Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تظاهرة لأساتذة وطلاب جزائريين رفضا لتمديد ولاية بوتفليقة
تظاهرة لأساتذة وطلاب جزائريين رفضا لتمديد ولاية بوتفليقة

جويس كرم/

القرار الصادر الإثنين 11 من آذار/مارس 2019 بعزوف عبد العزيز بوتفليقة عن الترشح لولاية خامسة هو لحظة استثنائية في تاريخ الجزائر الحديث ومرحلة ما بعد الاستقلال. استثنائية اللحظة قد تترجم إيجابيا في حال تحولت منعطفا نحو مرحلة انتقالية حقيقية أو سلبيا في حال كانت خدعة من النظام لشراء الوقت وهو ما سيوصل إلى هزات وموجة من عدم الاستقرار.

قرار بوتفليقة، أو الدائرة المحيطة به، أي الجيش ورجال الأعمال والمستشارين، وهي النخبة المعروفة بـ "لو بوفوار" (السلطة)، ليس مفاجئا إنما ليس بالبسيط أو الهامشي أيضا. فأمام ضغط الشارع، واضرابات نقابات العمال، وصوت القضاء، وحيادية الجيش، كان على النظام ملاقاة المتظاهرين إن لم يكن لتنفيس الاحتقان السياسي، فلتفادي أزمة وانهيار اقتصادي على وقع الاضرابات واستمرار انخفاض مردودات النفط وارتفاع نسب الفساد.

طاولة الحوار قد تكون المدخل إلى جمهورية مدنية منفتحة تدشن عهد ما بعد بوتفليقة في حال أراد النظام

​​"لو بوفوار" وبوتفليقة والجيش استوعبوا الأزمة وتحركوا بذكاء ومرونة افتقدتها ساحات أخرى من الربيع العربي مثل سوريا واليمن وليبيا الغارقين بحروب ودمار وتفتت. فأمام قنص نظام الأسد للمتظاهرين، تبرز سلمية التحرك في الجزائر شعبا وجيشا. وأمام دخول موجات التسليح إلى ليبيا وخطف ثورتها من قبل تنظيمات إرهابية مثل داعش وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب، فإن تلاحم الجزائريين ومدنيتهم حصنت البلاد ضد يد الإرهاب في الأسابيع الأولى للحراك.

يمكن القول إن نموذج الجزائر يختلف عن باقي نماذج الربيع العربي، لأسباب ترتبط بطبيعة السياسة الجزائرية وعدم تطلع الحراك إلى "تغيير النظام" بل إلى ضبطه دستوريا وإصلاحه اقتصاديا وضمان رحيل رئيس غير قادر جسديا على حكم شعبه. والمخاوف من سيناريو ليبيا ومالي، وحيث أزمتاالمهاجرين والإرهاب تثيران القلق بين دول الجوار، تجعل من الربيع العربي يبدو وكأنه كابوس للجزائريين بدل من أن يكون نافذة للديمقراطية. في الوقت نفسه، لن يقبل رواد التظاهرات المليونية بوعود زائفة ومرحلة انتقالية تنتهي بالتمديد لبوتفليقة بدل خروجه من السلطة.

المرحلة المقبلة هي الأصعب والأكثر حساسية في الجزائر، وتضع استقرارها ومستقبلها السياسي على المحك. ففشل النظام و"لو بوفوار" في قيادة مرحلة انتقالية شفافة وتوفر قفزة نوعية للجمهورية الجزائرية أمنيا واقتصاديا وسياسيا، سيعني استمرار التظاهرات والتخبط المالي وقد يؤدي إلى هزات أمنية بسبب التهديدات الآتية من الجوار.

أي تغيير لا يتعاطى مع مشاكل الفساد، والقبضة البوليسية للنظام لن يسكت التظاهرات في الجزائر، وأي محاولة من بوتفليقة ومن حوله لإبقاء قبضتهم على أدوات السلطة بعد خروجه الموعود سيزيد من الأزمة. ففي دولة ثلثا مواطنيها من الشباب ونسب البطالة في صفوفهم تتخطى الثلاثين في المئة، ويقرر النظام عنهم اسم رئيسهم وشكل معارضتهم، تتخطى المشكلة اسم وعمر وشخصية بوتفليقة.

الخطوتان اللتان أعلن عنهما النظام بعد عزوف بوتفليقة عن الترشح، أي تعيين نور الدين بدوي رئيسا للوزراء والأخضر الإبراهيمي لقيادة الحوار الوطني، تحملان مؤشرات إيجابية. فالأول هو شخصية تكنوقراطية، ديناميكية، تفهم نبض الشارع أفضل من سلفه أحمد أويحيى. أما الإبراهيمي، فله حضور داخلي وإقليمي ودولي يساعد في تثبيت المرحلة الانتقالية وكان شارك قبلا في صياغة التعديلات الدستورية في الجزائر.

أي محاولة من بوتفليقة ومن حوله لإبقاء قبضتهم على أدوات السلطة بعد خروجه الموعود سيزيد من الأزمة

​​قد يهزأ البعض من الإبراهيمي بسبب تجربته في سوريا، إنما الفشل في سوريا أمام البراميل المتفجرة والسارين والمجازر والإرهاب، كان واقعا فرضه النظام المصرّ على الخيار العسكري. أما في الجزائر، موطنه وساحته السياسية وحيث لم يتم إطلاق رصاصة واحدة، ففرص النجاح أقوى أمام الإبراهيمي. كما أن أحزاب المعارضة الجزائرية لها تاريخ ودور ولو كان شكليا حتى الآن في الحياة السياسية.

الدور الفرنسي أيضا يوحي بالثقة في الجزائر، في مقابل تراجع الدور الأميركي مع خوفه على الاستقرار ووقوف الروسي (على الأقل علنا) على الحياد.

الجزائر بشعبها ونظامها وجيشها ومعارضتها أمام اختبار حاسم في الأسابيع المقبلة. طاولة الحوار قد تكون المدخل إلى جمهورية مدنية منفتحة تدشن عهد ما بعد بوتفليقة في حال أراد النظام، أو قد تتحول إلى نافذة نحو المجهول وعدم الاستقرار والهزات السياسية والاقتصادية في حال أخطأ النظام...

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538767 4

د. ابتهال الخطيب

لطالما كنت مأخوذة بالمعنى الوجودي لجنسنا، لهذه الحياة، للأرض وللكون، هذا الهيام بهذه المعاني الهلامية الفلسفية جعل لدي شغفا بأفلام الخيال العلمي، خصوصا تلك التي تتعامل مع وتفلسف طبيعتنا كبشر.

أتذكر منها "باتل ستار جالاكتيكا" و"هيومانز" والذين يتعاملان مع معنى أن تكون إنسانا، هل هو تكوينك البيولوجي أم هو الوعي والشعور؟ بمعنى، إذا كنت تستشعر الألم، ولو بسبب توصيلات كهربائية وإلكترونية، إذا كان لديك وعي وقدرة على التفكير وصنع القرار، ولو بسبب برمجة كمبيوترية، هل يجعلك هذا إنسانا كاملا بالمعنى الفلسفي أم أن الشعور والوعي الإلكترونيين لا يدخلان "الكائن" في خانة الإنسانية؟ وما نحن في النهاية؟ ألسنا برمجة بيولوجية كذلك، مجموعة من الموصلات العصبية ونخبة من البرمجات المجتمعية؟ حقيقة، أكاد لا أرى الفرق.

وفرت لي فترة الحجر المنزلي التي ألتزم بها بقدسية أوقات لم تكن متوفرة سابقا ليس فقط للتفكر في طبيعتنا البشرية، ولكن كذلك في مراقبتها. أطالع بشغف ما يكتب الناس على تويتر وإنستغرام، الكثير من العنصرية والتطرف الناجمين عن الخوف، ولكن كذلك الكثير من الحب ومحاولات التعاضد والمواساة الجمعيين.

الكثير من الجوانب الطريفة اكتشفتها في حيواتنا

تبدت كذلك بعض الصفات الطريفة في بعض الشعوب بصورة جمعية. في مصر مثلا، الإثقال بالهموم والمعاناة اليومية صنع حالة من اللامبالاة الكوميدية على اعتبار أن كورونا ليست أسوأ ما أصاب هذا الشعب الصابر. في بريطانيا بعض الساسة يروجون لمفهوم "وقوع البلاء ولا انتظاره" دفعا بأن تنتشر الإصابة ومعها المناعة وننتهي من الموضوع برمته. في الصين هناك حالة من مواجهة حقيقة "عدم النظافة" المنتشرة مما دفع بمحاولة تعقيم جمعية عامة وكأن البلد كله تم وضعه في الغسالة. في الكويت هناك حالة من مديح الذات المستمر وشعور بالفخر الشديد، وهما وإن كانا مفهومين من حيث أنهما رد فعل متوقع تجاه إجراءات الحكومة الممتازة، إلا أنهما يوحيان كذلك بالشعور الكويتي المستمر بالاتهام بالكسل والدلال، ويعززان نرجسية طريفة مردها لذات الدلال الذي نحاول دفعا التخلص من تهمته.

إلا أن أكثر مراقبتي انصبت على نفسي وبيتي والأولاد والعاملتين اللتين هما جزء لا يتجزأ من العائلة. الكثير من الجوانب الطريفة اكتشفتها في حيواتنا. اكتشفت مثلا أنني أحب البقاء في البيت وأستمتع بساعات اليوم التي أستطيع أن أملأها بما حرمتني منه الحياة السريعة سابقا، وأكثر ما عرفته عن نفسي هو أنني أحب عمل "الكنافا" وحياكة الرسومات بالخيط والإبرة، حالة من الهدوء والتنفيس وشيء ما من التأمل توفره لي هذه الهواية الطريفة.

اكتشفت أنني أعشق الألوان على الأقمشة، فتجدني بعد أن أنتهي من خياطة جزء ما، أمسح عليه بأصابعي، مستمتعة بتراص الخيوط ألوانا وأشكالا وبملمس قماشها على أطراف أصابعي.

انتبهت كذلك لعمق العلاقة الخاصة جدا بين صغيرتي ووالدها، والتي لطالما كتبت عنها هنا لقراء الحرة، ولكن شيئا ما أعمق تبين لي في تفاهمهما غير المعلن. يشاهدان يوميان معا نفس البرامج، يجوعان في ذات الوقت، يصمتان في ذات الوقت، حالة من الود والصفاء والاتفاق التامين، منزعجة أنا وأشعر بالعزلة عنهما نعم، ولكنني مبهورة فعلا بالحالة المشرقة الصافية تلك.

اكتشفت كذلك أن شغف ابني البكر بالقراءة أكبر مما كنت أعرفه عنه وأنه ملتزم بشكل صارم بكل ما يستشعره من مسؤولياته، إلا أن أطرف ما لاحظته عنه أنه يعاملنا أنا ووالده وأختيه على أننا "مسؤولين منه" ونحتاج لرعايته. ظهر لي عن الوسطى الجميلة، الوحيدة التي لا تزال تذهب لمقر عملها بحكم طلب جهته، هوسها بتنظيف محيطها، تنظف وترتب دولابها بشكل يومي، تحاسب نفسها بقسوة حتى ولكأني بها تعتقد أن لها دورا في تفشي فيروس كورونا؛ كم هي لطيفة ومثالية ومبدئية، كم ستصدمها الحياة وتوجعها مبادئها التي تحملها على صدرها بفخر وإصرار.

صفية، مدبرة منزلنا ورفيقة العمر، بدت أبطأ في حركتها، كان للعمر دور لم ألحظه سابقا في تصعيب بعض المهام عليها. يكفيني وجودها وإن لم تفعل شيئا. أما جوري، آخر المنضمين لأسرتنا الصغيرة، فهي غارقة في حب لها في الفليبين، لاحظت هذه الأيام توقها وسهرها لتختلي بقلبها الذي تركته هناك. كم هي الحياة ظالمة.

وفرت لي فترة الحجر المنزلي التي ألتزم بها بقدسية أوقات لم تكن متوفرة سابقا

زوجي، تكفي الحكايات السابقة عنه، عرفه قراء مقالاتي عن ظهر قلب الآن. في العموم هذه فترة موجعة وطريفة وغريبة لاكتشاف الذات وإعادة تقييم العلاقات. كشفت هذه النكبة البشرية عن الكثير من الشر والخير والطرافة والحب والتعاضد والنرجسية والاندفاع والتهور والخوف والحرص وكل هذه الأشياء المتناقضة مجموعة داخل كل شخص فينا. كشفتنا الأزمة لأنفسنا وسمحت لنا بأخذ فترة نقاهة من تسارع الحياة بأن أبطأتها، موفرة لنا فرصة تأملها وهي تمر متأرجحة مترنحة على قضبان الخوف والعزلة.

شخصيا، سأقضي هذه الأيام ملتزمة بقاعدة التباعد الاجتماعي الحيوية جدا، سأعيد التفكير بأولوياتي، سأراقب أحبتي عن قرب، هذه فرصة تقصير مسافات ذهبية، لربما لن تتكرر في حياتي مجددا.

أطرف ما فعلته أنني غضبت من الأولاد يوم أمس لتخريبهم ترتيب مكتبي فنفحت متعصبة: "هل هي ضد عقيدتكم أن تكونوا مرتبين؟" ثم ركضت إلى غرفتي لأضحك من نفسي خفية هناك. وأنتم، كيف تقضون أيامكم؟ ما أطرف ما فعلتم في الحجر المنزلي إلى اليوم؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

قضبان الخوف والعزلة A45FA121-3B15-464C-B6C2-5D6D493997FC.jpg AFP قضبان-الخوف-والعزلة 540926 صاحب محل تجاري في البرازيل "يبتكر" كمامة خاصة به 2020-03-18 09:58:45 1 2020-03-18 09:58:45 0