Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

نساء يحضرن الكسكس
نساء من تيزي وزو يحضّرن الكسكسي احتفالا بـ"الناير"

"حنين"..

زاوية يكتبها رابح فيلالي

ـــــــــــــــــــــ

"الناير" هو "رأس العام" كما كانت تسميه أمي دوما، وكانت تضيف إلى ذلك صفة "رأس العام نتاع العرب"، في إشارة إلى تمييزه عن رأس السنة الميلادية الذي يسبق الاحتفال بـ"الناير" بأيام قليلة.

هكذا عرفت هذه المناسبة طفلا صغيرا يركض في أزقة تلك القرية البعيدة في الخريطة كما يظهرها غوغل الآن بعد طفرة الإنترنت في حياتنا.

 بالنسبة لجيل أمي في تلك المرحلة من التاريخ، كان المركز في تفكيرهم هو محاولة التميز عن كل ما له علاقة بثقافة المحتل الفرنسي لبلدي، الذي استمر هناك لأكثر من قرن وثلاثين عاما من الزمن. لكن، الأكثر أهمية من الإصرار على التسمية المتميزة للمناسبة كان تلك الطقوس التي تميزها وكيفية الاحتفال بها، وهي الصور التي ما زالت تقيم في قلبي حتى الآن، بل وأحيانا إني أشم رائحة ذلك الطعام الذي تعده أمي والنساء الجارات للمناسبة.

مسكينة أمي وجيلها، كل شيء في ثقافتهن كان يجب أن يفصل عن كل ما هو "قاوري"، في إشارة إلى ذلك المحتل الذي مر من هناك

​​

كانت أمي تحضر موقد النار الطيني "الكانون" وأوانيها الطينية كلها للمناسبة، وتحرص كل الحرص، وقبل شهور عدة، أن تحدد بين دجاجاتها “السردوك" (الديك الرومي) المخصص للذبيحة في هذه المناسبة، كما تحرص على أن يكون الديك أيضا عربيا، حيث تقول عن ذلك الدجاج "جاج عرب".

مسكينة أمي وجيلها، كل شيء في ثقافتهن كان يجب أن يفصل عن كل ما هو "قاوري"، في إشارة إلى ذلك المحتل الذي مر من هناك: الأواني الطينية وموقد النار الذي يجمع له الحطب من الغابة المجاورة، وحتى هذا الحطب يقضي فيه التقليد أن يجمع في فصل الصيف ويركن في مكان آمن يسمى "الحالة"، وهو مكان تضع فيه نساء القرية -كل واحدة منهن في المساحة المخصصة لها- ما تيسر لها من حطب لمواقد موسم الشتاء الطويل في القرية.

 في قريتنا "الصفصافة" عادة ما يصادف "الناير" مواسم الثلج الطويلة، ولذلك تحرص النساء على تحضير وجبة النهار من الطعام والتي عادة ما تكون من "الغرايف"، التي تعرف في أجزاء أخرى من الجزائر بـ"البغرير" أو "القرصة"، ويضاف إليها وجبة دسمة تتشكل من حبات الدرة والقمح والفول، وتقدم مصحوبة بزيت الزيتون.

 في "الناير" أيضا يتبادل سكان القرية، في وقت يسبق صلاة المغرب بقليل، الطعام بينهم، إذ تحرص كل عائلة على تخصيص نصيب من طبقها المعدّ للمناسبة للعائلة المجاورة لها، وفي هذا السلوك حكمة أبعد من ذلك بكثير تتمثل في الحرص على مشاعر العائلات التي لم تحضر وجبة "السردوك" الخاصة بالمناسبة لعوزها أو قلة حيلتها.

 تلك الوجبة التي كانت أمي وجاراتها تحضرن لها في الصيف "بالفتيلة"، وهي إعداد الكسكسي للمناسبة والذي عادة ما يكون من طحين الشعير وليس القمح.

 بعد كل ذلك تحرص أمي وجاراتها على إلباسنا نحن الأطفال "القشابية" المناسبة لأعمارنا ولأجسامنا تهيئة لنا لجولة بين بيوت القرية، وتهنئة نسائها ورجالها بالعام الجديد.

 هذا هو "الناير" كما عرفته عن أمي.. فكل "ناير" وأنتم جميعا بألف خير وصحة ومحبة وسلام وللحديث بقية.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة