للإشراق كما تكرم فوعد. بالتالي، ركع الهنود الحمر لكولومبوس قابلين قائد الغزاة حاكما مقدسا.

ربما كان بعض المستشارين وكبار الإعلاميين المعاصرين أشبه بالسحرة في تأثيرهم على القادة

​​ألا يوجد "سحرة" بالمعنى المعاصر بين مرشدي القادة الزعماء؟ ألا يصغي بعض القادة لنصح من يخالونه يمتلك مفاتيح الحكمة من المفكرين والإعلاميين المقربين إليهم؟ أم أن الزعيم في عصر التكنولوجيا الحديثة حول نفسه بنفسه عن قناعة تامة إلى "شامان" ملهم يمتلك القدرة على التنبؤ بالمستقبل، وسرعان ما يهلل له مريدينه موافقين على تنبؤاته، مشيدين بحكمته وصواب بصيرته؟ لكن، هل يدوم مفعول السحر طويلا، أم تنكشف مع مرور الأيام أسرار الخديعة، فينقلب السحر على الساحر، كما يقول المثل الشعبي؟

لطالما حظي السحر باهتمام صناع السينما والتلفزيون لما يتضمنه السحر من إثارة لخيال المشاهدين، ولما يضفيه الساحر من تشويق وإمتاع. نذكر بين روائع السينما فيلم المخرج جورج مارشال "هوديني" من بطولة توني كورتيس وجانيت لي، والذي أعيدت رواية قصته بفيلم أقل نجاحا عنوانه "أفعال تتحدى الموت" من بطولة كاترين زيتا ـ جونز وغاي بيرس، وكلا الفيلمين يتناول سيرة الساحر الشهير الذي أجاد التخلص من أي قيد كان، مخاطرا بحياته أمام أعين الجمهور المنبهر بجرأة استثنائية.

في العقد الماضي، ظهرت سلسلة أفلام أخرى عن السحر والسحرة، منها سلسلة حملت عنوان "الآن تراني"، ولعب بطولة فيلمين منها نجوم يتصدرهم وودي هاريسون وجيس آيزنبرغ ومارك روفالو ومايكل كين ومورغان فريمان.

يدور الفيلم الأول عن استغلال شخص غامض لمجموعة سحرة شبان ممن يجيدون خدع الإيهام كي يقوموا بعمليات سطو خارقة تستعصي على التصديق، لكنهم رغم نجاحهم فيها، ما يلبثون أن ينقلبوا على المتلاعب بهم. هناك حبكة بارعة مشابهة في فيلم "تركيز" للنجم ويل سميث مع النجمة مارغوت روبي. أما الرومانسية المصحوبة بالوهم والخداع، فنجدها في فيلم المخرج المعروف وودي ألن "سحر في ضوء القمر" من بطولة النجمين كولن فارث وإيما ستون.

لا بد من ذكر فيلمين آخرين عن السحر والسحرة، هما The Illusionist و The Prestige، اللذين ظهرا في عام 2006. كان الأول من بطولة إدوارد نورتون وجيسيكا بيل، والثاني من بطولة كريستيان بيل وهيو جاكمان وسكارلت جوهانسون. أما في المسلسل التلفزيوني البوليسي الشهير "كولومبو"، فيواجه المحقق (الذي جسد شخصيته بيتر فولك) عدة سحرة محترفين، لكنه يستطيع بذكائه ودهائه أن يجعل "السحر ينقلب على الساحر" بحيث يوقعهم في قبضة العدالة عقابا عن جرائم خالوا أنهم سينجون من آثارها سالمين غانمين.

في الواقع، تركز معظم أفلام السحر والسحرة على أمرين: أولهما الإيهام بفعل ما من أجل تغطية القيام بفعل آخر، تماما كما هو النشل. ذلك، في الواقع، هو جوهر الخداع الذي يتخذ أشكالا وأساليب شتى. أما الثاني، فهو القدرة على التنبؤ الصحيح بما يستعصي التنبؤ به من قبل الإنسان العادي. إنه ـ كما يقال باللغة العربية القديمة ـ "الرجم بالغيب"، وهو يدخل في صلب مهمة "الشامان" ودوره التوجيهي للزعيم في القبائل البدائية، وهي المهمة التي اضطلع بها بعض جهابذة المستشارين في العصر الحديث، ليوحوا للقادة والزعماء أنهم يسيرون على طريق الصواب، وأنه لا يخالط قراراتهم شوائب.

ربما كان بعض المستشارين وكبار الإعلاميين المعاصرين أشبه بالسحرة في تأثيرهم على القادة، عبر إيهامهم بالمجد والعظمة، والإيحاء لهم بأنهم خالدون، وأن البطش الذي يمارسونه هو مجرد طقس من طقوس الهيبة. أما الساحر الحكيم والحريص على مصلحة قبيلته، فيلعب دور الناصح الأمين في تحذير زعيم القبيلة من الإيغال في العنف والهيمنة عبر إراقة الدماء، ويدعو إلى حوار ملؤه التفاهم، وإلى إرساء أسس العدل والسلام من أجل مصلحة الرعية وازدهار مستقبلها.

جدير بالتذكر أن هيمنة الصليبيين على المشرق العربي دامت بين عامي 1095 ـ 1291، لكنها انتهت بانحسار الغزو الصليبي حين انتصر صلاح الدين الأيوبي على جيشهم في معركة حطين. كما شهد المشرق العربي أيضا غزو المغول والتتار، من جنكيز خان إلى هولاكو، وصولا إلى تيمورلنك.

إن "الشامان" الخبيث سيقود زعيمه لا محالة إلى ارتكاب أفعال تشوه صورته وتبعده عن عموم الناس المؤمنين به والمحبين له

​​ظهرت أعمال فنية أجنبية وعربية عديدة عن تلك الغزوات التي اجتاحت بلاد فارس وبلاد العرب، ومنها المسلسل التلفزيوني "هولاكو" الذي ألفته عن تلك الحقبة التي قضت على خليفة بغداد العباسي آنذاك المستعصم بالله، لكنها ألهبت شرارة مقاومة شعبية واسعة، واستدعت تضافر القوى بقدوم جيش قطز من مصر بقيادة الظاهر بيبرس لنجدة الأشقاء في بلاد الشام، فالتقى جيش العرب بجيش المغول الذي كان يقوده كيتابوقا، وألحق به هزيمة شعواء في معركة "عين جالوت"، لم تقم بعدها لغزو هولاكو قائمة.

من ناحية ثانية، نتذكر أن هيمنة الإمبراطورية العثمانية على المشرق العربي استمرت مدة تناهز أربعة قرون، لكنها تفككت ـ كما حدث للإمبراطورية الرومانية من قبلها ـ عقب بلوغها ذروة القوة. تلك هي دورة التاريخ الحتمية، فهناك إمبراطوريات تصعد وتهيمن، وهناك إمبراطوريات تتهاوى وتنحل. في المثالين السابقين، نلاحظ تاريخيا وجود هيمنة سحرية لرجال الدين على الملوك والسلاطين هي من أوحت وتنبأت بالنصر المبين للتوسع والامتداد الجغرافي ومحاولة السيطرة على أراض شاسعة واسعة لشعوب ذات هويات متباينة، تنطق بلغات مختلفة عن لغات الغزاة.

مهما بدت قوة السحر جبارة ومهيمنة ودائمة، إلا أنه في الختام "لا يصح إلا الصحيح". هكذا، قد يدرك الزعيم يوما من الأيام أنه كان مخدوعا بنصائح سيئة من "شامان" مغرض كان يفترض به أن يكون ناصحا لما فيه خيره وخير مملكته، سواء ارتدى ثوب الكاهن أو ثوب الحكيم أو ثوب المستشار المخلص.

إن "الشامان" الخبيث سيقود زعيمه لا محالة إلى ارتكاب أفعال تشوه صورته وتبعده عن عموم الناس المؤمنين به والمحبين له. هكذا، في حال استمر الزعيم بالانسياق للأوهام الذي يبثها "الشامان" في ذهنه، سيسقط ضحية لمطامحه الجامحة، ولأكاذيب المنافقين من حوله.

هكذا، نجد في عديد من السينما والتلفزيون أمثولات يفترض بالقادة الأذكياء استلهام العبرة والعظة منها، إذ كثيرا ما ينقلب على الساحر ويكتشف الزعيم متأخرا أنه كان ضحية خدعة، فيحاول أن يجعل من الإبصار بصيرة، راغبا في الإصلاح والتعويض عما مضى، لكن النجاح يصبح صعبا إذا ما فات الأوان.

ـــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

مواضيع ذات صلة

Tunisians queue outside a polling station to cast their votes during the presidential elections, in the capital Tunis, Tunisia,…
يترقب التونسيون نسبة المشاركة النهائية في الرئاسيات

أغلقت مراكز الاقتراع في تونس أبوابها في الساعة السادسة مساء، اليوم الأحد، تمهيدا ببدء عملية فرز الأصوات.

وكان رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات بتونس، فاروق بوعسكر، في ثاني مؤتمر صحافي خلال يوم الاقتراع، كشف أن نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية في الخارج بلغت 10 بالمئة، حتى الساعة الواحدة ظهرا.

وأفاد بوعسكر أن عدد المصوتين في الخارج وصل إلى 64 ألفا و315 ناخبا.

 

وكان رئيس هيئة الانتخابات أعلن، في مؤتمر صحافي قبل الأخير، أن نسبة المشاركة في الرئاسيات بلغت 14.16 في المئة إلى حدود الساعة الواحدة زوالا بالتوقيت المحلي.

وأفاد بأن عدد المصوتين داخل تونس وصل إلى مليون و381 ألفا و176 ناخبا حتى حدود الواحدة زوالا.

معطيات الرئاسيات

وشرع التونسيون الأحد في انتخاب رئيسهم الجديد من بين ثلاثة مرشحين يتقدّمهم الرئيس المنتهية ولايته قيس سعيّد، في أعقاب حملة انتخابية غاب عنها حماس التونسيين بسبب الصعوبات الاقتصادية.

وبدأ الناخبون المسجلون البالغ عددهم 9,7 ملايين، الإدلاء بأصواتهم في الساعة الثامنة صباحا (7,00 ت.غ) في أكثر من خمسة آلاف مركز لاختيار رئيسهم للسنوات الخمس المقبلة، على أن تستمر عمليات التصويت حتى الساعة السادسة مساء بالتوقيت المحلي، وفقا لهيئة الانتخابات.

ومن المنتظر أن تعلن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات النتائج الأولية "على أقصى تقدير" الأربعاء المقبل، وتظلّ إمكانية الإعلان عن النتائج قبل هذا التاريخ واردة.

ويتنافس سعيّد (66 عاما) مع النائب السابق زهير المغزاوي (59 عاما)، والعياشي زمال، رجل الأعمال والمهندس البالغ من العمر 47 عاما والمسجون بتهم "تزوير" تواقيع تزكيات.

ولا يزال سعيّد، الذي انتُخب بما يقرب من 73% من الأصوات (و58% من نسبة المشاركة) في العام 2019، يتمتّع بشعبية لدى التونسيين حتى بعد أن قرّر احتكار السلطات وحلّ البرلمان وغيّر الدستور بين عامي 2021 و2022.

وبعد مرور خمس سنوات من الحكم، يتعرّض سعيّد لانتقادات شديدة من معارضين ومن منظمات المجتمع المدني، لأنه كرّس الكثير من الجهد والوقت لتصفية الحسابات مع خصومه، وخصوصا حزب النهضة الإسلامي المحافظ الذي هيمن على الحياة السياسية خلال السنوات العشر من التحوّل الديموقراطي التي أعقبت الإطاحة بالرئيس بن علي في العام 2011.

وتندّد المعارضة، التي يقبع أبرز زعمائها في السجون ومنظمات غير حكومية تونسية وأجنبية، بـ"الانجراف السلطوي" في بلد مهد ما سمّي "الربيع العربي"، من خلال "تسليط الرقابة على القضاء والصحافة والتضييق على منظمات المجتمع المدني واعتقال نقابيين وناشطين وإعلاميين"، وفقها.

ويرى الخبير في منظمة "الأزمات الدولية" مايكل العيّاري أن "نسبة المقاطعة ستكون على ما يبدو كبيرة"، على غرار ما حصل في الانتخابات التشريعية التي جرت في نهاية العام 2022 وبداية 2023، والتي بلغت نسبة المشاركة خلالها 11,7% فقط.

ويشير إلى أن "المواطنين ليسوا متحمسين للغاية لهذه الانتخابات، ويخشى الكثيرون من أن ولاية جديدة لقيس سعيّد لن تؤدي إلا إلى تفاقم الوضع الاقتصادي والاجتماعي والانجراف الاستبدادي للنظام".

وفي خطاب ألقاه الخميس، دعا سعيّد التونسيين إلى "موعد مع التاريخ"، قائلا "لا تتردوا لحظة واحدة في الإقبال بكثافة على المشاركة في الانتخابات"، لأنه "سيبدأ العبور، فهبّوا جميعا إلى صناديق الاقتراع لبناء جديد".

حملة هادئة

في الطرف المقابل، حذّر الجمعة رمزي الجبابلي، مدير حملة العياشي زمال، في مؤتمر صحافي "في رسالة موجهة إلى هيئة الانتخابات إيّاكم والعبث بصوت التونسيين".

وكانت الحملة الانتخابية باهتة دون اجتماعات أو إعلانات انتخابية أو ملصقات، ولا مناظرات تلفزيونية بين المرشحين مثلما كان عليه الحال في العام 2019.

ويعتقد العيّاري أن الرئيس سعيّد "وجّه" عملية التصويت لصالحه "ويعتقد أنه يجب أن يفوز في الانتخابات"، حتى لو دعت المعارضة اليسارية والشخصيات المقربة من حزب النهضة إلى التصويت لصالح زمال.

أما المنافس الثالث فهو زهير المغزاوي، رافع شعار السيادة السياسية والاقتصادية على غرار الرئيس، وكان من بين الذين دعموا قرارات سعيّد في احتكار السلطات.

وتعرّضت عملية قبول ملفات المرشحين للانتخابات من الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لانتقادات شديدة وصلت الى حدّ اتهامها بالانحياز الكامل لصالح سعيّد حين رفضت قرارا قضائيا بإعادة قبول مرشحين معارضين بارزين في السباق الانتخابي.  

وتظاهر مئات التونسيين في العاصمة تونس الجمعة للتنديد بـ"القمع المتزايد". 

وطالب المتظاهرون في شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي في العاصمة بإنهاء حكم سعيّد، وسط حضور أمني كثيف.

وتشير إحصاءات منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى أن "أكثر من 170 شخصا هم بالفعل محتجزون لدوافع سياسية او لممارسة الحقوق الأساسية" في تونس.

 

المصدر: وكالات