Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

امرأة تونسية تلوح بعلم بلادها خلال تظاهرة لأساتذة المدارس
امرأة تونسية تلوح بعلم بلادها خلال تظاهرة لأساتذة المدارس

نضال منصور/

استطاعت تونس أن تنحت قصة نجاح وتميز بعد ثورة الياسمين عام 2011، وربما تكون تونس النموذج الوحيد في العالم العربي من البلدان التي شهدت ثورات "الربيع العربي" الذي لم يقع أسير ردة وفوضى وعودة إلى عهد ما قبل الثورة.

رغم قصص النجاح التي سجلتها تونس حتى اعتبرتها منظمة "فريدم هاوس" الأميركية في مؤشرها العالمي الدولة العربية الوحيدة "الحرة" والديمقراطية، فإن ذلك لا يخفي أصوات الغضب في الشارع من أزمة اقتصادية متناسلة أوجعت الناس، وزادت من معدلات الفقر والبطالة، ومست حياتهم المعيشية، وباتت ككرة الثلج تتدحرج وتكبر ولا يمكن إيقافها، ومؤذنة بانفجار وشيك.

تونس تغيرت بعد الثورة، هذه حقيقة دامغة لا يمكن نكرانها. وحقبة الرئيس الأسبق بن علي التي اتسمت بقبضة أمنية شديدة ولت إلى غير عودة. ومن يعرف تونس قبل الثورة وبعدها، يدرك أن أكبر، وأهم مكسب للتونسيين لا يمكن أن يتخلوا عنه هو امتلاكهم لحريتهم.

تونس قصة نجاح والنموذج الوحيد في العالم العربي لم يقع أسير ردة وفوضى وعودة لعهد ما قبل الثورة

​​الأزمة الاقتصادية التي توجع الناس بالشارع يمكن تلمسها ببساطة بسؤال المواطنين عن حياتهم اليومية، وتسمع مرّ الشكوى عن غلاء فاحش لم يعرفوه إبان الحُكم السابق، يبدؤون بسرد قصصهم البسيطة ويسألونك هل تعرف كم سعر كيلو الطماطم والفلفل؟

قد يستغرب البعض التركيز على الطماطم (البندورة) والفلفل تحديدا، ولكن تترك حالة الاستغراب إذا عرفت أن أهم مكون على مائدة التونسيين في كل وقت وكل يوم "الهريسة"، وهي مصنوعة من الطماطم والفلفل الحار وتُسمى بدول المشرق العربي "الشطة".

لا تريد أن تسمع باقي الشكوى عن أسعار اللحوم والأسماك حتى يزول الذهول أن الأزمة الاقتصادية ضاربة، وأن تزايد مديونية تونس، ودخولها في مفاوضات اقتصادية للاقتراض مع صندوق النقد والبنك الدولي يلقي بتداعياته السياسية على المجتمع، وحتى على القوى السياسية التي تحكم.

لم تتعاف تونس من إرهاب منظم ضربها، وأضر بأهم مصادر دخلها الوطني وهي السياحة، ففي السنوات الماضية تعرضت لسلسة عمليات إرهابية بدأت بعملية إرهابية في مدينة سوسة الساحلية، وامتد الإرهاب بعد ذلك إلى متحف باردو بالعاصمة، وآخر هذه المآسي ما حدث بمهاجمة باص يُقل الأمن التونسي في شارع الحبيب بورقيبة.

العمليات الإرهابية لم تضعضع السياحة في تونس فقط، وإنما أشعلت عاصفة سياسية حين استهدف الإرهاب زعيمين سياسيين بارزين هما شكري بلعيد ومحمد البراهمي، المحسوبين على التيار الديمقراطي العلماني، وهو ما دفع البعض إلى توجيه اتهامات قاسية إلى حزب "النهضة" بأن "تنظيمه السري" وراء اغتيال المعارضين السياسيين، وهي اتهامات لم تثبت حين ظهر أن وراء الاغتيالين جماعات سلفية إرهابية؛ ولكن هذا فاقم الأزمة السياسية وعجل برحيل الحكومة التي كان يقودها حزب "النهضة".

السؤال المقلق في تونس الآن ماذا ينتظر ويخبئ المستقبل لأهلها، بعد أن اقتربت المواعيد للانتخابات البرلمانية في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من هذا العام 2019، ويتبعها بشهر أي في شهر تشرين الثاني/نوفمبر انتخابات رئاسة الجمهورية؟

وفي التفاصيل هناك كثير من الأسئلة التي تحتاج لإجابات، في وقت تشهد تونس تقلبات وعدم استقرار سياسي، ولا تظهر حتى الآن خارطة التحالفات، وهو ما دفعني لمقابلة والاستماع بإصغاء إلى وزيرين بالحكومة هما إياد الدهماني المكلف بالعلاقة مع مجلس الشعب والناطق الرسمي باسم الحكومة، ومحمد فاضل محفوظ المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان لعلهما يساعدان في استقراء معالم المرحلة المقبلة.

أكثر ما هو متفق عليه أن حزب "النهضة" كان وما زال منذ بداية الثورة لاعبا رئيسيا لا يمكن استبعاده أو القفز فوق دوره، وهو المرشح بالانتخابات القادمة أن يحافظ على مكانته وحصته من مقاعد البرلمان، فالجميع، المعارضين له قبل المؤيدين يقرون أن صفوفه موحدة، وأنه يستميل أصواتا جديدة من خارج أطره الملتزمة، والأهم أنه قادر على تقديم شخصيات قيادية جديدة، وقادر على تجديد نفسه لتتواءم مع استحقاقات المرحلة مهما كان شكلها وظروفها.

الأمر الثاني المتفق عليه عند وزراء في الحكومة، وسياسيين وإعلاميين أن هناك ضرورة لتوحيد ما يسمى "العائلة الديمقراطية"، وأن إعادة استنساخ تجربة "نداء تونس" التي حصدت الأكثرية بمقاعد البرلمان في انتخابات 2014، وتفوقت على حزب "النهضة" الإسلامي تحتاج إلى منقذ ورمز وقائد جديد على غرار رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي.

هذه القناعة بضرورة وحدة "العائلة الديمقراطية" في هذه المرحلة تأتي بعد تداعيات وانهيارات شهدها حزب "نداء تونس". ترى أصوات منتقدة أن "نداء تونس" انهار، ويحمّلون المسؤولية إلى حافظ السبسي نجل رئيس الجمهورية مؤسس الحزب، ويزعمون أنه لم يُثبت جدارة وكفاءة في قيادة الحزب.

رهانات التيار الديمقراطي في تونس تتلخص بأن يعلن الباجي قايد السبسي في القريب العاجل عدم نيته للترشح لرئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة، ويقدم للجمهور شخصية قيادية موحدة، تجمع كل الأطياف الديمقراطية في جبهة واحدة مضادة لحزب "النهضة" في الانتخابات، لأن هذه هي الفرصة الوحيدة لهم ليكونوا قادرين على قيادة المرحلة القادمة، أو على الأقل ليكوّنوا "كتلة" سياسية وازنة لا يمكن استبعادها عند صناعة مرحلة ما بعد الانتخابات.

سيناريوهات كثيرة تُبحث في تونس بين الديمقراطيين، وأسماء تتداول لشخصيات قد تكون مرشحة للقيادة سواء لرئاسة الحكومة أو رئاسة الجمهورية، والمتيقن منه أن تونس تسير على "رمال متحركة"، وأن الأشهر المقبلة، وخصوصا رمضان، ستشهد سجالات ومفاجآت، وقد يبرز اسم الزعيم الذي سيترشح لرئاسة الجمهورية من طرف الحداثيين "الديمقراطيين" ـ ربما يكون من وسطهم، وقد يكون مستقلا ويحظى بـ "كاريزما" تساعد على تقدم الصفوف ـ مقابل احتمالات أن يطرح حزب "النهضة" مرشحا لهذا المنصب وعلى الغالب سيكون من خارج حزبه، وكما قال لي أحد الإعلاميين البارزين حزب النهضة يقود "العربة من الخلف"؛ وهذا يعني أن النهضة لا يريد أن يتصدر المشهد ويكون بالواجهة، فالتجربة السابقة، والظروف الإقليمية والدولية قد لا تساعد على ذلك، ولكن حزب النهضة، هو الشريك الأقوى والمؤثر في الحكم.

رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، الذي ولد من رحم حزب "نداء تونس"، وقدمه الباجي قايد السبسي كمرشح له، أصبح الآن لاعبا رئيسيا يرشحه مراقبون أن يكون الأقوى لرئاسة حكومة ما بعد الانتخابات.

لن يضحي التونسيون بحقوقهم "قربانا" للقمة الخبز

​​الشاهد الآن يقف خارج "نداء تونس" بعد أن انشق عنه، وأسس حزب "تحيا تونس"، وتتحالف حكومته مع "النهضة" وحزب "مشروع تونس" الخارج أيضا عن "نداء تونس" ويقوده السياسي المخضرم محسن مرزوق، ولا يُعرف حتى الآن كيف سيخوض الشاهد معركته الانتخابية، هل سيكون جزءا من ائتلاف للقوى الديمقراطية أم تستمر "علاقة الود" والشراكة مع "النهضة"، ويكون لها أثرها على سياق التحالفات والتكتيكات الانتخابية؟

تونس 2020 تسير على طريق مختلف بعد أن عطّلت التجاذبات السياسية والصراع على السلطة حالة الاستقرار، وأثرت على مسار التنمية، ولذلك فإن الناس باتت تنظر للمشهد بعين مختلفة وتبحث عن بديل يضمن لهم حياة كريمة وأمنا، وليس غريبا أن تسمع في الشارع وحتى بين جمهور السياسيين من يترحم على حقبة الرئيس الأسبق بن علي، ويروّج للحاجة إلى زعيم من رحم حزب "التجمع الدستوري" ويعيد الاعتبار له، ويطرح اسم المحامية المتشددة "للدستوريين" عبير موسى كرمز للقيادة.

الحقيقة الثالثة المتفق عليها في تونس أن لا عودة للماضي، وأن الحقبة السابقة قد طُويت دون انتقام واجتثاث، وأن أكثرية قادة التجمع الدستوري قد اندمجت بالتحول الديمقراطي، وانضوى جزء منهم في إطار "نداء تونس"، ولهذا فإن حديث "الردة" وربط التجربة التونسية بتجارب عربية مسار "متخيل" لن يتحقق.

مفهوم الدولة العميقة لا تأطير لها في تونس، هذا ما يقوله لي من هم بالحكم، ومن هم خارجه، وعلى ذلك فإن المخاوف من انقضاض أجهزة الاستخبارات أو الجيش على السلطة فرضية احتمالاتها غير واردة في الحالة التونسية، ويجيبني أحد الوزراء بالقول "الجيش عقيدته 'جمهورية' ولا يتدخل بالسياسية".

ما يراه السياسيون أن الناس غاضبة من الأزمات الاقتصادية لكن غضبها والمخاوف من انفجار مجتمعي لن يهدد المكاسب الديمقراطية التي تحققت، ولن يسمح بالانقلاب على نظام الحكم، وما يغذي هذه القناعات أن التونسيين لا يريدون ثورة جديدة تضعهم في حالة مشابه لسوريا وليبيا واليمن وحتى مصر، ولذلك فالناس لن يضحوا بحقوقهم السياسية والاجتماعية "قربانا" للقمة الخبز.

تونس في حالة تترقب بعد انقضاء ثماني سنوات على ثورة "الياسمين"، وتبحث عن منقذ يعبر بها إلى بر الأمان، ويوقف الاقتتال المعلن وغير المعلن على السلطة، ويجذر تقاليد ديمقراطية تنقلها إلى بيئة ومناخات لا تلتصق وترتبط بنموذج العالم العربي.

وتونس لا تنتظر المآلات السياسية بعد الانتخابات فقط، وإنما تنتظر "الفرج الاقتصادي"، وتنتظر خطوة جريئة بتوجيه ضربات قاسية لمن توجه لهم أصابع الاتهام بالفساد، وهذا لا يقل أهمية عن النصر السياسي.

 

ـــــــــــــــــــــ

 

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538596 4

د. عماد بوظو/

أشهر قليلة تفصل الولايات المتحدة عن انتخاباتها الرئاسية التي ستجري في نوفمبر المقبل. ومع اقتراب الحزب الديمقراطي من حسم ترشيحه نائب الرئيس السابق جو بايدن على حساب السيناتور بيرني ساندرز، بعد تكتل مراكز القوة في الحزب خلف بايدن، وعدم وجود مرشح جمهوري ينافس الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يبدو المشهد أقرب إلى منازلة بين ترامب وبايدن، وهو في بعض أوجهه منتزلة بين السياسة الخارجية التي اعتمدها ترامب في الشرق الأوسط، وتميّزت بحملة الضغط الأقسى على إيران في مقابل سياسة باراك أوباما ـ بايدن التي تميزت بالتساهل مع إيران وهو ما عبّر عنه الاتفاق النووي. 

ويبدو أن الخلافات داخل الحزب الديمقراطي تسهل من أمر فوز ترامب في هذه المنازلة. فالحزب الديمقراطي، انقسم خلال السنوات الأخيرة إلى حزبين في جسم سياسي واحد، أحدهما يساري راديكالي يمثّله بيرني ساندرز وخلفه مجموعة كبيرة نشيطة ومتحمّسة من شباب الجامعات، والثاني هو الحزب الديمقراطي التقليدي الذي يؤيد حاليا ترشيح جو بايدن لمنصب رئيس الولايات المتحدة.

وهذا التبني من القيادات التقليدية في الحزب لترشيح بايدن سيدفع الكثير من الشباب اليساريين المتحمسين لساندرز، إلى عدم انتخاب بايدن، واعتباره مجرد مرشّح آخر لنفس الطبقة من أصحاب المليارات ولا فرق بينه وبين ترامب حسب رؤيتهم الأيديولوجية، وبالتالي لن يحظى بايدن بإجماع الحزب الديمقراطي، بينما يلتف حول ترامب اليوم 94 في المئة من الجمهوريين ارتفاعا من 88 في المئة في بداية العام الحالي، وأغلب هؤلاء حافظوا على تأييدهم له حتى في أوج فترة التحقيقات والاتهامات والأحكام بالسجن التي طالت كثيرا من مستشاريه ومساعديه أثناء حملته الانتخابية في عام 2016.

سيستمر ترامب في تحالفه مع محور الاعتدال العربي وفي علاقته المميزة مع السعودية

ومع احتمال فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة تزداد الحاجة لمعرفة سياسته الشرق أوسطية، ورغم أن خصومه يتهمّونه بأنه لا يملك استراتيجية محدّدة تجاه تلك المنطقة أو غيرها، ويتصيّدون مقاطع مجتزأة من تصريحاته ويقدّمونها للجمهور الأميركي للتأكيد على ذلك، ولكن متابعة لكل ما قاله وقام به خلال ولايته الأولي تشير إلى انتهاجه سياسة ثابتة لم تتغيّر.

ففي صيف عام 2015 حضرت مهرجانا للمرشحين الجمهوريين تيد كروز ودونالد ترامب أمام مبنى الكونغرس كان موضوعه رفض الاتفاق النووي الإيراني، ومع أن الانطباع الذي كان سائدا وقتها هو أن ترامب رجل أعمال مليونير رشّح نفسه للانتخابات من أجل استعراض شخصي لا أكثر، ولكنه ظهر في هذا المهرجان كمرشح جدّي له كاريزما وتأثير على جمهوره الذي كان يتفاعل معه بحماس، ورغم ما كان يقال عن أن معرفته بالقضايا الخارجية متواضعا مقارنة مع منافسيه من السياسيين التقليديين لكن الانطباع الذي تركه في هذا المهرجان هو أنه ملم بعيوب الاتفاق النووي وبطبيعة النظام الإيراني.

ومنذ ذلك اليوم إلى الآن وسياسة الرئيس ترامب الشرق أوسطية تتمحور حول نقطتين رئيسيتين، الأولى هي الانسحاب من الاتفاق النووي وممارسة أقسى ضغط ممكن على إيران لتوقيع اتفاق نووي حقيقي يضمن منعها من الحصول على سلاح نووي، والثانية هي مغادرة الشرق الأوسط وحروبه ومشاكله التي لا تنتهي والتي كلّفت الولايات المتحدة حسب رأيه تريليونات الدولارات، خاصة بعد أن قلّت حاجة الولايات المتحدة لنفط المنطقة.

والتزم ترامب بوعده الانتخابي وانسحب من الاتفاق النووي رغم كل ما تعرّض له من ضغوط من الإعلام الليبرالي والجناح القريب من باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري في الحزب الديمقراطي، ورغم اعتراض جميع الدول الأوروبية والصين وروسيا على هذا الانسحاب، وفرض فوقها على إيران عقوبات استثنائية خنقت اقتصادها، وواجهها عسكريا عندما حاولت استخدام الميليشيات التابعة لها في استهداف القواعد الأميركية، وقضى خلال ذلك على الرأس المفكر لكافة عملياتها الخارجية قاسم سليماني، وهذا ما لم تفعله أو حتى تفكر به أي إدارة أميركية سابقة.

ومن الطبيعي أن تستمر سياسة الرئيس ترامب تجاه إيران في ولايته الثانية وأن يواصل الضغط عليها بحيث لا يترك لها الكثير من الخيارات، وسيساعده في ذلك الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها إيران حاليا والتي أضيف إليها مؤخرا الهبوط الكبير في أسعار النفط وما كشفه وباء كورونا من انهيار المنظومة الصحية في البلاد، وانعكاس المتاعب الاقتصادية لإيران على جميع الدول المرتبطة بها، فالعراق يشهد منذ عدة أشهر احتجاجات شعبية غير مسبوقة على سوء الأوضاع المعيشية، وسوريا تقف على أبواب المجاعة، ولبنان اقترب من إعلان إفلاسه قبل بضعة أيام وامتنع عن سداد ديونه للمرة الأولى في تاريخه.

بالتالي سيكون من الأسلم لإيران البدء بمفاوضات لتوقيع اتفاق نووي جديد، وهذا قد يفتح الباب أمام انسحاب أميركي من سوريا ضمن ترتيبات تتضمن قيام عملية سياسية مقبولة من المجتمع الدولي، لأن الضغط على إيران كان السبب الحقيقي لبقاء القوات الأميركية هناك حتى الآن، وحتى بقاء القواعد العسكرية الأميركية في العراق قد يكون مطروحا للنقاش في حال توقيع اتفاق نووي جديد مع إيران.

وفي ولاية ترامب الثانية ستستكمل الولايات المتحدة انسحابها من أفغانستان مقابل تعهد حركة "طالبان" بأن لا تكون أفغانستان مكانا للتخطيط أو منطلقا لأي عملية ضد الولايات المتحدة أو مصالحها في العالم، وستترك الولايات المتحدة مهمة التعامل مع تعقيدات الوضع الأفغاني واحتمالات تعرّض هذا البلد لفترة من عدم الاستقرار أو الفوضى للدول المحيطة به مثل روسيا وإيران وباكستان، ولكنها ستتمسك بحقها في استهداف التنظيمات المتطرفة عن بعد عبر الغارات الجوية على الطريقة التي تتعامل فيها مع الإرهابيين في اليمن والصومال.

سيكون من الأسلم لإيران البدء بمفاوضات لتوقيع اتفاق نووي جديد

وسيستمر الرئيس ترامب في تحالفه مع محور الاعتدال العربي وفي علاقته المميزة مع السعودية رغم الحملات التي تتعرض لها من الإعلام الأميركي، وهذه الدول بأمسّ الحاجة اليوم لهذا التحالف نتيجة المرحلة الدقيقة البالغة الحساسية التي تمر بها سياسيا واقتصاديا، وسيستمر الوجود الأميركي العسكري فيها طالما أن الولايات المتحدة لا تتحمل تكاليفه، وستدفع إدارة ترامب حلفاءها في الشرق الأوسط نحو إنشاء تحالف إقليمي سياسي واقتصادي حتى تكون هذه الدول قادرة على مواجهة التحديات الراهنة ومرحلة ما بعد النفط دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.

وسيتابع ترامب تعامله مع الصراع العربي الإسرائيلي من خلال تصوراته للحل الشامل الذي عبّر عنه في خطة السلام التي طرحها، مع ترك الباب مفتوحا أمام العرب والإسرائيليين لإجراء مفاوضات مباشرة حول تفصيلات هذا الحل، ومع تزايد احتمالات خروج اليمين من السلطة في إسرائيل لمصلحة تحالف اليسار المدعوم من القائمة العربية الموحدة ستقل ذرائع الرافضين لمفاوضات جادة مع إسرائيل تهدف للوصول إلى حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي، لأنه في حال توفرت النوايا الصادقة عند الطرفين قد لا يكون تحقيق السلام مستحيلا.

الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة من الشرق الأوسط لن يغيّر من استراتيجية ترامب في المحافظة على الولايات المتحدة كأكبر قوة عسكرية في العالم، بالإضافة طبعا إلى المحافظة على القوة الاقتصادية الاستثنائية لأميركا، واستخدام العقوبات الاقتصادية كخيار أول في مواجهة خصومها، ومن أسباب هذا التوجه أن ترامب جمهوري ويستمع إلى مستشاريه السياسيين والاقتصاديين والعسكريين وجميعهم من الحزب الجمهوري المعروف بسياسته الخارجية القوية، وضمن هذه المعطيات ومع مقارنتها بالسياسة الخارجية الضعيفة للمرشحين الديمقراطيين يبدو الشرق الأوسط وكأنه أكثر مناطق العالم حاجة إلى ولاية ثانية للرئيس ترامب.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

سياسة ترامب الشرق أوسطية في ولايته الثانية 68730C0A-181A-45D0-AD00-CCA4486865E9.jpg AFP سياسة-ترامب-الشرق-أوسطية-في-ولايته-الثانية 540892 مع احتمال فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة تزداد الحاجة لمعرفة سياسته الشرق أوسطية 2020-03-17 11:39:41 1 2020-03-17 11:39:42 0