Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الثورة التونسية
الثورة التونسية شكلت حدثا تاريخيا

دارا عبدالله/

تسمية "الربيع العربي" العمومية، وانتقال عدواها من دولة عربية إلى أخرى، لا تصلح أن تكون دليلا دامغا في النقاش على التشابه بين الأنظمة والمجتمعات العربية. كما أن توصيف "الاستبداد"، وهو توصيف جامع فعلا، يصلح لوصف حال كل الأنظمة العربية، يكون أحيانا حاجبا للفروقات الجذرية بينها، ومدخلا للتهرب من التشريح التفريقي الدقيق بينها.

فرغم أن سوريا ومصر، تشاركتا "الربيع العربي" نفسه، وأناسها يعيشون تحت ظل نظامين توتاليتاريين، إلا أن النظام السوري في آلياته، والمجتمع السوري بتركيبته، يختلفان بشكل جوهري عن النظام والمجتمع المصريين. من نواحي الاختلاف، مثلا، شدة القمع الممارس، ودور الدولة في المسألة الطائفية، وعلاقة الأسرة الحاكمة مع الجيش، والتركيبة الاجتماعية الأهلية، وعمق الحريات الصحافية والإعلامية.

كما أن تونس، البلد الذي عاش التحول الأكثر أمانا والأقل دموية، تختلف أيضا عن سوريا ومصر (مكتسبات التجربة البورقيبية التحديثية، والاحتكاك المبكر مع الثقافة الغربية، ومؤسسة عسكرية وطنية إلى حد كبير، ووجود بنى نقابية مستقلة).

نستطيع أن نعتبر لحظة الانقلاب العسكري في مصر هي لحظة انتهاء مرحلة الإسلام السياسي في الربيع العربي، وبدء مرحلة الثورة المضادة

​​وجدير هنا بالذكر، بأن الثورة البحرينية، لم تتنفس كثيرا، وخنقت بسرعة، بسبب ضعف التعاطف الشعبي العربي معها، وهذا يعود باعتقادي، إلى تأثر المزاج العربي نفسه، بصخب ما يسمى بالنزاع الشيعي ـ السني، والـ"شيعوفوبيا" السائدة والممولة خليجيا، إذ إن شيعة البحرين كانوا العصب الأساسي للحركات الاحتجاجية في المملكة. كما أن التدخل العسكري السعودي ساهم بشكل أساسي في إسكات وقمع تلك الحركة الاحتجاجية المحقة.

أما في اليمن، فتعثر مسار الثورة والتحول الديمقراطي، وصار اليمن ساحة مفتوحة للنزاع السعودي ـ الإيراني.

وبالتالي، نستطيع أن نتحدث عن ثلاث مراحل أساسية من مراحل "الربيع العربي"، في كل الدول العربية، منذ اندلاعه عام 2011، وحتى هذه اللحظة، في مصر وسوريا واليمن وليبيا، وهي: أولا، مرحلة الشباب والأفكار الليبرالية؛ وثانيا، مرحلة صعود الإسلام السياسي؛ وثالثا، مرحلة الثورة المضادة وعودة النظام القديم. علما أن هذا التعميم يحتوي على الكثير من التبسيط القاتل للفروقات، والعابر للسياقات.

أولا، مرحلة الشباب والأفكار الليبرالية

في كل دول ثورات "الربيع العربي"، من خرجوا أولا إلى الشوارع هم شبان وشابات ينحدرون من مختلف الطبقات الاجتماعية والأصول الأهلية الإثنية والطائفية والمدن، سواء أكانت كبيرة أم صغيرة. إلا أن نسبة جيدة من هؤلاء الشباب، تنحدر من الطبقة الوسطى المتعلمة، وامتازت بدرجة معقولة من الثقافة والتحصيل الجامعي.

ورغم أهمية النقاش حول إذا ما كانت ثورات "الربيع العربي"، ثورات خبز أم ثورات كرامة، وهو النقاش الذي يخوضه ماركسيون ويساريون، يريدون حصر دوافع الاحتجاج كتمثل مباشر من تمثلات الصراع الطبقي في إهمال معطى الحريات السياسية من جهة؛ والليبراليون الذين يختصرون الأمر برمته بسعي الشعوب نحو الديمقراطية، دون أخذ مسألة العدالة الاجتماعية بعين الاعتبار من جهة أخرى؛ إلا أنها كانت ثورات ذات مطالب مركبة "عيش" و"حرية" في مصر، و"خبز" و"كرامة" في سوريا، ولا يمكن اختصار دوافعها في سبب واحد.

تمكن شبان المرحلة الأولى من صياغة وبلورة خطاب، ليس صعبا ملاحظة تأثره بالخطاب الليبرالي الغربي الحديث، كالتركيز على الحريات السياسية، وإبعاد العسكر عن السياسة، وإطلاق سراح المعتقلين، والسماح بالحريات الصحافية والإعلامية، والتوزيع العادل للثروة. طبعا مع الخجل والتحسب من المطالبة بدولة علمانية بسبب سوء سمعة هذا المفهوم في العالم العربي، واقترانه بالإلحاد وأيديولوجية السلطات العسكرية الرسمية العربية التي حكمت المنطقة بعد الاستقلال.

إلا أن ثمة عطب بنيوي، حال دون تحول هؤلاء الشباب إلى قوى سياسية قادرة على المنافسة في اللحظة الانتخابية. مقتل المرحلة الشبابية في "الربيع العربي"، باعتقادي، هو تقديس الوعي النضالي واللحظة الثورية، كوعي أخلاقي طهراني متعال على السياسة، لا يجب تدنيسه في العمل السياسي الحزبي والتنظيمي الأيديولوجي المباشر. ولأن اللحظة الثورية هي لحظة انفعالية وارتجالية ومباغتة، واللحظة الانتخابية هي لحظة حسابية وعقلانية وتراكمية، فإن هذا يفسر، جزئيا، غياب الشباب عن اللحظة الانتخابية، وهيمنة التيارات السياسية التقليدية، أي الإسلام السياسي من جهة، والأحزاب التي تعبر عن مصالح النظام القديم، وفئاته الاجتماعية من جهة أخرى، على تلك اللحظة.

بقيت الحركات الإسلامية الطاقة الاحتجاجية الاعتراضية الأكثر تنظيما في كل من مصر وسوريا وتونس

​​ما ميّز المرحلة الشبابيّة أيضا، هو الطابع السلمي للاحتجاجات وغياب التدخلات الإقليمية والدولية إلى حد كبير، وهيمنة الخطاب الوطني الجامع الذي يتعالى على الحساسيات الطائفية والقبلية والجهوية والإثنية، وتردد وغياب حركات الإسلام السياسي عن المشاركة. الإخوان المسلمون السوريون والمصريون مثلا، لم يعلنوا موقفا واضحا وصريحا من الثورتين السورية والمصرية في مراحلها الأولى. انتهت المرحلة الشبابية من "الربيع العربي"، وصار رموزها إما في المقابر أو السجون أو المنافي.

ثانيا: مرحلة صعود الإسلام السياسي

قامت الأنظمة الاستبدادية العربية، أنظمة ما بعد الاستقلال، بإفراغ كل المجتمعات العربية من السياسة، مع ضرورة التنويه إلى تفاوت سوء الوضع من دولة عربية إلى أخرى. وبالتالي، فإن الطاقة الاحتجاجية التعبوية الوحيدة، التي استطاعت أن تلعب دورا سياسيا، كانت طاقة حركات الإسلام السياسي بكافة تشكيلاتها.

وقد صعدت هذه الحركات السياسية الإسلامية الحديثة، بسبب الطفرة النفطية في دول الخليج، وتصدير الوهابية السياسية علنا في فترة النزاع الأفغاني ـ السوفييتي، إذ كانت الوهابية "طاقة ثورية" كما كان يقول، بريجنسكي، مستشار الأمن القومي لدى الرئيس الأميركي جيمي كارتر. إضافة إلى التأثير الإقليمي المدوي لاندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، وبناء الأصولية الإسلامية الشيعية نظام حكم ثيوقراطي في إيران. إضافة، بالطبع، إلى انهيار المشروع القومي العربي واليساري. إذ لعبت هزيمة يونيو 1967 دورا أساسيا في تشييعه.

بقيت الحركات الإسلامية الطاقة الاحتجاجية الاعتراضية الأكثر تنظيما في كل من مصر وسوريا وتونس. ذروة الصعود الإسلامي، تجسدت بوصول حركة الإخوان المسلمين المصريين إلى السلطة بانتخابات ديمقراطية، في 24 يونيو في عام 2012، وتقلد محمد مرسي منصب رئيس البلاد.

وتزامنت هذه الفترة من صعود الإسلام السياسي بـ"نزعة أوبامية" ما بعد حداثية في السياسة. هذه النزعة هي امتداد للفكر الفلسفي المنتشر في أجواء أوساط واسعة من اليساري الليبرالي الهوياتي في الولايات المتحدة الأميركية، والذي يرى حكم حركات الإسلام السياسي ضربا من ضروب "الخصوصية الثقافية" و"هويات تحتية تعبر عن نفسها". ساد أمل بأن تتمكن حركات الإسلام السياسي العربية من تقليد تجربة حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، والذي صنع نهضة تنموية اقتصادية شاملة في تركيا، والتزم، إلى حد مقبول، بمبادئ اللعبة الديمقراطية التركية. لكن شره السلطة وقلة النقد الذاتي الإيديولوجي والتصلب العقيدي، وعدم وجود برنامج اقتصادي واضح لمصر، بالإضافة إلى غياب المشروع السياسي وبروز المشروع الاجتماعي الذي يدور فقط حول حصر الحريات الفردية عموما وحريات المرأة بشكل خاص لدى الإخوان المسلمين المصريين، أدى إلى تنامي سخط شعبي ضد تجربة الإخوان المسلمين في الحكم.

وفي 3 يوليو من عام 2013، ونتيجة تحرك اجتماعي واسع ضد "الإخوان"، استغل الجيش المصري والنظام القديم هذا الاحتجاج للقيام بانقلاب عسكري ضد الرئيس محمد مرسي الذي زُجَّ في السجن، وبدأت مصر حقبة دخول الثورة المضادة.

في سوريا، تذرى الإسلام السياسي بين إسلام إخواني وقاعدي وسلفي وجهادي وداعشي. وصارت هذه المجموعات الإسلامية مداخل للدول الإقليمية، كدول الخليج وتركيا من أجل التحكم بالشأن السوري، ولعب دور سياسي في سوريا التي تحولت إلى ساحة نزاع إقليمية شرسة، أدت إلى مئات آلاف القتلى، ولجوء أكثر من نصف الشعب السوري إلى خارج البلاد، ودمار البنية التحتية.

في تونس، الحالة مختلفة إلى حد كبير، إذ استطاعت حركة النهضة التونسية أن تضبط نفسها داخل إيقاع الوطنية التونسية، واللعبة الديمقراطية الداخلية. وفضلت مصلحة البلاد العامة على المصلحة الحزبية الخاصة. وخاض رئيس الحزب، راشد الغنوشي، مجموعة من التسويات والمساومات مع مختلف القوى السياسية التونسية، الأمر الذي أدى إلى استقرار نسبي في التجربة.

ثمة عطب بنيوي، حال دون تحول هؤلاء الشباب إلى قوى سياسية قادرة على المنافسة في اللحظة الانتخابية

​​نستطيع أن نعتبر لحظة الانقلاب العسكري في مصر هي لحظة انتهاء مرحلة الإسلام السياسي في الربيع العربي، وبدء مرحلة الثورة المضادة وعودة النظام القديم.

وقد ارتاحت الدول الغربية إلى عودة النظام القديم، بسبب الأعداد الهائلة من اللاجئين الذين غزوا أوروبا، وتهديد النظام الليبرالي الديمقراطي في معقله بصعود الحركات الشعبويات اليمينية القومية. وسادت إيديولوجية الاستقرار والأمن ومحاربة الإرهاب، مكان أفكار التغيير والديمقراطية لدى النخب الغربية، الأوروبية منها والأميركية.

ثالثا: مرحلة الثورة المضادة

ثمة تحالف ثلاثي يمثل مرحلة الثورة المضادة، وعودة النظام القديم، أطرافه هي الإمارات العربية المتحدة بقيادة محمد بن زايد، والمملكة العربية السعودية بقيادة محمد بن سلمان، ومصر بقيادة عبد الفتاح السياسي. لهذا التحالف السياسي أذرع إقليمية، هي محمد دحلان في الساحة الفلسطينية، وجيش خليفة حفتر (رفيق معمر القذافي في "الثورة" على النظام الملكي الليبي عام 1969) في ليبيا.

لهذا التحالف، أيضا، أجندة سياسية واضحة في المنطقة، وهي قمع أي محاولة احتجاجية تكون امتدادا لثورات الربيع العربي، وقيادة مسار تطبيع تدريجي مع إسرائيل، والترويج لصفقة سلام في الساحة الفلسطينية وهي صفقة قد تتضمن تصفية القضية الفلسطينية، وإعادة تدوير نظام بشار الأسد في المجتمع الدولي (أعادت الإمارات فتح سفارتها في سوريا في 27 كانون الأول من العام الماضي)، والتفاوض معه من أجل تخفيف النفوذ الإيراني في سوريا، والاستمرار في محاربة حركات الإسلام السياسي في المنطقة.

ظهرت النواة الصلبة لهذا التحالف بشكل واضح في جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في 2 أكتوبر من عام 2018. عناصر الثورة المضادة يحاولون الانقضاض على كل مكتسبات الربيع العربي.

هل فشل الربيع العربي؟

أعتقد بأن هذا السؤال غير دقيق، خصوصا بعد نشوب موجة احتجاجات جدية على نطاق واسع في السودان ضد حكم حسن البشير، بالإضافة إلى تظاهرات في الجزائر ضد حكم بوتفليقة. تعثّرت هذه الجولة في التغيير، ولكن التاريخ ليس جولة واحدة فقط. ومهما كان "العقل متشائما"، فإن ثمة "تفاؤلا بالإرادة"، كما قال غرامشي.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538596 4

د. عماد بوظو/

أشهر قليلة تفصل الولايات المتحدة عن انتخاباتها الرئاسية التي ستجري في نوفمبر المقبل. ومع اقتراب الحزب الديمقراطي من حسم ترشيحه نائب الرئيس السابق جو بايدن على حساب السيناتور بيرني ساندرز، بعد تكتل مراكز القوة في الحزب خلف بايدن، وعدم وجود مرشح جمهوري ينافس الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يبدو المشهد أقرب إلى منازلة بين ترامب وبايدن، وهو في بعض أوجهه منتزلة بين السياسة الخارجية التي اعتمدها ترامب في الشرق الأوسط، وتميّزت بحملة الضغط الأقسى على إيران في مقابل سياسة باراك أوباما ـ بايدن التي تميزت بالتساهل مع إيران وهو ما عبّر عنه الاتفاق النووي. 

ويبدو أن الخلافات داخل الحزب الديمقراطي تسهل من أمر فوز ترامب في هذه المنازلة. فالحزب الديمقراطي، انقسم خلال السنوات الأخيرة إلى حزبين في جسم سياسي واحد، أحدهما يساري راديكالي يمثّله بيرني ساندرز وخلفه مجموعة كبيرة نشيطة ومتحمّسة من شباب الجامعات، والثاني هو الحزب الديمقراطي التقليدي الذي يؤيد حاليا ترشيح جو بايدن لمنصب رئيس الولايات المتحدة.

وهذا التبني من القيادات التقليدية في الحزب لترشيح بايدن سيدفع الكثير من الشباب اليساريين المتحمسين لساندرز، إلى عدم انتخاب بايدن، واعتباره مجرد مرشّح آخر لنفس الطبقة من أصحاب المليارات ولا فرق بينه وبين ترامب حسب رؤيتهم الأيديولوجية، وبالتالي لن يحظى بايدن بإجماع الحزب الديمقراطي، بينما يلتف حول ترامب اليوم 94 في المئة من الجمهوريين ارتفاعا من 88 في المئة في بداية العام الحالي، وأغلب هؤلاء حافظوا على تأييدهم له حتى في أوج فترة التحقيقات والاتهامات والأحكام بالسجن التي طالت كثيرا من مستشاريه ومساعديه أثناء حملته الانتخابية في عام 2016.

سيستمر ترامب في تحالفه مع محور الاعتدال العربي وفي علاقته المميزة مع السعودية

ومع احتمال فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة تزداد الحاجة لمعرفة سياسته الشرق أوسطية، ورغم أن خصومه يتهمّونه بأنه لا يملك استراتيجية محدّدة تجاه تلك المنطقة أو غيرها، ويتصيّدون مقاطع مجتزأة من تصريحاته ويقدّمونها للجمهور الأميركي للتأكيد على ذلك، ولكن متابعة لكل ما قاله وقام به خلال ولايته الأولي تشير إلى انتهاجه سياسة ثابتة لم تتغيّر.

ففي صيف عام 2015 حضرت مهرجانا للمرشحين الجمهوريين تيد كروز ودونالد ترامب أمام مبنى الكونغرس كان موضوعه رفض الاتفاق النووي الإيراني، ومع أن الانطباع الذي كان سائدا وقتها هو أن ترامب رجل أعمال مليونير رشّح نفسه للانتخابات من أجل استعراض شخصي لا أكثر، ولكنه ظهر في هذا المهرجان كمرشح جدّي له كاريزما وتأثير على جمهوره الذي كان يتفاعل معه بحماس، ورغم ما كان يقال عن أن معرفته بالقضايا الخارجية متواضعا مقارنة مع منافسيه من السياسيين التقليديين لكن الانطباع الذي تركه في هذا المهرجان هو أنه ملم بعيوب الاتفاق النووي وبطبيعة النظام الإيراني.

ومنذ ذلك اليوم إلى الآن وسياسة الرئيس ترامب الشرق أوسطية تتمحور حول نقطتين رئيسيتين، الأولى هي الانسحاب من الاتفاق النووي وممارسة أقسى ضغط ممكن على إيران لتوقيع اتفاق نووي حقيقي يضمن منعها من الحصول على سلاح نووي، والثانية هي مغادرة الشرق الأوسط وحروبه ومشاكله التي لا تنتهي والتي كلّفت الولايات المتحدة حسب رأيه تريليونات الدولارات، خاصة بعد أن قلّت حاجة الولايات المتحدة لنفط المنطقة.

والتزم ترامب بوعده الانتخابي وانسحب من الاتفاق النووي رغم كل ما تعرّض له من ضغوط من الإعلام الليبرالي والجناح القريب من باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري في الحزب الديمقراطي، ورغم اعتراض جميع الدول الأوروبية والصين وروسيا على هذا الانسحاب، وفرض فوقها على إيران عقوبات استثنائية خنقت اقتصادها، وواجهها عسكريا عندما حاولت استخدام الميليشيات التابعة لها في استهداف القواعد الأميركية، وقضى خلال ذلك على الرأس المفكر لكافة عملياتها الخارجية قاسم سليماني، وهذا ما لم تفعله أو حتى تفكر به أي إدارة أميركية سابقة.

ومن الطبيعي أن تستمر سياسة الرئيس ترامب تجاه إيران في ولايته الثانية وأن يواصل الضغط عليها بحيث لا يترك لها الكثير من الخيارات، وسيساعده في ذلك الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها إيران حاليا والتي أضيف إليها مؤخرا الهبوط الكبير في أسعار النفط وما كشفه وباء كورونا من انهيار المنظومة الصحية في البلاد، وانعكاس المتاعب الاقتصادية لإيران على جميع الدول المرتبطة بها، فالعراق يشهد منذ عدة أشهر احتجاجات شعبية غير مسبوقة على سوء الأوضاع المعيشية، وسوريا تقف على أبواب المجاعة، ولبنان اقترب من إعلان إفلاسه قبل بضعة أيام وامتنع عن سداد ديونه للمرة الأولى في تاريخه.

بالتالي سيكون من الأسلم لإيران البدء بمفاوضات لتوقيع اتفاق نووي جديد، وهذا قد يفتح الباب أمام انسحاب أميركي من سوريا ضمن ترتيبات تتضمن قيام عملية سياسية مقبولة من المجتمع الدولي، لأن الضغط على إيران كان السبب الحقيقي لبقاء القوات الأميركية هناك حتى الآن، وحتى بقاء القواعد العسكرية الأميركية في العراق قد يكون مطروحا للنقاش في حال توقيع اتفاق نووي جديد مع إيران.

وفي ولاية ترامب الثانية ستستكمل الولايات المتحدة انسحابها من أفغانستان مقابل تعهد حركة "طالبان" بأن لا تكون أفغانستان مكانا للتخطيط أو منطلقا لأي عملية ضد الولايات المتحدة أو مصالحها في العالم، وستترك الولايات المتحدة مهمة التعامل مع تعقيدات الوضع الأفغاني واحتمالات تعرّض هذا البلد لفترة من عدم الاستقرار أو الفوضى للدول المحيطة به مثل روسيا وإيران وباكستان، ولكنها ستتمسك بحقها في استهداف التنظيمات المتطرفة عن بعد عبر الغارات الجوية على الطريقة التي تتعامل فيها مع الإرهابيين في اليمن والصومال.

سيكون من الأسلم لإيران البدء بمفاوضات لتوقيع اتفاق نووي جديد

وسيستمر الرئيس ترامب في تحالفه مع محور الاعتدال العربي وفي علاقته المميزة مع السعودية رغم الحملات التي تتعرض لها من الإعلام الأميركي، وهذه الدول بأمسّ الحاجة اليوم لهذا التحالف نتيجة المرحلة الدقيقة البالغة الحساسية التي تمر بها سياسيا واقتصاديا، وسيستمر الوجود الأميركي العسكري فيها طالما أن الولايات المتحدة لا تتحمل تكاليفه، وستدفع إدارة ترامب حلفاءها في الشرق الأوسط نحو إنشاء تحالف إقليمي سياسي واقتصادي حتى تكون هذه الدول قادرة على مواجهة التحديات الراهنة ومرحلة ما بعد النفط دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.

وسيتابع ترامب تعامله مع الصراع العربي الإسرائيلي من خلال تصوراته للحل الشامل الذي عبّر عنه في خطة السلام التي طرحها، مع ترك الباب مفتوحا أمام العرب والإسرائيليين لإجراء مفاوضات مباشرة حول تفصيلات هذا الحل، ومع تزايد احتمالات خروج اليمين من السلطة في إسرائيل لمصلحة تحالف اليسار المدعوم من القائمة العربية الموحدة ستقل ذرائع الرافضين لمفاوضات جادة مع إسرائيل تهدف للوصول إلى حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي، لأنه في حال توفرت النوايا الصادقة عند الطرفين قد لا يكون تحقيق السلام مستحيلا.

الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة من الشرق الأوسط لن يغيّر من استراتيجية ترامب في المحافظة على الولايات المتحدة كأكبر قوة عسكرية في العالم، بالإضافة طبعا إلى المحافظة على القوة الاقتصادية الاستثنائية لأميركا، واستخدام العقوبات الاقتصادية كخيار أول في مواجهة خصومها، ومن أسباب هذا التوجه أن ترامب جمهوري ويستمع إلى مستشاريه السياسيين والاقتصاديين والعسكريين وجميعهم من الحزب الجمهوري المعروف بسياسته الخارجية القوية، وضمن هذه المعطيات ومع مقارنتها بالسياسة الخارجية الضعيفة للمرشحين الديمقراطيين يبدو الشرق الأوسط وكأنه أكثر مناطق العالم حاجة إلى ولاية ثانية للرئيس ترامب.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

سياسة ترامب الشرق أوسطية في ولايته الثانية 68730C0A-181A-45D0-AD00-CCA4486865E9.jpg AFP سياسة-ترامب-الشرق-أوسطية-في-ولايته-الثانية 540892 مع احتمال فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة تزداد الحاجة لمعرفة سياسته الشرق أوسطية 2020-03-17 11:39:41 1 2020-03-17 11:39:42 0