Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

ترفع لافتة تعلن فيها تقديم عناق مجاني وتدعو للسلام والحب
ترفع لافتة تعلن فيها تقديم عناق مجاني وتدعو للسلام والحب

حسين عبدالحسين/

لم تعد الحرب على الإرهاب حربا تشنها الحكومات والمجتمع الدولي ضد مجموعات عنف غير حكومية. صارت حربا بين إرهابيين بعضهم بعضا، بين شباب من المضللين، البيض والمسلمين، وضحاياها أبرياء من المدنيين من الجانبين.

هذه المرة ثبت على وجه التأكيد أن الارهاب لا دين له ولا نصوص، بل منبعه الفكر الظلامي الإقصائي العنيف نفسه، الموجود لدى معظم المجتمعات البشرية. بعضها ينجح في قمعه وإبعاد شبابها عنه، وبعضها الآخر ينجح بدرجات أقل.

والتحريض لدى الجانبين، العنصريين البيض والمسلمين، يكاد يتطابق؛ فيه مظلومية تاريخية، في الغالب معركة تاريخية مفصلية أدت لانهيار الزمن الذهبي المتخيل. ومن أسباب خسارة المعركة التاريخية، في الغالب، تآمر العالم وتواطؤه، فضلا عن خيانة بيض للبيض ومسلمين للمسلمين.

هي حرب يغذي فيها تطرف مجموعة تطرف نظيرتها

​​هكذا، يتصدر أعداء الإرهابيين، البيض والمسلمين، أعداء الداخل. هؤلاء يجب تصفيتهم لخيانتهم القضية، وهي التصفيات التي تؤدي عادة إلى انشقاقات وعداوات داخل الصف الإرهابي نفسه؛ فالعنصريون البيض، ينقسمون اليوم بين نازيين جدد، ومجموعة "عنف نووي"، وغيرها؛ فيما ينقسم العنصريون المسلمون إلى "تنظيم القاعدة" المنافس "لتنظيم داعش"، وتنظيمات أخرى، وأجنحة متحاربة داخل التنظيم الواحد. كلها حروب هدفها تحقيق النقاء العنصري والعقائدي والسياسي الموهوم.

وفي مخيلة الإرهابيين، البيض والمسلمين، غالبا ما يكون الهدف استعادة ماض ذهبي مجيد، زمن ألمانيا الثلاثينيات، أو أميركا الخمسينيات، التي لا يخالط فيها البيض العروق الأخرى، خصوصا السود. وعند العنصريين المسلمين، حنين وسباق للعودة إلى عصر الخلفاء الراشدين، العصر الذهبي الذي شهد مقتل ثلاثة من الخلفاء الأربعة اغتيالا.

وفي ذهن العنصريين، البيض والمسلمين، لا يحتمل النقاء اختلاطا مع باقي البشر. لذلك، تستحيل التسوية وتتحول العلاقات بين الشعوب إلى حروب إفناء، يسود فيها القوي، ويموت الضعيف. أما الانعزال، المصمم للحفاظ على النقاء العرقي، فيعزز الهلوسة، ويساهم في شيطنة الآخر، وإلصاق نظريات غير صحيحة بصفاته وعقيدته، وهو ما يسمح بإفنائه، لتخليص البشرية من شره المتخيل.

والتنظيم يتشابه بين الطرفين كذلك، ويكون غالبا على شكل مجموعات تعمل في الظلام، سمحت وسائل التواصل الاجتماعي في تسهيل تواصلها وتنظيمها، تنتشر بين أفرادها نقاشات حول نيتها نشر الرعب بين السكان عن طريق القتل والتخريب.

والرعب ليس فقط لإقناع المسلمين أن بلاد المهجر ليست آمنة لهم، أو لإقناع الأميركيين أن بلادهم ليست آمنة كما يعتقدون، بل هو تخريب يستجدي ردود فعل بربرية إرهابية مشابهة، فالمجموعة التي يتعرض مجتمعها لأحداث عنف، يصبح أسهل على المختلين من قادة المجموعة تجنيد إرهابيين على طرازهم، ويحرضونهم على الانتقام؛ بالضبط كبرنامج هتلر لانتقام ألمانيا من كل العالم لهزيمتها المذلة في الحرب الكونية الأولى، أو برنامج القاعدة للانتقام من الحروب الصليبية وغير الصليبية.

هكذا، تقدم هجمات العنصريين المسلمين، مثل في 11 أيلول/سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن أو بعدها في فلوريدا أو كاليفورنيا أو ماساتشوستس، الحجة للعنصريين البيض بأن العنف، من خارج الحكومات، لا يوقفه إلا عنف مشابه من خارج الحكومات؛ فيستخدم العنصريون البيض هجمات الإسلاميين لتجنيد إرهابيين بيض، ويستخدم العنصريون الإسلاميون هجمات، مثل على المسجدين في نيوزلندا، لتجنيد إرهابيين من أمثالهم أيضا.

في ذهن العنصريين، البيض والمسلمين، لا يحتمل النقاء اختلاطا مع باقي البشر

​​هكذا، يعاني الأميركيون من عنفين: عنف العنصريين البيض ضد غير البيض واليهود والمثليين، وعنف العنصريين المسلمين ضد كل الأميركيين. في الوقت نفسه، يعاني المسلمون من عنفين: عنف العنصريين المسلمين في بلدانهم، من أمثال داعش والقاعدة، وعنف العنصريين البيض خارج بلدانهم، مثل في نيوزلندا.

هي حرب يغذي فيها تطرف مجموعة تطرف نظيرتها. أما الحلول، فمنها إظهار تهافت الخطاب المتطرف ورؤيته المنحرفة للتاريخ، فلا عصور ذهبية للمسلمين، ولا عصور ذهبية للبيض، ولا ذهبي من العصور إلا التي يسودها السلام، وتعيش المكونات السكانية المختلفة فيها بوئام.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

538594 4

رياض عصمت/

تطالعنا الأخبار منذ مطلع العام 2020 حاملة مفاجآت صاعقة من كل صنف ولون. ارتاع الرأي العام لسماع نبأ محاولة اغتيال غير مألوفة سابقا في السودان كادت تودي بحياة رئيس الوزراء الحالي. أما في السعودية، فوجهت تهم ضد أشخاص لهم مكانتهم الرفيعة. صدق القول: "ليس في السياسة صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة". لكن بعض العداوات، في الواقع، تصبح عصية على الإصلاح، إذ يشكل التوجس من خصم أو أكثر دافعا قويا لفعل استباقي يدرأ الخطر، وإن كانت أحداث كهذه تثير قلقا وتوجسا مزمنين، وتجعل الإنسان محتارا حول ماذا يصدق وماذا ينكر!

ذات يوم، حين كنت أزاول الإخراج المسرحي، دخل مكتبي واحد من "الأخوة ـ الأعداء" على غير ميعاد، وحاول إغرائي بشتى السبل كي أتقدم بمشروع إخراج مسرحية وليم شكسبير "يوليوس قيصر". كنت معجبا بالمسرحية الشهيرة، التي صنفت كمسرحية تراجيدية وليس تاريخية، بالرغم من كونها تحمل الصفتين معا، لكنني شعرت بالفخ الذي كان صديقي اللدود يحاول نصبه لي، مستغلا شغفي بأعمال شكسبير، الذي سبق أن أخرجت من تأليفه "حكاية الشتاء" و"حلم ليلة صيف"، كما أعددت "هاملت" ليخرجها لاحقا بنجاح كبير لصالح "مسرح دمشق القومي" الفنان عروة العربي.

تذكرت في الحال أن "يوليوس قيصر" هي من المسرحيات الأقل إنتاجا على مسارح العالم الثالث، وإن تعددت الأفلام الأجنبية المقتبسة عنها، وأدركت السبب على الفور. لذا، ابتسمت مجاملا وقلت لزائري: "سأفكر في الأمر، لكنني حاليا مشغول بالتفكير في أعمال شكسبير المسلية مثل /جعجعة بلا طحن/ و/خاب سعي العشاق/". 

كان شكسبير أحد أوائل المسرحيين الذين تناولوا موضوع الاستبداد والطغيان

لم تفت إيماءتي اللفظية ذكاء زائري المثقف، بل استوعب بذكائه الحاد سخريتي المبطنة، فكف في زياراته التالية عن محاولة "جر رجلي" لأخرج مسرحية كان موقنا أن الرقابة ستمنع عرضها بعد إجراء البروفات، مما يحقق مأربه في أن يعرضني إلى أزمة محرجة أمام الممثلين والرأي العام.

كان شكسبير أحد أوائل المسرحيين الذين تناولوا موضوع الاستبداد والطغيان، كما في مسرحيتيه "هاملت" و"ماكبث" السياسيتين بامتياز. كما كان أحد أبرز من صور الخديعة والغدر بدافع الجشع إلى السلطة في مسرحيات مثل "الملك لير" و"العاصفة". لكن أخطر تراجيديا سياسية كتبها شكسبير هي "يوليوس قيصر" في عام 1599، أي في ذروة نضجه. 

تتناول المسرحية تحول زعيم تاريخي كان يتمتع باحترام ومحبة شعبه إلى ديكتاتور مستبد، قام بتجاهل آراء نوابه في برلمان ذلك الزمان، حتى اتفق أقرب الناس إليه على اغتياله في روما بتاريخ 44 قبل الميلاد، حسب رواية المؤرخ بلوتارك. لا تنتهي المسرحية بطعن قيصر جماعيا كي تتوزع مسؤولية إراقة دمه على جماعة بدلا من فرد واحد، بل يقوم القائد مارك أنتوني بتهييج الجماهير عبر خطاب رثائه لقيصر، فينقلب الشعب ضد قاتليه لتنشب حرب أهلية تضطرهم إلى الفرار أو الإقدام على الانتحار تجنبا لحمى الانتقام، وتقع الإمبراطورية الرومانية فريسة لوحش الفوضى، وتغرق البلاد في حمام دم.

لعل من الطريف أن نذكر أن شكسبير كتب أيضا عن وقوع كل من يوليوس قيصر ومارك أنتوني بشكل متعاقب في غرام كليوباترا، ملكة مصر الفتية الحسناء، كما صورها سيناريو فيلم "كليوباترا" (1963) من إخراج جوزيف مانكويتش وبطولة إليزابيث تايلور. أما مسرحية شكسبير "يوليوس قيصر"، فأنتجت سينمائيا عدة مرات، أولها عام 1950 في نسخة لعب دور مارك أنتوني فيها تشارلتون هستون، الذي أعاد لعب الدور نفسه في نسخة تالية في عام 1970 تحت إخراج ستيوارت بارج مع نخبة متميزة من الممثلين. لكن، بالرغم من كون الفيلم صور بالألوان، لم يلق التقدير الجيد للفيلم السابق الذي صور بالأسود والأبيض وأخرجه جوزيف مانكويتش، ولعب فيه مارلون براندور دور مارك أنتوني. يعتبر هذا الفيلم أفضل نسخة سينمائية حتى الآن من مسرحية شكسبير "يوليوس قيصر" (1953)، إذ لعب دور بروتوس فيه باقتدار أيضا جيمس ماسون. أما أحدث الاقتباسات السينمائية عن مسرحية شكسبير السياسية "يوليوس قيصر" فجاء معاصرا في العام 2011، حافلا بالسيارات والمسدسات.

اشتهرت عبارة معينة في مسرحية "يوليوس قيصر" حتى أصبحت أشبه بمثل شعبي شائع. عندما يتلقى قيصر الطعنات واحدة تلو الأخرى من النواب الذين يتقدمهم كاشيوس وكاسكا، يلجأ قيصر مترنحا ليستند إلى بروتوس، أحب النواب إليه وأقربهم إلى قلبه، فإذا ببروتوس يعاجله بالطعنة النجلاء الأخيرة. عندئذٍ يقول قيصر جملته الشهيرة: "حتى أنت يا بروتوس؟" ثم يسقط مضرجا بدمائه. مهدت عبقرية شكسبير لمشهد الاغتيال ـ على طريقة أفلام الإثارة والتشويق ـ عبر نبوءة عراف خلال مسيرة يوليوس قيصر في طريقه إلى مجلس الشورى، إذ يستوقفه ليقول له: "حذارِ من منتصف مارس".

"يوليوس قيصر" هي من المسرحيات الأقل إنتاجا على مسارح العالم الثالث

أما الشاعر والناقد الشهير ت. س. إليوت فكتب في رائعته الشعرية "الأرض اليباب" أبياتا قال فيها: "نيسان أقسى الشهور/ ينبت الليلك في الأرض الموات/ مازجا الذكرى والرغبة/ منعشا الجذور الخاملة بمطر الربيع". أي الشهرين، يا ترى، يحمل نبوءة أصدق؟ آذار/مارس أم نيسان/أبريل؟ جدير بالذكر أن إليوت كتب بعض المسرحيات الشعرية إلى جانب القصائد والدراسات النقدية، أشهرها مسرحية "جريمة قتل في الكاتدرائية" عن صداقة وطيدة بين نبيل ورجل دين، لكن عندما يعتلي النبيل العرش، ويعين صديقة في منصب رئيس الأساقفة ليمثل سلطة الكنيسة، لا يستطيع رجل الدين أن يخالف ضميره ويوافق صديقه على سياساته الدنيوية، فيضطر الملك أن يأمر باغتيال صديقه الذي فضل الالتزام بكلام الله على الخضوع لكلام البشر. قارب مؤلفان آخران هاتين الشخصيتين، فكتب الفرنسي جان آنوي مسرحيته "بيكيت أو شرف الله"، وكتب البريطاني روبرت بولت مسرحيته "رجل لكل الفصول".

هناك خطاب آخر مهم يأتي في مسرحية "يوليوس قيصر" عقب مصرع الطاغية الذي كان بطلا محبوبا ذات يوم في أعين شعبه عقب الانتصارات التي حققها وألهبت حماسة الناس. إنه خطاب مارك أنتوني في رثاء قيصر، والذي يبدأ بالجملة الشهيرة: "أيها الأصدقاء، أيها الرومان، يا أبناء بلدي. جئت إلى هنا لا لكي أمتدح قيصر، بل كي أدفنه". لكن الخطيب مارك أنتوني سرعان ما يذكر الجماهير بمآثر قيصر وأفضاله عليهم، فيحرضهم على الثورة ضد أولئك الذين قتلوه، ويؤجج مشاعر الغضب ليطالبوا برؤوسهم على مبدأ "كلن يعني كلن".

لا أدري إذا كان شكسبير مثل نوسترأداموس قد تنبأ عبر مسرحيته "يوليوس قيصر" بأن انفجار الربيع السوري سيحدث في منتصف مارس 2011. ترى، هل يخبئ لنا شهر مارس مفاجآت أخرى قبل أن ينصرم؟ أم أن شهر أبريل سوف يكون "أقسى الشهور" عبر مفاجآت مروعة بعد أن اجتاح العالم بشكلٍ مفزع وباء "كورونا"؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
حتى أنت يا بروتوس؟ 8A9072DD-E4B7-4CCD-8E2C-EAC5FE12E574.jpg AFP حتى-أنت-يا-بروتوس 540890 أعضاء مجموعة التاريخ الروماني خلا إعادة إحياء مشهد اغتيال يوليوس قيصر 2020-03-17 11:35:01 1 2020-03-17 11:36:01 0