Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الثورة التونسية
الثورة التونسية شكلت حدثا تاريخيا

بقلم حسين عبد الحسين/

داخل أسوار مدينة تونس القديمة مكتبة كالمتحف، علّق صاحبها على جدرانها لوحات تاريخية، إحداها تعود إلى حمودة باش بن علي، خامس حكام الأسرة الحسينية. يرانا صاحب المكتبة مجموعة أميركيين، فيشرح لنا أن حمودة باي الحسيني هو من اعترف باستقلال الولايات المتحدة في العام 1795، ووقع مع الرئيس جون أدامز اتفاقية السلام والصداقة بعد ذلك بعامين.

كان استقلال أميركا قد أدى إلى خسارة سفنها التجارية الحماية البريطانية في الأطلسي والمتوسط، بل إن لندن حرضت دول شمال أفريقيا على ممارسة قرصنة منظمة ضد السفن الأميركية. لكن الولايات المتحدة توصلت لاتفاقيات سلام وصداقة مع المغرب وتونس، وفي العام 1805 هزمت قوات المارينز الأميركية الليبيين، وحطت في ليبيا، وهي المعركة التي تم تخليدها في مطلع نشيد المارينز "من أروقة مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس".

في تونس بصيص أمل. الحرية عادت، ومعها الكرامة وحقوق الإنسان

​​عمر الصداقة الأميركية ـ التونسية يكاد يقارب عمر الولايات المتحدة نفسها، وهو ما دفع واشنطن إلى تكليل 223 عاما من الصداقة بكفالتها تسمح للحكومة التونسية بالاقتراض بفوائد منخفضة في محاولة لدفع الاقتصاد التونسي ليتناسب مع الحرية التي حققتها "ثورة الياسمين"، باكورة انتفاضات "الربيع العربي"، والوحيدة التي قدمت بصيص أمل بأن خيارات شعوب الشرق الأوسط لا تقتصر على العيش في ظلّ الديكتاتوريات أو الإسلاميين.

قد يكون من المبكر إطلاق تسمية "المعجزة التونسية" على تسلق البلاد سلم الحريات من قعره إلى طليعته. الديموقراطية التونسية فتية وقاصرة، ولكنها واعدة. في ربوعها يلتقي الشرق أوسطيون في مؤتمرات متنوعة، منها الخشبي الذي يحمّل الإمبريالية وإسرائيل كل مصائب المنطقة والعالم، ومنها ما يتباحث في الكرامة الإنسانية ويدعو دول المنطقة وشعوبها إلى توظيف الفكر النقدي، والتحلي بالتسامح، والتمسك بالمساواة والمواطنة بما يكفل بقيام دول على أسس العدالة والمؤسسات وحكم القانون.

لكن الطريق أمام تونس الجميلة ما زال طويلا، وهو في أساسه يرتبط بتطوير مجتمعي يسمح بالتقدم السياسي والاقتصادي. أما التطوير المجتمعي، فيتطلب بدوره مراجعة نقدية للأساطير التاريخية التي تشكل الشخصية الوطنية التونسية، والتخلي عن اعتبار أن التاريخ التونسي ينقسم إلى نصفين: ما قبل العرب والإسلام، وما بعدهما.

تخبرني الصديقة التونسية أسماء أنها اكتشفت صدفة أن تقاليد الزفاف التونسية تتشابه وصورة رمز الإلهة الفينيقية تانيت، التي تسمت البلاد باسمها. في هذه التقاليد، تبدل العروس ثوبها سبع مرات، وفي كل مرة ترفع يداها أمام وجهها، مع رفع كوعيها إلى مستوى كتفيها، وتدور بثوبها حتى يرتفع قليلا، فيما يشبه احتفالات الخصوبة القديمة. ومن ينظر إلى شكل العروس تدور يرى التطابق مع شكل رمز تانيت.

واسم تانيت ينحدر من الجذر اللغوي السامي ت ـ ن ـ ت أو أ ـ ن ـ ث، وهو نفسه الذي يعطي كلمة أنثى العربية، ومنه أيضا عنثى أو عنسى أو عنست (عنساء)، وكذلك عشى وعشاء وعائشت. وبإضافة إيل، الكلمة السامية التي تعني سيد أو ربّ، تصبح العشى أو العشاء، ويمكن لفظ الأخيرة على شكل أليشاء أو أليسّا أو أليسار، وهو اسم الملكة الفينيقية المفترض أنها أسست قرطاج، وهو ما يعني أن اسمي تانيت وأليسّا مترادفان.

وكانت الآلهة الأنثى ترمز إلى الخلود الذي يمثله الليل، فأعطت اسمها إلى وقت الظلام، أي عشاء. وسمى الفينيقيون جزيرة قبرص العشا (مثل أليسّا)، والغالب أن هذه الأسماء كانت ترمز إلى موقع الغرب بالنسبة للبحارة الفينيقيين من مواطنهم على شواطئ المشرق المسمى حينذاك بكنعان.

قد يكون من المبكر إطلاق تسمية "المعجزة التونسية" على تسلق البلاد سلم الحريات من قعره إلى طليعته

​​وبحسب التقاليد، فإن عقبة بن نافع هزم حاكمة تونس المسماة كاهنة، والأرجح أن الأسطورة هي تكرار أسطورة فوز الابن (العقب) مردوك العراقي على الأم تيامات، وانتصار زوس الإغريقي على أبيه كرونوس.

إذا، لابد من التحرر من بعض الأساطير المؤسسة لدولة تونس الإسلامية والعربية، والانفتاح على إمكانية أن الفتوحات المتخيلة كانت مجرد تكرار لأساطير سابقة، وأنه لا بأس في اعتبار أن تونس، كما دول كثيرة أخرى في غرب آسيا وشمال أفريقيا، أعادت كتابة تاريخها في القرون الأربعة ما قبل الأخيرة، في ظل الصراع الصفوي ـ العثماني والتحالفات التي أملاها الارتباط بواحدة من القوتين الإقليميتين. ولأن تونس مرفأ يمسك تاريخيا بالحركة الملاحية للمتوسط، أطبق عليه العثمانيون، فارتبطت بهم تونس بشكل لم يربط جيرانها، مصر أو المغرب مثلا، مع إسطنبول.

تاريخ تونس الطويل حوّلها إلى متحف كبير، شأنها شأن مدن الشرق الأوسط الأخرى: تاريخها غني ومستقبلها فقير. لكن في تونس بصيص أمل. الحرية عادت، ومعها الكرامة وحقوق الإنسان. كل ما تحتاجه البلاد هو رؤية تخرجها من ظلمة نظريات المؤامرة، ووهم الدولة الإسلامية والعروبة، والسعي بواقعية لمجتمع أكثر حداثة، واقتصاد أكثر ديناميكية، ومستقبل أفضل.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

مواضيع ذات صلة

539017 4

سناء العاجي/

في وضع كالذي نعيشه اليوم، نكتشف أننا قد لا نقتل بفيروس كورونا... لكن الجهل قد يقتلنا.

انتشرت للأسف فيديوهات كثيرة تتحدث عن "المؤامرة" أو حتى تنفي وجود الفيروس. آخرون اعتبروا أن الله هو من يحمينا ولا خوف من غير الله... وكأن حماية النفس من العدوى، فيها كفر وشرك بالله!

إحدى الصديقات كتبت على فيسبوك بأنك، حين تعبر الشارع، فأنت تنظر ببساطة لليمين وللشمال كي تحمي نفسك من حوادث السير، وهذا (منطقيا)، لا يقلل من إيمانك بقَدَر الله في شيء.

تستطيع أيضا أن تحمي نفسك من خطر الإصابة بالفيروس (وإصابة الآخرين) دون أن تكون قد تحديتَ مشيئة الله ولا أن تكون قد كفرت.

البعض أيضا، في المغرب دائما، قرر تحدي قرار إغلاق المساجد ليصلي جماعة في الشارع. وكأن صلاة الجماعة ركن وشرط من شروط الإسلام...

نكتشف مرة أخرى أننا بنينا للجهل وأسسنا للخرافة في مجتمعنا، دون أن نؤسس للعقل والعلم

ممارسة غير مسؤولة قد تؤذي هؤلاء الأشخاص وتؤذي عائلاتهم وزملاءهم. وكأنهم، بصلاتهم الجماعية في ظرف صحي استثنائي على مستوى العالم، يضمنون مكانهم في الجنة! هل من الدين أن تتسبب في الأذى لنفسك ولغيرك؟ ألا يعد هذا السلوك منافيا لروح الإيمان ولروح المواطنة في نفس الوقت؟

لكي، ولكي نكون موضوعيين، فنحن كثيرا ما ننتقد حكوماتنا بسبب قصورها عن إنجاز ما يغير حياة المواطن بشكل فعلي... لكننا اليوم، وحتى نكون موضوعيين أيضا، فإننا نستطيع بصدق أن نشيد بمجهودات الحكومة المغربية في التصدي بحزم وجدية ومسؤولية لتداعيات فيروس كورونا من حيث التوعية والتواصل؛ لكن أيضا من خلال الخطوات التدريجية الجادة والاستباقية التي اتخذتها للحد من انتشار فايروس أثبتت تجارب الدول الأخرى سرعة انتقال عدواه.

في المقابل، فقد اكتشفنا أن الكثير حولنا تعاملوا مع هذا الوضع باستهتار واستخفاف مضر لصحتهم وصحة الغير، كما اكتشفنا انتشار الجهل والخرافة وتأثير خطابات المؤامرة والغيبيات على العقول.

أشخاص متعلمون ينشرون كل ما يتوصلون به دون تدقيق في المصادر والمحتوى... ميل شبه فطري لتصديق كل نظريات المؤامرة الممكنة (الأميركيون يموتون بالفيروس، والصينيون، والبريطانيون، والكوريون والكنديون... فهل هي مؤامرة من كوكب زحل؟).

الكثير حولنا تعاملوا مع هذا الوضع باستهتار واستخفاف مضر لصحتهم وصحة الغير

ثم، وهذا الأفظع، نكتشف مرة أخرى أننا بنينا للجهل وأسسنا للخرافة في مجتمعنا، دون أن نؤسس للعقل والعلم. ها نحن نواجه فيروسا خطيرا قد يقتل أشخاصا قريبين منا... فيروس مات بسببه اليوم آلاف الأشخاص في مدة قصيرة... ونكتشف معه أننا عاجزون عن مواجهته بالعلم. بل أن بنياتنا الصحية الاستشفائية غير كافية.

تنقصنا المدارس والمستشفيات والأطر الصحية والتفكير العلمي... في مواجهة فيروس لا يمكن مواجهته بالدعاء والصلاة (لا فرادى ولا جماعات) ولا يمكن مواجهته بالخرافة والدجل والتنجيم ونظريات المؤامرة.

يفترض، بعد تجاوز هذه الأزمة، أن نقف أمام الدرس الحقيقي لكورونا (وما سيأتي بعده من فيروسات خطيرة): ما لم نؤسس للعقل والعلم، ما لم ندعم البنيات التحتية في قطاع الصحة لضمان صحة مجانية جيدة لكل المواطنين، ما لم نضمن تعليما جيدا، فستهزمنا الفيروسات وسيهزمنا الجهل وستهزمنا الخرافة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

كورونا... الجهل والفيروس! 8720A62B-88C1-43EE-8FF1-715B410735D9.jpg AFP كورونا-الجهل-والفيروس الباحثة المغربية سناء العاجي 540977 إيران يصلون خارج مقام فاطمة بنت موسى الكاظم بعد إغلاقه من قبل السلطات لمواجهة انتشار فيروس كورونا 2020-03-19 13:47:31 1 2020-03-19 13:49:31 0