Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مجسمات لـ 84 رجلا على سطح مبنى أحد المحطات التلفزيونية ضمن حملة ضد الانتحار، و84 يمثل عدد الرجال الذين ينتحرون أسبوعيا في بريطانيا
مجسمات لـ 84 رجلا على سطح مبنى أحد المحطات التلفزيونية ضمن حملة ضد الانتحار، و84 يمثل عدد الرجال الذين ينتحرون أسبوعيا في بريطانيا

بقلم سناء العاجي/

منذ بضعة أيام، انتحر شاب مغربي بعد أن كان قد أعلن نيته تلك عبر "فيسبوك".

خبر حزين ومؤلم. لكن الموجع أكثر، هو التغريدات والرسائل التي انتشرت لاحقا على المواقع الاجتماعية، من تذكير بفتاوى تحرم الانتحار وإعلان أن هذا الشاب سيذهب إلى جهنم. رسائل ومنشورات أخرى قامت بتحليل نفسية الشاب المنتحر وتفسيرها وتأنيبها، حتى بعد الموت.

مهما كنت تعتبر نفسك ذكيا ومثقفا، فأنت لا تستطيع أن تكون خبيرا دينيا، وخبيرا في التحليل النفسي، وخبيرا في الاقتصاد...

​​خبراء علم النفس والأخصائيون الذين اشتغلوا على ظاهرة الانتحار يعتبرون أن التحولات النفسية التي تؤدي إليها معقدة للغاية ومن الصعب رصدها بسهولة. كما أن محاولة الانتحار لا تترجم بالضرورة مرضا أو أزمة نفسية، لأنها قد تكون رسالة أو تسجيل موقف من واقع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، وقد تكون أسلوب استغاثة موجها للوسط القريب، ينبه عبره الشخص المعني إلى كونه ليس على ما يرام؛ إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة والمعقدة.

باختصار، كيف لنا ونحن نجلس خلف حواسبنا وشاشاتنا، أن نتهم أو نخون أو نكفر شخصا، لعله تعرض لمعاناة نفسية كبيرة، لعله كان مريضا، لعله كان يحتاج لنجدة من حوله حتى لا يقدم على فعلته، لعله بلغ حدا من اليأس لم يحتمله.. باختصار، كيف نعطي لأنفسنا الحق في الحكم عليه وعلى صحته النفسية وعلى تدينه؟

بل وأكثر من ذلك، هل نعي أن لذلك الشاب أسرة وأشخاصا يحبونه، فجعوا في موته وفي انتحاره؟ هل ندرك أن والديه وكثيرين حوله يحملون ثقل الألم لأنهم لن يعرفوا يوما الأسباب الحقيقية التي دفعت به لوضع حد لحياته؛ وأنهم سيعيشون مع الإحساس بالذنب لأنهم لم ينتبهوا له ولألمه المحتمل، قبل أن يقدم على فعلته؟ هل ندرك أي ألم نخلف لديهم إذا قرأوا ما يكتب عن ابنهم في لحظات مثل هذه؟

هل نحن ساديون مجرمون إلى هذا الحد؟ إلى حد العبث بمشاعر الغير والتعدي على حيواتهم وعلى موتهم، لمجرد إرضاء بعض غرور الأنا بحصد اللايكات؟

بل، وبعيدا عن انتحار هذا الشاب، متى سنعي أننا، بكل بساطة، لا يمكننا أن نكون خبراء في كل شيء؟

عبث يجعل العنف سمة مميزة لـ"النقاش العمومي" على المواقع الاجتماعية؛ والتهكم على الآخرين، والسخرية القاتلة

​​أنت، مهما كنت تعتبر نفسك ذكيا ومثقفا، فأنت لا تستطيع أن تكون خبيرا دينيا، وخبيرا في التحليل النفسي، وخبيرا في الاقتصاد، وخبيرا في كرة القدم، وخبيرا في تحليل الخطاب السياسي، وخبيرا في الإعلام، وخبيرا في جوائز نوبل في كل التخصصات، وخبيرا في الدبلوماسية، وخبيرا في الموضة، وخبيرا في الفن، و"خبيرا في التحليل النفسي للمجتمع العربي" كما كتب أحدهم في توقيعه (علما أن التحليل النفسي يهتم بالأفراد، وليس المجتمعات؛ خلافا لعلم الاجتماع).

من المؤكد أن المواقع الاجتماعية فتحت اليوم الفرصة لملايين عبر العالم للتعبير عن مواقفهم وآرائهم، دون الحاجة لأن يكونوا بالضرورة صحافيين أو كتابا. هذا في حد ذاته أمر إيجابي لأنه يغني النقاش العمومي ويطور مساحات النقاش والحرية والتعبير. هذا إيجابي أيضا لأنه يسمح بفتح نقاشات ما كانت لتفتح لولا توفر هذه الإمكانيات التكنولوجية الجديدة؛ كما يسمح بتوفير فرصة التعبير للجميع دون استثناء (تقريبا).

لكن هذا لا يمنع أن الكثير من العبث يرافق هذه الحرية في التعبير. عبث يجعل العنف سمة مميزة لـ"النقاش العمومي" على المواقع الاجتماعية؛ والتهكم على الآخرين، والسخرية القاتلة..

هل نعي أن تغريدة عابثة نكتبها، قد تسبب كثيرا من الألم لغيرنا، رغم أنها لا تساعد كثيرا في تطوير النقاش العمومي؟

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

مواضيع ذات صلة

539017 4

سناء العاجي/

في وضع كالذي نعيشه اليوم، نكتشف أننا قد لا نقتل بفيروس كورونا... لكن الجهل قد يقتلنا.

انتشرت للأسف فيديوهات كثيرة تتحدث عن "المؤامرة" أو حتى تنفي وجود الفيروس. آخرون اعتبروا أن الله هو من يحمينا ولا خوف من غير الله... وكأن حماية النفس من العدوى، فيها كفر وشرك بالله!

إحدى الصديقات كتبت على فيسبوك بأنك، حين تعبر الشارع، فأنت تنظر ببساطة لليمين وللشمال كي تحمي نفسك من حوادث السير، وهذا (منطقيا)، لا يقلل من إيمانك بقَدَر الله في شيء.

تستطيع أيضا أن تحمي نفسك من خطر الإصابة بالفيروس (وإصابة الآخرين) دون أن تكون قد تحديتَ مشيئة الله ولا أن تكون قد كفرت.

البعض أيضا، في المغرب دائما، قرر تحدي قرار إغلاق المساجد ليصلي جماعة في الشارع. وكأن صلاة الجماعة ركن وشرط من شروط الإسلام...

نكتشف مرة أخرى أننا بنينا للجهل وأسسنا للخرافة في مجتمعنا، دون أن نؤسس للعقل والعلم

ممارسة غير مسؤولة قد تؤذي هؤلاء الأشخاص وتؤذي عائلاتهم وزملاءهم. وكأنهم، بصلاتهم الجماعية في ظرف صحي استثنائي على مستوى العالم، يضمنون مكانهم في الجنة! هل من الدين أن تتسبب في الأذى لنفسك ولغيرك؟ ألا يعد هذا السلوك منافيا لروح الإيمان ولروح المواطنة في نفس الوقت؟

لكي، ولكي نكون موضوعيين، فنحن كثيرا ما ننتقد حكوماتنا بسبب قصورها عن إنجاز ما يغير حياة المواطن بشكل فعلي... لكننا اليوم، وحتى نكون موضوعيين أيضا، فإننا نستطيع بصدق أن نشيد بمجهودات الحكومة المغربية في التصدي بحزم وجدية ومسؤولية لتداعيات فيروس كورونا من حيث التوعية والتواصل؛ لكن أيضا من خلال الخطوات التدريجية الجادة والاستباقية التي اتخذتها للحد من انتشار فايروس أثبتت تجارب الدول الأخرى سرعة انتقال عدواه.

في المقابل، فقد اكتشفنا أن الكثير حولنا تعاملوا مع هذا الوضع باستهتار واستخفاف مضر لصحتهم وصحة الغير، كما اكتشفنا انتشار الجهل والخرافة وتأثير خطابات المؤامرة والغيبيات على العقول.

أشخاص متعلمون ينشرون كل ما يتوصلون به دون تدقيق في المصادر والمحتوى... ميل شبه فطري لتصديق كل نظريات المؤامرة الممكنة (الأميركيون يموتون بالفيروس، والصينيون، والبريطانيون، والكوريون والكنديون... فهل هي مؤامرة من كوكب زحل؟).

الكثير حولنا تعاملوا مع هذا الوضع باستهتار واستخفاف مضر لصحتهم وصحة الغير

ثم، وهذا الأفظع، نكتشف مرة أخرى أننا بنينا للجهل وأسسنا للخرافة في مجتمعنا، دون أن نؤسس للعقل والعلم. ها نحن نواجه فيروسا خطيرا قد يقتل أشخاصا قريبين منا... فيروس مات بسببه اليوم آلاف الأشخاص في مدة قصيرة... ونكتشف معه أننا عاجزون عن مواجهته بالعلم. بل أن بنياتنا الصحية الاستشفائية غير كافية.

تنقصنا المدارس والمستشفيات والأطر الصحية والتفكير العلمي... في مواجهة فيروس لا يمكن مواجهته بالدعاء والصلاة (لا فرادى ولا جماعات) ولا يمكن مواجهته بالخرافة والدجل والتنجيم ونظريات المؤامرة.

يفترض، بعد تجاوز هذه الأزمة، أن نقف أمام الدرس الحقيقي لكورونا (وما سيأتي بعده من فيروسات خطيرة): ما لم نؤسس للعقل والعلم، ما لم ندعم البنيات التحتية في قطاع الصحة لضمان صحة مجانية جيدة لكل المواطنين، ما لم نضمن تعليما جيدا، فستهزمنا الفيروسات وسيهزمنا الجهل وستهزمنا الخرافة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

كورونا... الجهل والفيروس! 8720A62B-88C1-43EE-8FF1-715B410735D9.jpg AFP كورونا-الجهل-والفيروس الباحثة المغربية سناء العاجي 540977 إيران يصلون خارج مقام فاطمة بنت موسى الكاظم بعد إغلاقه من قبل السلطات لمواجهة انتشار فيروس كورونا 2020-03-19 13:47:31 1 2020-03-19 13:49:31 0