Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مقاتل سوري من القوات المدعومة من تركيا خلال مناورة عسكرية في ريف حلب
مقاتل سوري من القوات المدعومة من تركيا خلال مناورة عسكرية في ريف حلب

حازم الأمين/

 المهمة التي أوكلتها واشنطن لأنقرة، والمتمثلة بمتابعة ما تبقى من الحرب على "داعش" وعلى الإرهاب في سوريا بعد الانسحاب الأميركي، تبعث فعلا على الحيرة! هل تؤمن واشنطن فعلا بأن أنقرة يمكن أن تتولى هذه المهمة؟ حزمة مؤشرات هائلة كلها تذهب في اتجاه أن رجب طيب أردوغان مثل خلال صعود التنظيم الإرهابي في سوريا ما مثله برويز مشرف في باكستان خلال انقضاض حركة طالبان على أفغانستان في أواسط العقد التاسع من القرن المنصرم.

ابتسامة رجل الأمن التركي في مطار إسطنبول حين كان يختم جوازات سفر "المجاهدين" القادمين من أنحاء العالم إلى سوريا عبر تركيا، هي نفسها ابتسامة رجل الأمن الباكستاني في مطار اسلام آباد حين كان يستقبل أبناء الجيل الأول من المجاهدين. فلنراجع حكايات هؤلاء عن أنفسهم. الواقعة تكررت، ومضافات "القاعدة" في بيشاور يوازيها مضافات "داعش" و"النصرة" في مدن غازي عنتاب وأعزاز وأنطاكيا وغيرها، مع تقدير الفروق الزمنية وبعض الخفر التركي.

لا بد من إعادة نظر غربية بطبيعة أنظمة سياسية من نوع الأنظمة الحليفة في أنقرة وفي إسلام آباد وفي الرياض وفي غيرها من العواصم التي شكلت مصانع "مجاهدين"

​​ثم أن الشرط السياسي لإيكال واشنطن المهمة لأنقرة أكثر وضوحا من ذلك الشرط الواهي الذي تولت بموجبه اسلام آباد مهمة "الشراكة" في الحرب على الإرهاب في أعقاب فاجعة 11 أيلول/سبتمبر، ذاك أن حكومة اسلام آباد راوغت واشنطن على قاعدة حسابات محلية، وتمكنت طالبان في حينها من اختراق نظام فساد كان يرعاه برويز مشرف، أما في الحالة التركية، فـ"الشراكة" محكومة بالفشل لأسباب أيديولوجية أولا، فدونالد ترامب أوكل للإخوان المسلمين مهمة محاربة "داعش" و"النصرة"، ثم أن العامل القومي حاسم في الوضع التركي، إذ أن الشأن الكردي يتقدم في الوعي التركي على أي شأن آخر في سوريا. وفي هذا السياق يبدو "داعش" حليفا "موضوعيا" لأنقرة. وإذا كان المرء لا يعول على مقولة حزب العمال الكردستاني عن الظلامة الكردية في تركيا وفي سوريا، إلا أن ذلك لا يعني على الإطلاق تعاميه عن وجود ظلامة كبرى، وربما كان "بي كي كي" أسوأ تعبير عنها.

لا بد من إعادة نظر غربية بطبيعة أنظمة سياسية من نوع الأنظمة الحليفة في أنقرة وفي إسلام آباد وفي الرياض وفي غيرها من العواصم التي شكلت مصانع "مجاهدين". استهداف "داعش" عرسا أو مسجدا أو دورية جيش في تركيا لا يعني انفضاضا للعلاقة "الموضوعية" بين أنقرة و"داعش". تماما كما أن تولي الجيش الباكستاني تدمير "المسجد الأحمر" على من فيه في إسلام آباد لا يعني أن الحرب الباكستانية على الإرهاب قد بدأت. عشرات الأمثلة تؤكد ذلك وواشنطن تعرف قبل غيرها ما لا يحصى من الحقائق التي تدفع إلى الريبة من هذه الأنظمة.

يبدو الانسحاب الأميركي هدية كبرى لأنقرة، لكن أيضا لطهران وموسكو وغيرها من قوى الشر

​​ثم أن المقولة الرسمية الأميركية حول الانسحاب من سوريا وتولي دول المنطقة متابعة مهمة "الحرب على الإرهاب"، تنطوي على إغفال لحقيقة أن العالم كله لم يعد في منأى عن الإرهاب، وأن "داعش" هو ابن العالم، تماما مثلما هو ابن أنقرة وطهران والرياض، وترك مهمة محاربته لأنظمة مراوغة سيعيد حتما عقارب الساعة إلى الوراء وسيستيقظ التنظيم في باريس ولندن وبرلين، وسيعبر المحيط مجددا.

الترحيب التركي بالخطوة الأميركية سرعان ما تحول إلى استعداد لحرب على الأكراد. وظيفة الشريط الحدودي الذي تزمع أنقرة على انشائه داخل الأراضي السورية لا يمت بأي صلة لما تعتقد واشنطن بأنه "حرب على الإرهاب".

بقايا "داعش" بعيدة كل البعد عن هذه المناطق، والمدن والبلدات التي سيضمها الشريط جرى فيها دحر التنظيم. وإذا كان من مساحة تقتضي الحرب على الإرهاب تعقب "داعش" فيها، فهي تلك التي سيتيح الانسحاب الأميركي لطهران أن تلعب فيها؛ الحدود السورية العراقية، والصحراء الممتدة إلى الحدود مع الأردن. "داعش" هناك الآن، وتركيا تفاوض طهران وموسكو على تقاسم النفوذ، وغير معنية بما تقول واشنطن إنه مهمتها الرئيسة في الإقليم هذه الأيام، أي إحكام الحصار على إيران.

كل هذا يجعل من محاولة فهم الخطوة الأميركية مهمة صعبة بالفعل. ففي ظل هذا المشهد يبدو الانسحاب الأميركي هدية كبرى لأنقرة، لكن أيضا لطهران وموسكو وغيرها من قوى الشر. لكن الخوف كل الخوف هو أن يكون هذا الانسحاب هدية لـ"داعش" أيضا، ذاك أن التنظيم الإرهابي لم يكن يوما بعيدا عن حسابات هذه الأنظمة المراوغة. فلنعد خطوة إلى الوراء ولنتأمل كيف تقاطعت مصالح هذه الأنظمة على نحو لا يقبل الشك عند مشهد تدفق التنظيم على البلاد والعباد.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

538767 4

د. ابتهال الخطيب

لطالما كنت مأخوذة بالمعنى الوجودي لجنسنا، لهذه الحياة، للأرض وللكون، هذا الهيام بهذه المعاني الهلامية الفلسفية جعل لدي شغفا بأفلام الخيال العلمي، خصوصا تلك التي تتعامل مع وتفلسف طبيعتنا كبشر.

أتذكر منها "باتل ستار جالاكتيكا" و"هيومانز" والذين يتعاملان مع معنى أن تكون إنسانا، هل هو تكوينك البيولوجي أم هو الوعي والشعور؟ بمعنى، إذا كنت تستشعر الألم، ولو بسبب توصيلات كهربائية وإلكترونية، إذا كان لديك وعي وقدرة على التفكير وصنع القرار، ولو بسبب برمجة كمبيوترية، هل يجعلك هذا إنسانا كاملا بالمعنى الفلسفي أم أن الشعور والوعي الإلكترونيين لا يدخلان "الكائن" في خانة الإنسانية؟ وما نحن في النهاية؟ ألسنا برمجة بيولوجية كذلك، مجموعة من الموصلات العصبية ونخبة من البرمجات المجتمعية؟ حقيقة، أكاد لا أرى الفرق.

وفرت لي فترة الحجر المنزلي التي ألتزم بها بقدسية أوقات لم تكن متوفرة سابقا ليس فقط للتفكر في طبيعتنا البشرية، ولكن كذلك في مراقبتها. أطالع بشغف ما يكتب الناس على تويتر وإنستغرام، الكثير من العنصرية والتطرف الناجمين عن الخوف، ولكن كذلك الكثير من الحب ومحاولات التعاضد والمواساة الجمعيين.

الكثير من الجوانب الطريفة اكتشفتها في حيواتنا

تبدت كذلك بعض الصفات الطريفة في بعض الشعوب بصورة جمعية. في مصر مثلا، الإثقال بالهموم والمعاناة اليومية صنع حالة من اللامبالاة الكوميدية على اعتبار أن كورونا ليست أسوأ ما أصاب هذا الشعب الصابر. في بريطانيا بعض الساسة يروجون لمفهوم "وقوع البلاء ولا انتظاره" دفعا بأن تنتشر الإصابة ومعها المناعة وننتهي من الموضوع برمته. في الصين هناك حالة من مواجهة حقيقة "عدم النظافة" المنتشرة مما دفع بمحاولة تعقيم جمعية عامة وكأن البلد كله تم وضعه في الغسالة. في الكويت هناك حالة من مديح الذات المستمر وشعور بالفخر الشديد، وهما وإن كانا مفهومين من حيث أنهما رد فعل متوقع تجاه إجراءات الحكومة الممتازة، إلا أنهما يوحيان كذلك بالشعور الكويتي المستمر بالاتهام بالكسل والدلال، ويعززان نرجسية طريفة مردها لذات الدلال الذي نحاول دفعا التخلص من تهمته.

إلا أن أكثر مراقبتي انصبت على نفسي وبيتي والأولاد والعاملتين اللتين هما جزء لا يتجزأ من العائلة. الكثير من الجوانب الطريفة اكتشفتها في حيواتنا. اكتشفت مثلا أنني أحب البقاء في البيت وأستمتع بساعات اليوم التي أستطيع أن أملأها بما حرمتني منه الحياة السريعة سابقا، وأكثر ما عرفته عن نفسي هو أنني أحب عمل "الكنافا" وحياكة الرسومات بالخيط والإبرة، حالة من الهدوء والتنفيس وشيء ما من التأمل توفره لي هذه الهواية الطريفة.

اكتشفت أنني أعشق الألوان على الأقمشة، فتجدني بعد أن أنتهي من خياطة جزء ما، أمسح عليه بأصابعي، مستمتعة بتراص الخيوط ألوانا وأشكالا وبملمس قماشها على أطراف أصابعي.

انتبهت كذلك لعمق العلاقة الخاصة جدا بين صغيرتي ووالدها، والتي لطالما كتبت عنها هنا لقراء الحرة، ولكن شيئا ما أعمق تبين لي في تفاهمهما غير المعلن. يشاهدان يوميان معا نفس البرامج، يجوعان في ذات الوقت، يصمتان في ذات الوقت، حالة من الود والصفاء والاتفاق التامين، منزعجة أنا وأشعر بالعزلة عنهما نعم، ولكنني مبهورة فعلا بالحالة المشرقة الصافية تلك.

اكتشفت كذلك أن شغف ابني البكر بالقراءة أكبر مما كنت أعرفه عنه وأنه ملتزم بشكل صارم بكل ما يستشعره من مسؤولياته، إلا أن أطرف ما لاحظته عنه أنه يعاملنا أنا ووالده وأختيه على أننا "مسؤولين منه" ونحتاج لرعايته. ظهر لي عن الوسطى الجميلة، الوحيدة التي لا تزال تذهب لمقر عملها بحكم طلب جهته، هوسها بتنظيف محيطها، تنظف وترتب دولابها بشكل يومي، تحاسب نفسها بقسوة حتى ولكأني بها تعتقد أن لها دورا في تفشي فيروس كورونا؛ كم هي لطيفة ومثالية ومبدئية، كم ستصدمها الحياة وتوجعها مبادئها التي تحملها على صدرها بفخر وإصرار.

صفية، مدبرة منزلنا ورفيقة العمر، بدت أبطأ في حركتها، كان للعمر دور لم ألحظه سابقا في تصعيب بعض المهام عليها. يكفيني وجودها وإن لم تفعل شيئا. أما جوري، آخر المنضمين لأسرتنا الصغيرة، فهي غارقة في حب لها في الفليبين، لاحظت هذه الأيام توقها وسهرها لتختلي بقلبها الذي تركته هناك. كم هي الحياة ظالمة.

وفرت لي فترة الحجر المنزلي التي ألتزم بها بقدسية أوقات لم تكن متوفرة سابقا

زوجي، تكفي الحكايات السابقة عنه، عرفه قراء مقالاتي عن ظهر قلب الآن. في العموم هذه فترة موجعة وطريفة وغريبة لاكتشاف الذات وإعادة تقييم العلاقات. كشفت هذه النكبة البشرية عن الكثير من الشر والخير والطرافة والحب والتعاضد والنرجسية والاندفاع والتهور والخوف والحرص وكل هذه الأشياء المتناقضة مجموعة داخل كل شخص فينا. كشفتنا الأزمة لأنفسنا وسمحت لنا بأخذ فترة نقاهة من تسارع الحياة بأن أبطأتها، موفرة لنا فرصة تأملها وهي تمر متأرجحة مترنحة على قضبان الخوف والعزلة.

شخصيا، سأقضي هذه الأيام ملتزمة بقاعدة التباعد الاجتماعي الحيوية جدا، سأعيد التفكير بأولوياتي، سأراقب أحبتي عن قرب، هذه فرصة تقصير مسافات ذهبية، لربما لن تتكرر في حياتي مجددا.

أطرف ما فعلته أنني غضبت من الأولاد يوم أمس لتخريبهم ترتيب مكتبي فنفحت متعصبة: "هل هي ضد عقيدتكم أن تكونوا مرتبين؟" ثم ركضت إلى غرفتي لأضحك من نفسي خفية هناك. وأنتم، كيف تقضون أيامكم؟ ما أطرف ما فعلتم في الحجر المنزلي إلى اليوم؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

قضبان الخوف والعزلة A45FA121-3B15-464C-B6C2-5D6D493997FC.jpg AFP قضبان-الخوف-والعزلة 540926 صاحب محل تجاري في البرازيل "يبتكر" كمامة خاصة به 2020-03-18 09:58:45 1 2020-03-18 09:58:45 0