Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الحجاب
الحجاب

منصور الحاج/

من الفترات المزعجة من سنين مراهقتي تلك الفترة التي تحولت فيها من مراهق عادي "يأكل الطعام ويمشي في الأسواق" ويعيش حياته كغيره من المراهقين إلى سلفي متشدد يحرص على تغيير واقع أمته على الطريقة "الوهابية" من خلال فرض مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن والمنكر.

وكان من أول القرارات التي اتخذتها بعد دخولي إلى نفق التشدد أن استبدلت أشرطة الكاسيت الغنائية بأناشيد ومحاضرات إسلامية ثم منعت الاستماع إلى الموسيقى في المنزل وأجبرت شقيقتي على ارتداء النقاب أي تغطية وجهها كاملا بحكم أن ذلك هو حكم الشرع ومنحت نفسي ـ نسبة لكوني الأخ الأكبر ـ سلطة تطبيق أوامر الله في بيتنا.

إن المناداة بتخصيص يوم عالمي للحجاب وإن كانت تستند إلى بعض المبررات المعقولة، إلا أن مخاطرها وآثارها السلبية أكبر من المنافع المتوخاة منها

​​تذكرت تلك المرحلة المزعجة من حياتي وأنا أتابع الحملة التي دشنتها منظمات وجمعيات ومراكز دينية إسلامية في أكثر من 20 دولة لجعل أول يوم في شهر شباط/فبراير من كل عام يوما عالميا للحجاب يشجعن فيه غير المحجبات على ارتداء الحجاب كبادرة رمزية تهدف إلى التأكيد على حق النساء في ارتداء الحجاب وللتنديد بالتصرفات والأحداث العنصرية التي يتعرضن لها في المجتمعات الغربية.

وعلى الرغم من تجسيد الحجاب لكل أوجه التسلط الذكوري والتخلف المجتمعي والظلم، إلا أن منظمات حقوق الإنسان وجدت نفسها مجبرة على تأييد حق النساء في ارتدائه دون اعتبار لمعاناة الملايين اللواتي يجبرن على ارتدائه واللواتي يعنفن بل ويتعرضن للقتل بسبب رفضهن ارتدائه، في تجاهل تام لأجندات المنظمات الإسلامية التي تحرص على الترويج للحجاب على أنه حق وحرية شخصية؛ وهو فعلا كذلك في الحالات التي تملك فيها الإناث الحق في الاختيار بعيدا عن النصوص الدينية التي تتوعد "الكاسيات العاريات" وتسلط العائلة والمجتمع لكنها في الحقيقة تسعى إلى تحجيم دور المرأة وحقها في الاختيار.

لست هنا لأنفي تعرض الكثير من المسلمين والمسلمات لاعتداءات عنصرية بسبب ديانتهم أو طريقة لبسهم، شملت حتى بعض الهنود من طائفة السيخ لتشابه زيهم التقليدي مع المسلمين؛ إلا أن القوانين في الدول الغربية تتصدى بقوة لجرائم الكراهية وتنصف المؤسسات العدلية أولئك الذين تعرضوا للتمييز بسبب ديانتهم أو لارتدائهم للحجاب، الأمر الذي يجعل تخصيص يوم عالمي للحجاب فكرة سخيفة خاصة وأن هناك ملايين النساء في الدول الإسلامية والعربية كالسعودية وإيران يجبرن على ارتدائه ويعاقبن إن لم يفعلن.

إن من الأولى أن تنتصر تلك المنظمات التي تدعي الحرص على حق المرأة في ارتداء الحجاب لملايين النسوة اللواتي لا يملكن الحق في الخروج بدون حجاب، ودعم الحملة التي تقودها الناشطة ياسمين محمد، وهي كندية من أصول مصرية وتهدف لتخصيص يوم عالمي بدون حجاب تتضامن فيه المحجبات اللواتي اخترن الحجاب عن قناعة وإرادة حرة مع بنات جنسهن اللواتي لا يملكن الحق على خلعه وقد يفقدن حياتهن إن قررن ذلك.

فعلى سبيل المثال، في كانون الأول/ديسمبر 2007، قتلت المراهقة أقصى برويز (16 عاما) خنقا على أيدي شقيقها ووالدها في مقاطعة أونتاريو الكندية بسبب إعلانها رغبتها عدم ارتداء الحجاب. في حزيران/يونيو 2103، قتلت مراهقة مصرية تدعى أميرة نفسها بعد تعرضها للعنف على يدي والدها بسبب رفضها ارتداء الحجاب. في آذار/مارس 2017، أقدمت أم في مدينة بولونيا الإيطالية على قص شعر ابنتها البالغة من العمر 14 عاما بعد علمها أن ابنتها تكشف شعرها بمجرد خروجها من المنزل.

هذه فقط ثلاثة أمثلة من آلاف الحوادث المؤسفة التي تابعتها وسائل الإعلام العالمية، أما حالات القمع والاضطهاد المسكوت عنها فهي أكثر من أن تعد وتحصى، وتنتشر في العديد من دول العالم وليس فقط الدول العربية والإسلامية، كما هو ملاحظ من مأساة أقصى برويز في كندا وقصة المراهقة الإيطالية؛ إذ نقل بعض المسلمين ثقافة الإكراه والتسلط معهم إلى الدول التي لجأوا إليهم هربا من القمع والاضطهاد، وبدلا من الاستفادة من الثقافة التربوية في الدول المضيفة نظروا إليها بازدراء ولم يكتفوا فقط بالتمسك ببعض العادات والتقاليد والسلوكيات المتخلفة بل أردوا إجبار أطفالهم عليها.

إن المناداة بتخصيص يوم عالمي للحجاب وإن كانت تستند إلى بعض المبررات المعقولة، إلا أن مخاطرها وآثارها السلبية أكبر من المنافع المتوخاة منها. فأعداد من يتعرضن للتمييز بسبب ارتداء الحجاب أقل بكثير أولئك اللواتي يجبرن على ارتدائه منذ نعومة أظافرهن وحتى الممات.

إن النساء في الدول الغربية لسن بحاجة إلى ارتداء الحجاب لتأييد حق المحجاب في ارتدائه، بل إن كثير من النسويات يعارضن الحجاب ويرونه تكريس للنظرة الدونية للمرأة، إلا أنهن في الوقت نفسه يدافعن عن المحجبات وعن حقهن في عدم التعرض للتمييز والعنصرية بسببه.

أعداد من يتعرضن للتمييز بسبب ارتداء الحجاب أقل بكثير أولئك اللواتي يجبرن على ارتدائه منذ نعومة أظافرهن وحتى الممات

​​وبمتابعة الحملتين على موقع "تويتر" عبر الأوسمة المخصصة لكل حملة كـ "حريتي في حجابي" و"التحرر من الحجاب" و"يوم بلا حجاب" و"يوم عالمي للحجاب" نرى بوضوح أن قصص اللواتي قررن خلع الحجاب بعد أن تحررن من قيود الأسرة والمجتمع عبر الهروب أو الهجرة أكثر إلهاما وتجعل من تخصيص يوم عالمي تحتفل فيه من تحررن من أغلال الحجاب المفروض عليهن أمرا ملحا.

اقرأ للكاتب أيضا: 'تسقط تسقط تسقط بس'

وبالنظر إلى عشرات الصور التي نشرنها محجبات سابقات في وسم "التحرر من الحجاب" ومئات التغريدات لمؤيدات للحملة لكنهن يخشين على أنفسهن من التعرض لسوء إن هن نشرن صورهن بلا حجاب ندرك بلا أدنى شك مدى عبثية الحملة المطالبة بتخصيص يوم عالمي للحجاب في الوقت الذي تفرض فيه الأنظمة الدكتاتورية والجماعات الجهادية الحجاب على النساء وتعطي الذكور سلطة فرضه على ذويهم بالقوة.

تقول منظمة حملة "يوم بلا حجاب" إن حملتها لا تهدف إلى معاداة المسلمين بأي شكل من الأشكال، وإنما هي حملة للتضامن مع النساء اللواتي ينشدن الحرية. وأنا أضيف إلى قولها إن أعداء الحرية فقط هم يعارضون منح النساء الحق في ارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه.. فاختر أن تكون من أنصار الحرية تربت يداك.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

538767 4

د. ابتهال الخطيب

لطالما كنت مأخوذة بالمعنى الوجودي لجنسنا، لهذه الحياة، للأرض وللكون، هذا الهيام بهذه المعاني الهلامية الفلسفية جعل لدي شغفا بأفلام الخيال العلمي، خصوصا تلك التي تتعامل مع وتفلسف طبيعتنا كبشر.

أتذكر منها "باتل ستار جالاكتيكا" و"هيومانز" والذين يتعاملان مع معنى أن تكون إنسانا، هل هو تكوينك البيولوجي أم هو الوعي والشعور؟ بمعنى، إذا كنت تستشعر الألم، ولو بسبب توصيلات كهربائية وإلكترونية، إذا كان لديك وعي وقدرة على التفكير وصنع القرار، ولو بسبب برمجة كمبيوترية، هل يجعلك هذا إنسانا كاملا بالمعنى الفلسفي أم أن الشعور والوعي الإلكترونيين لا يدخلان "الكائن" في خانة الإنسانية؟ وما نحن في النهاية؟ ألسنا برمجة بيولوجية كذلك، مجموعة من الموصلات العصبية ونخبة من البرمجات المجتمعية؟ حقيقة، أكاد لا أرى الفرق.

وفرت لي فترة الحجر المنزلي التي ألتزم بها بقدسية أوقات لم تكن متوفرة سابقا ليس فقط للتفكر في طبيعتنا البشرية، ولكن كذلك في مراقبتها. أطالع بشغف ما يكتب الناس على تويتر وإنستغرام، الكثير من العنصرية والتطرف الناجمين عن الخوف، ولكن كذلك الكثير من الحب ومحاولات التعاضد والمواساة الجمعيين.

الكثير من الجوانب الطريفة اكتشفتها في حيواتنا

تبدت كذلك بعض الصفات الطريفة في بعض الشعوب بصورة جمعية. في مصر مثلا، الإثقال بالهموم والمعاناة اليومية صنع حالة من اللامبالاة الكوميدية على اعتبار أن كورونا ليست أسوأ ما أصاب هذا الشعب الصابر. في بريطانيا بعض الساسة يروجون لمفهوم "وقوع البلاء ولا انتظاره" دفعا بأن تنتشر الإصابة ومعها المناعة وننتهي من الموضوع برمته. في الصين هناك حالة من مواجهة حقيقة "عدم النظافة" المنتشرة مما دفع بمحاولة تعقيم جمعية عامة وكأن البلد كله تم وضعه في الغسالة. في الكويت هناك حالة من مديح الذات المستمر وشعور بالفخر الشديد، وهما وإن كانا مفهومين من حيث أنهما رد فعل متوقع تجاه إجراءات الحكومة الممتازة، إلا أنهما يوحيان كذلك بالشعور الكويتي المستمر بالاتهام بالكسل والدلال، ويعززان نرجسية طريفة مردها لذات الدلال الذي نحاول دفعا التخلص من تهمته.

إلا أن أكثر مراقبتي انصبت على نفسي وبيتي والأولاد والعاملتين اللتين هما جزء لا يتجزأ من العائلة. الكثير من الجوانب الطريفة اكتشفتها في حيواتنا. اكتشفت مثلا أنني أحب البقاء في البيت وأستمتع بساعات اليوم التي أستطيع أن أملأها بما حرمتني منه الحياة السريعة سابقا، وأكثر ما عرفته عن نفسي هو أنني أحب عمل "الكنافا" وحياكة الرسومات بالخيط والإبرة، حالة من الهدوء والتنفيس وشيء ما من التأمل توفره لي هذه الهواية الطريفة.

اكتشفت أنني أعشق الألوان على الأقمشة، فتجدني بعد أن أنتهي من خياطة جزء ما، أمسح عليه بأصابعي، مستمتعة بتراص الخيوط ألوانا وأشكالا وبملمس قماشها على أطراف أصابعي.

انتبهت كذلك لعمق العلاقة الخاصة جدا بين صغيرتي ووالدها، والتي لطالما كتبت عنها هنا لقراء الحرة، ولكن شيئا ما أعمق تبين لي في تفاهمهما غير المعلن. يشاهدان يوميان معا نفس البرامج، يجوعان في ذات الوقت، يصمتان في ذات الوقت، حالة من الود والصفاء والاتفاق التامين، منزعجة أنا وأشعر بالعزلة عنهما نعم، ولكنني مبهورة فعلا بالحالة المشرقة الصافية تلك.

اكتشفت كذلك أن شغف ابني البكر بالقراءة أكبر مما كنت أعرفه عنه وأنه ملتزم بشكل صارم بكل ما يستشعره من مسؤولياته، إلا أن أطرف ما لاحظته عنه أنه يعاملنا أنا ووالده وأختيه على أننا "مسؤولين منه" ونحتاج لرعايته. ظهر لي عن الوسطى الجميلة، الوحيدة التي لا تزال تذهب لمقر عملها بحكم طلب جهته، هوسها بتنظيف محيطها، تنظف وترتب دولابها بشكل يومي، تحاسب نفسها بقسوة حتى ولكأني بها تعتقد أن لها دورا في تفشي فيروس كورونا؛ كم هي لطيفة ومثالية ومبدئية، كم ستصدمها الحياة وتوجعها مبادئها التي تحملها على صدرها بفخر وإصرار.

صفية، مدبرة منزلنا ورفيقة العمر، بدت أبطأ في حركتها، كان للعمر دور لم ألحظه سابقا في تصعيب بعض المهام عليها. يكفيني وجودها وإن لم تفعل شيئا. أما جوري، آخر المنضمين لأسرتنا الصغيرة، فهي غارقة في حب لها في الفليبين، لاحظت هذه الأيام توقها وسهرها لتختلي بقلبها الذي تركته هناك. كم هي الحياة ظالمة.

وفرت لي فترة الحجر المنزلي التي ألتزم بها بقدسية أوقات لم تكن متوفرة سابقا

زوجي، تكفي الحكايات السابقة عنه، عرفه قراء مقالاتي عن ظهر قلب الآن. في العموم هذه فترة موجعة وطريفة وغريبة لاكتشاف الذات وإعادة تقييم العلاقات. كشفت هذه النكبة البشرية عن الكثير من الشر والخير والطرافة والحب والتعاضد والنرجسية والاندفاع والتهور والخوف والحرص وكل هذه الأشياء المتناقضة مجموعة داخل كل شخص فينا. كشفتنا الأزمة لأنفسنا وسمحت لنا بأخذ فترة نقاهة من تسارع الحياة بأن أبطأتها، موفرة لنا فرصة تأملها وهي تمر متأرجحة مترنحة على قضبان الخوف والعزلة.

شخصيا، سأقضي هذه الأيام ملتزمة بقاعدة التباعد الاجتماعي الحيوية جدا، سأعيد التفكير بأولوياتي، سأراقب أحبتي عن قرب، هذه فرصة تقصير مسافات ذهبية، لربما لن تتكرر في حياتي مجددا.

أطرف ما فعلته أنني غضبت من الأولاد يوم أمس لتخريبهم ترتيب مكتبي فنفحت متعصبة: "هل هي ضد عقيدتكم أن تكونوا مرتبين؟" ثم ركضت إلى غرفتي لأضحك من نفسي خفية هناك. وأنتم، كيف تقضون أيامكم؟ ما أطرف ما فعلتم في الحجر المنزلي إلى اليوم؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

قضبان الخوف والعزلة A45FA121-3B15-464C-B6C2-5D6D493997FC.jpg AFP قضبان-الخوف-والعزلة 540926 صاحب محل تجاري في البرازيل "يبتكر" كمامة خاصة به 2020-03-18 09:58:45 1 2020-03-18 09:58:45 0