Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

إرهاب
إرهاب

منى فياض/

منذ أن نفذت الفصائل الفلسطينية في السبعينيات عملية ميونيخ الشهيرة، وصولا إلى تفجير مبنيي التجارة العالميين، لُزّمَ الإرهاب للعرب وللدين والثقافة الإسلاميين، وهو الأمر الذي يحتاج إلى مراجعة وتدقيق.

ربما ساور إرهابيي 11 سبتمبر شعور أنهم فعلوا ما فعلوه باسم الله، عندما فجروا أنفسهم ليتمكنوا من قتل أكبر عدد ممكن من الأبرياء. أُطلق عليهم حينها تعريف "كاميكاز"، الذي نعلم أنه من التراث الياباني في الحرب العالمية الثانية. فإذا كان ينبغي البحث عن آباء مؤسسين لهذه الطريقة في القتل، فلن نجدهم سوى في التراث الياباني للساموراي، الذين ينتحرون بسيوفهم إذا فقدوا شرفهم.

تبرهن التحركات الحالية التي تجري في الجزائر والسودان على هذا المنحى المستجد من رفض اللجوء إلى العنف

​​لكن كيف تمكن تقليد ياباني نموذجي من إلهام إرهابيين إسلاميين إلى الحد الذي اتخذوا منه ورقتهم الرابحة الأكثر إشاعة للخوف؟ لقد عثر على الحلقة المفقودة ميكائيل برازان في كتاب خصصه لدراسة الجيش الأحمر الياباني وعنوانه: "المتعصبون".

يبرهن المؤلف، عبر تحقيق مدهش في توثيقه ومراجعه، أن المقاتلين الفلسطينيين اتخذوا من رفاقهم في الجيش الأحمر الياباني الذين جاؤوا إلى لبنان لدعم الفلسطينيين نموذجا لهم، واختاروا هذا النمط من العمل الذي اعتبروه ثوريا.

قرر ثلاثة مناضلين، أوكوداريا وأوكومتو وياسودان الضرب بقوة مرتكبين أول اعتداء انتحاري في تاريخ الثورة الفلسطينية، حين نزلوا في مطار اللد قرب تل أبيب يوم الثلاثاء في الثلاثين من ماي 1972 ليفتحوا النار عشوائيا على مئة وعشرين من البورتوركيين جاؤوا للحج. والحصيلة مقتل 26 وجرح أكثر من مئة. كان لهذا العنف الأعمى تأثير هائل، لا سيما أن الإرهابيين سعوا إلى الانتحار فورا (تمكن اثنان من ذلك ومكث أكاموتو مدة طويلة في السجن واحتفت به ليبيا كبطل).

وهكذا صدرت التوصية باتباع مثال مناضلي أقصى اليسار الياباني، وتبنى مناضلون فلسطينيون نهج الفدائيين الانتحاريين. وسيصبح هذا النهج واحدا من مصادر قوة الإرهاب الإسلامي. ولكنه لم يأت كثمرة ثقافة دينية، بل من تأثير سياسي.

في "الحرب المقدسة" على الإرهاب لا يمكن عزل الإرهاب عن ممارسة الأشكال الأخرى من العنف، تلك التي تعتبر "شرعية" بدءا من عنف الأنظمة المحلية، الذي تطور مؤخرا إلى نوع من احتلال باسم شرعية مزعومة؛ مرورا بالعنف الذي تمارسه الحكومات سواء عبر اعتداءاتها العابرة للحدود أو تلك الداخلية التي تنتهك حقوق الإنسان؛ انتهاء بممارسة القوى العالمية المهيمنة بوجهيها الغربي والشرقي للعنف الناعم والخشن.

الإرهاب لا يتمتع بأي حق قانوني بالطبع، لكن من أين تستقي الحروب والاحتلالات شرعيتها؟ إن إرهاب وعنف الدول يستحق هو أيضا الإدانة. واللوم الأكبر يقع على الديمقراطيات التي تمارس العنف أو تتغاضى عنه من أجل مصالحها.

وعندما تتضمن المبادئ المتفق عليها بشكل واسع أن الإرهاب هو الاستخدام المتعمد للعنف، أو التهديد بالعنف، لتحقيق أهداف ذات طبيعة سياسية، أو دينية، أو أيديولوجية، من خلال التخويف، أو الإكراه، أو إثارة الفزع؛ تكون الإجابة على وجهين: الأول أن الحرب، أي حرب هي عنف مدان أيضا؛ فعدا عن أنها تخدم الأسباب ذاتها، فهي تقتل أبرياء كالإرهاب.

والثاني أن كلمة "إرهاب" أو "إرهابي"، تستخدم بشكل انتقائي ومزدوج؛ هناك من يعتبر المنفذ مقاتلا من أجل الحرية بينما يصنفه الآخر إرهابيا.

فهل الإرهاب إسلامي؟

تاريخيا بدأ الإرهاب بمعناه الحديث بعيد الثورة الفرنسية على يد اليعاقبة إذ لا يزال اسم روبسبيير يثير الخوف حتى الآن.

لكن الوكالة الحصرية للعنف أعطيت مؤخرا للإسلام؛ في ظل انقسام الرأي العام بين من ينتقي أمثلة تاريخية وآيات تبرهن على تاريخه الدموي؛ بينما يدافع البعض الآخر عن الإسلام باعتماد أمثلة أخرى تظهر تسامح الإسلام واعتداله.

فهل حقا الإرهاب إسلامي؟ وهل الإسلام إرهابي؟

من أجل محاولة وضع الأمور في نصابها يجب طرح أسئلة من نوع: هل هناك، تاريخيا، ثقافة خالية من العنف؟ وهل حقا أن التطرف والعنف هما من طبائع الإسلام؟ هل حقا أن الثقافة العربية والدين الإسلامي وحدهما يعانيان من أزمة في الظروف التي نعيشها؟ أم أنها ثقافات، عربية وغربية، مأزومة؟ يشهد على ذلك صعود الإرهاب اليميني العنصري المتطرف في الغرب والمؤهل للتصاعد.

العنف والتعذيب من السمات الجوهرية للعصور القديمة. نادرا ما تنجو منها ثقافة في العالم. ولطالما شكلت مشاهد العنف مصدر افتتان الجماهير وحماسها منذ زمن الغلادياتور في روما إلى مصارعة الثيران أو اقتتال الديكة أو ما شابه في عصرنا الراهن.

لكن هناك لحظة معينة في التاريخ بدأ فيها التحوّل نحو رفض العنف وإدانته ورفض التعذيب. ويعتبر الباحثون عامة (فوكو في المراقبة والعقاب) أن نهايات القرن الثامن عشر عرفت مشاريع الإصلاح المتعلقة بالسجن بشكل متتابع ومتزامن في العديد من الأقطار الأوروبية وأميركا. الجديد الذي حملته هذه المشاريع، كان الاشمئزاز من التعذيب والقتل، ومشهد التنكيل بالمحكوم لم يعد مقبولا، بعد أن كانت الفرجة عليه تشكل مصدر لذة عظيمة ولقرون طويلة.

يعبر ذلك كله عن حساسية جديدة برزت ضد امتهان الجسد الإنساني وعقابه. صار القصد أن تنال النفس العقاب. يكفي حرمان الشخص من حريته المعتبرة حديثا كأسمى حق وكملكية خاصة في الوقت ذاته.

أكثر ما يكشف عن هذه السيرورة المستمرة التي تلطف العنف، التحول في حساسية اللاعبين الرياضيين كما المشاهدين الذين لم يعد باستطاعتهم احتمال مرأى العنف حتى في الملاعب. سمحت أعمال نوربير إلياس، عن آداب الكياسة وحسن التصرف، بإظهار تحولات الألعاب الرياضية في السياق الأعم لجعل الحياة الاجتماعية أكثر مسالمة.

لكن هذه الحساسية الجديدة لم تمنع التضحية بملايين البشر في الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ ولا منعت بروز النازية وبشاعاتها، ولا تمنع العنف الفردي المريض في الغرب بشكل عام. ناهيك عن الإرهاب اليميني والعرقي.

بالطبع أثارت الطرائق المستفزة التي استخدمتها داعش الكثير من الاشمئزاز، ويذهب التحليل عامة إلى أن ثقافتنا برعت في القتل والتعذيب، وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضا أن الحضارة الغربية مارست أنواعا من العقاب والقتل وتفننت في ابتداع أساليب عنف تفوق ما تقوم به داعش، ولو أن هذه الأخيرة اطلعت على كتاب فوكو "المراقبة والعقاب" لأتحفتنا بأساليب إجرامية أكثر توحشا.

تاريخيا بدأ الإرهاب بمعناه الحديث بعيد الثورة الفرنسية على يد اليعاقبة

​​يغرق العالم الإسلامي الآن في مخاض من العنف والتطرف؛ مع ذلك يجدر بنا تلمس بروز هذه الحساسية الجديدة ضد العنف المشار إليها لدى كثير من الفئات الاجتماعية العربية. فشعار "لا للعنف" الذي رفع في كل من تونس ومصر، أو "السلمية" في سوريا في أشهر الأولى من الثورة، هي تطبيق عملي لهذه المشاعر المستجدة.

وهنا أود أن أشير إلى أن هذه "الحساسية" التي تعبّر عن نفسها بكل وضوح على الساحات العربية هي سمة مستجدة على مفهوم "الثورات" التي كانت تتسم دائما بالعنف وحده: الثورة الفرنسية، الثورة الروسية والثورة الصينية إلخ... بحيث أن كلمة ثورة كانت تتماشى حكما مع العنف والدم.

وتبرهن التحركات الحالية التي تجري في الجزائر والسودان على هذا المنحى المستجد من رفض اللجوء إلى العنف.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

538767 4

د. ابتهال الخطيب

لطالما كنت مأخوذة بالمعنى الوجودي لجنسنا، لهذه الحياة، للأرض وللكون، هذا الهيام بهذه المعاني الهلامية الفلسفية جعل لدي شغفا بأفلام الخيال العلمي، خصوصا تلك التي تتعامل مع وتفلسف طبيعتنا كبشر.

أتذكر منها "باتل ستار جالاكتيكا" و"هيومانز" والذين يتعاملان مع معنى أن تكون إنسانا، هل هو تكوينك البيولوجي أم هو الوعي والشعور؟ بمعنى، إذا كنت تستشعر الألم، ولو بسبب توصيلات كهربائية وإلكترونية، إذا كان لديك وعي وقدرة على التفكير وصنع القرار، ولو بسبب برمجة كمبيوترية، هل يجعلك هذا إنسانا كاملا بالمعنى الفلسفي أم أن الشعور والوعي الإلكترونيين لا يدخلان "الكائن" في خانة الإنسانية؟ وما نحن في النهاية؟ ألسنا برمجة بيولوجية كذلك، مجموعة من الموصلات العصبية ونخبة من البرمجات المجتمعية؟ حقيقة، أكاد لا أرى الفرق.

وفرت لي فترة الحجر المنزلي التي ألتزم بها بقدسية أوقات لم تكن متوفرة سابقا ليس فقط للتفكر في طبيعتنا البشرية، ولكن كذلك في مراقبتها. أطالع بشغف ما يكتب الناس على تويتر وإنستغرام، الكثير من العنصرية والتطرف الناجمين عن الخوف، ولكن كذلك الكثير من الحب ومحاولات التعاضد والمواساة الجمعيين.

الكثير من الجوانب الطريفة اكتشفتها في حيواتنا

تبدت كذلك بعض الصفات الطريفة في بعض الشعوب بصورة جمعية. في مصر مثلا، الإثقال بالهموم والمعاناة اليومية صنع حالة من اللامبالاة الكوميدية على اعتبار أن كورونا ليست أسوأ ما أصاب هذا الشعب الصابر. في بريطانيا بعض الساسة يروجون لمفهوم "وقوع البلاء ولا انتظاره" دفعا بأن تنتشر الإصابة ومعها المناعة وننتهي من الموضوع برمته. في الصين هناك حالة من مواجهة حقيقة "عدم النظافة" المنتشرة مما دفع بمحاولة تعقيم جمعية عامة وكأن البلد كله تم وضعه في الغسالة. في الكويت هناك حالة من مديح الذات المستمر وشعور بالفخر الشديد، وهما وإن كانا مفهومين من حيث أنهما رد فعل متوقع تجاه إجراءات الحكومة الممتازة، إلا أنهما يوحيان كذلك بالشعور الكويتي المستمر بالاتهام بالكسل والدلال، ويعززان نرجسية طريفة مردها لذات الدلال الذي نحاول دفعا التخلص من تهمته.

إلا أن أكثر مراقبتي انصبت على نفسي وبيتي والأولاد والعاملتين اللتين هما جزء لا يتجزأ من العائلة. الكثير من الجوانب الطريفة اكتشفتها في حيواتنا. اكتشفت مثلا أنني أحب البقاء في البيت وأستمتع بساعات اليوم التي أستطيع أن أملأها بما حرمتني منه الحياة السريعة سابقا، وأكثر ما عرفته عن نفسي هو أنني أحب عمل "الكنافا" وحياكة الرسومات بالخيط والإبرة، حالة من الهدوء والتنفيس وشيء ما من التأمل توفره لي هذه الهواية الطريفة.

اكتشفت أنني أعشق الألوان على الأقمشة، فتجدني بعد أن أنتهي من خياطة جزء ما، أمسح عليه بأصابعي، مستمتعة بتراص الخيوط ألوانا وأشكالا وبملمس قماشها على أطراف أصابعي.

انتبهت كذلك لعمق العلاقة الخاصة جدا بين صغيرتي ووالدها، والتي لطالما كتبت عنها هنا لقراء الحرة، ولكن شيئا ما أعمق تبين لي في تفاهمهما غير المعلن. يشاهدان يوميان معا نفس البرامج، يجوعان في ذات الوقت، يصمتان في ذات الوقت، حالة من الود والصفاء والاتفاق التامين، منزعجة أنا وأشعر بالعزلة عنهما نعم، ولكنني مبهورة فعلا بالحالة المشرقة الصافية تلك.

اكتشفت كذلك أن شغف ابني البكر بالقراءة أكبر مما كنت أعرفه عنه وأنه ملتزم بشكل صارم بكل ما يستشعره من مسؤولياته، إلا أن أطرف ما لاحظته عنه أنه يعاملنا أنا ووالده وأختيه على أننا "مسؤولين منه" ونحتاج لرعايته. ظهر لي عن الوسطى الجميلة، الوحيدة التي لا تزال تذهب لمقر عملها بحكم طلب جهته، هوسها بتنظيف محيطها، تنظف وترتب دولابها بشكل يومي، تحاسب نفسها بقسوة حتى ولكأني بها تعتقد أن لها دورا في تفشي فيروس كورونا؛ كم هي لطيفة ومثالية ومبدئية، كم ستصدمها الحياة وتوجعها مبادئها التي تحملها على صدرها بفخر وإصرار.

صفية، مدبرة منزلنا ورفيقة العمر، بدت أبطأ في حركتها، كان للعمر دور لم ألحظه سابقا في تصعيب بعض المهام عليها. يكفيني وجودها وإن لم تفعل شيئا. أما جوري، آخر المنضمين لأسرتنا الصغيرة، فهي غارقة في حب لها في الفليبين، لاحظت هذه الأيام توقها وسهرها لتختلي بقلبها الذي تركته هناك. كم هي الحياة ظالمة.

وفرت لي فترة الحجر المنزلي التي ألتزم بها بقدسية أوقات لم تكن متوفرة سابقا

زوجي، تكفي الحكايات السابقة عنه، عرفه قراء مقالاتي عن ظهر قلب الآن. في العموم هذه فترة موجعة وطريفة وغريبة لاكتشاف الذات وإعادة تقييم العلاقات. كشفت هذه النكبة البشرية عن الكثير من الشر والخير والطرافة والحب والتعاضد والنرجسية والاندفاع والتهور والخوف والحرص وكل هذه الأشياء المتناقضة مجموعة داخل كل شخص فينا. كشفتنا الأزمة لأنفسنا وسمحت لنا بأخذ فترة نقاهة من تسارع الحياة بأن أبطأتها، موفرة لنا فرصة تأملها وهي تمر متأرجحة مترنحة على قضبان الخوف والعزلة.

شخصيا، سأقضي هذه الأيام ملتزمة بقاعدة التباعد الاجتماعي الحيوية جدا، سأعيد التفكير بأولوياتي، سأراقب أحبتي عن قرب، هذه فرصة تقصير مسافات ذهبية، لربما لن تتكرر في حياتي مجددا.

أطرف ما فعلته أنني غضبت من الأولاد يوم أمس لتخريبهم ترتيب مكتبي فنفحت متعصبة: "هل هي ضد عقيدتكم أن تكونوا مرتبين؟" ثم ركضت إلى غرفتي لأضحك من نفسي خفية هناك. وأنتم، كيف تقضون أيامكم؟ ما أطرف ما فعلتم في الحجر المنزلي إلى اليوم؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

قضبان الخوف والعزلة A45FA121-3B15-464C-B6C2-5D6D493997FC.jpg AFP قضبان-الخوف-والعزلة 540926 صاحب محل تجاري في البرازيل "يبتكر" كمامة خاصة به 2020-03-18 09:58:45 1 2020-03-18 09:58:45 0