Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

جزائريون يحتفلون بعد تقديم بوتفليقة استقالته
جزائريون يحتفلون بعد تقديم بوتفليقة استقالته

جويس كرم/

ورحل عبد العزيز بوتفليقة بعد عشرين عاما انغلقت فيها الجزائر داخليا، وجرى استغلال الخوف من العشرية السوداء للسيطرة الكاملة سياسيا واقتصاديا وشعبيا، وفرض الدولة الأمنية، لتعود من الشارع هذا العام وتكسر حواجز الصمت والخوف من تكرار تجارب الماضي الدموي، ولتنجح بحراك سلمي مدني شامل وواسع من إسقاط رمز السلطة وإطلاق مرحلة قد تكون الأكثر حساسية في تاريخ البلاد الحديث.

شهر ونصف تقريبا على التظاهرات الشعبية والرسالة واحدة: لا لولاية بوتفليقة الخامسة؛ ولا لألاعيب تشتري الوقت وتمددها؛ ولا لبيانات تعد بالرحيل فيما تعيد ترتيب كراسي السلطة ونخبة "لو بوفوار" (السلطة) التي تحكم البلاد منذ الاستقلال.

إزاحة الجيش لبوتفليقة ليست انقلابا، لأن الجيش لم يتول قيادة السلطة اليوم

​​نجح الجيش والقيادة العسكرية في الجزائر، ولو بعد تأخير، في قراءة نبض الشارع، ونزع الفريق أحمد قايد صالح، الذي رافق بوتفليقة طوال 15 عاما، الضمادة عن الجرح ليل الثلاثاء مدركا أن المشكلة أعمق وأكبر والحاجة ملحة لتغيير واضح المعايير وشفاف في الجزائر.

إزاحة الجيش لبوتفليقة في الجزائر ليست انقلابا، لأن الجيش لم يتول قيادة السلطة اليوم، وسيكون هناك مجلس انتقالي ومعايير دستورية تكلف رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح بتولي زمام السلطة موقتا وبإجراء الانتخابات خلال فترة لا تتخطى الأشهر الست. هناك من يقارب بين التجربة المصرية وتجربة الجزائر، بسبب دور الجيش ونوع المرحلة الانتقالية. هذه المقاربة تتجاهل الاختلافات في شكل الحراك الجزائري، حيث لم تقع إصابة واحدة على عكس ما مرت به مصر، والجيش يتعامل مع فئات المجتمع المدني والحكومة لتنظيم المرحلة الانتقالية بدل إدارتها.

جزائريون يتظاهرون للمطالبة بتغيير شامل في الجزائر بعد استقالة بوتفليقة
جزائريون يتظاهرون للمطالبة بتغيير شامل في الجزائر بعد استقالة بوتفليقة

​​مع ذلك، فإن الجزائر اليوم بعد بوتفليقة هي أمام امتحانها الأصعب، ومرحلة ما بعد رحيل رمز السلطة أكثر تعقيدا بكثير مما قبلها. فالصراع داخل السلطة نفسها موجود بين المعسكر القريب من بوتفليقة، الذي حاول بشتى الوسائل شراء الوقت وضمان مكاسبه، وبين معسكر مضاد يخشى عدم الاستقرار ويسارع لطي الصفحة. من هنا كان احتضان الجيش للحراك، والضغط على دائرة بوتفليقة، وتوقيف رجال الأعمال، وشطب بيان يوم الاثنين إنهاء بوتفليقة لولايته باستحضار المادة 102 من الدستور وفرض استقالته الفورية.

ترتبط حساسية المرحلة في الجزائر بالماضي الدموي والمواجهة مع الإسلاميين، وعدم وجود خط واضح للتغيير، مما يجعل الدستور والتكاتف المدني والشعبي وآلية المجلس الانتقالي، الضمان الأول والأخير لإدارة المرحلة. من حسن حظ الجزائر أن آل بوتفليقة يختلفون عن آل الأسد في سوريا، وأن العائلة والأجهزة الأمنية لم توجه رصاصها على المتظاهرين ولم تنزلق في منحدر عدم الاستقرار كما انزلقت دمشق وباتت مسرحا للتدخل الخارجي والاقتتال الميليشياوي. موقع الجزائر بين ليبيا ومالي يجعلها عرضة لهزة للاستقرار ودخول داعش أو مجموعات إرهابية أخرى، وهو ما عزز أيضا تحرك الجيش ونحو تشكيل هيئة رئاسة انتقالية بهذه السرعة لطي صفحة بوتفليقة.

الجزائر اليوم بعد بوتفليقة هي أمام امتحانها الأصعب

​​خروج بوتفليقة لا يحل الأزمات الاقتصادية ومشاكل البطالة لثلثي الشباب الجزائري، لكنه فرصة لبدء مسار تغيير مؤسساتي وحقيقي في البلاد، يعالج الإرث الصعب للعقود الأخيرة، ويضفي تعددية على موارد البلاد الاقتصادية والتمثيل السياسي. فالاعتماد الكلي على الغاز والنفط ساهم في الجمود الاقتصادي، والعلاقة الأمنية والاقتصادية مع روسيا أو فرنسا لن تكفي لإنقاذ البلاد.

سلمية ومدنية الحراك في الجزائر، التي أخرجت بوتفليقة، هي من دون شك محطة تفاؤل للعالم العربي وللقارة الإفريقية عموما، إنما تبقى بداية مسار طويل ومعقد للانتقال النوعي في البلاد. نجاحه سيتطلب حوارا مدنيا لجميع أطياف المعارضة مع الحكومة ومع الجيش، وخارطة طريق محصنة دستوريا لإجراء الانتخابات الرئاسية والقيام بإصلاحات اقتصادية ومؤسساتية تعيد للجزائر وزنها الطبيعي في شمال إفريقيا.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538594 4

رياض عصمت/

تطالعنا الأخبار منذ مطلع العام 2020 حاملة مفاجآت صاعقة من كل صنف ولون. ارتاع الرأي العام لسماع نبأ محاولة اغتيال غير مألوفة سابقا في السودان كادت تودي بحياة رئيس الوزراء الحالي. أما في السعودية، فوجهت تهم ضد أشخاص لهم مكانتهم الرفيعة. صدق القول: "ليس في السياسة صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة". لكن بعض العداوات، في الواقع، تصبح عصية على الإصلاح، إذ يشكل التوجس من خصم أو أكثر دافعا قويا لفعل استباقي يدرأ الخطر، وإن كانت أحداث كهذه تثير قلقا وتوجسا مزمنين، وتجعل الإنسان محتارا حول ماذا يصدق وماذا ينكر!

ذات يوم، حين كنت أزاول الإخراج المسرحي، دخل مكتبي واحد من "الأخوة ـ الأعداء" على غير ميعاد، وحاول إغرائي بشتى السبل كي أتقدم بمشروع إخراج مسرحية وليم شكسبير "يوليوس قيصر". كنت معجبا بالمسرحية الشهيرة، التي صنفت كمسرحية تراجيدية وليس تاريخية، بالرغم من كونها تحمل الصفتين معا، لكنني شعرت بالفخ الذي كان صديقي اللدود يحاول نصبه لي، مستغلا شغفي بأعمال شكسبير، الذي سبق أن أخرجت من تأليفه "حكاية الشتاء" و"حلم ليلة صيف"، كما أعددت "هاملت" ليخرجها لاحقا بنجاح كبير لصالح "مسرح دمشق القومي" الفنان عروة العربي.

تذكرت في الحال أن "يوليوس قيصر" هي من المسرحيات الأقل إنتاجا على مسارح العالم الثالث، وإن تعددت الأفلام الأجنبية المقتبسة عنها، وأدركت السبب على الفور. لذا، ابتسمت مجاملا وقلت لزائري: "سأفكر في الأمر، لكنني حاليا مشغول بالتفكير في أعمال شكسبير المسلية مثل /جعجعة بلا طحن/ و/خاب سعي العشاق/". 

كان شكسبير أحد أوائل المسرحيين الذين تناولوا موضوع الاستبداد والطغيان

لم تفت إيماءتي اللفظية ذكاء زائري المثقف، بل استوعب بذكائه الحاد سخريتي المبطنة، فكف في زياراته التالية عن محاولة "جر رجلي" لأخرج مسرحية كان موقنا أن الرقابة ستمنع عرضها بعد إجراء البروفات، مما يحقق مأربه في أن يعرضني إلى أزمة محرجة أمام الممثلين والرأي العام.

كان شكسبير أحد أوائل المسرحيين الذين تناولوا موضوع الاستبداد والطغيان، كما في مسرحيتيه "هاملت" و"ماكبث" السياسيتين بامتياز. كما كان أحد أبرز من صور الخديعة والغدر بدافع الجشع إلى السلطة في مسرحيات مثل "الملك لير" و"العاصفة". لكن أخطر تراجيديا سياسية كتبها شكسبير هي "يوليوس قيصر" في عام 1599، أي في ذروة نضجه. 

تتناول المسرحية تحول زعيم تاريخي كان يتمتع باحترام ومحبة شعبه إلى ديكتاتور مستبد، قام بتجاهل آراء نوابه في برلمان ذلك الزمان، حتى اتفق أقرب الناس إليه على اغتياله في روما بتاريخ 44 قبل الميلاد، حسب رواية المؤرخ بلوتارك. لا تنتهي المسرحية بطعن قيصر جماعيا كي تتوزع مسؤولية إراقة دمه على جماعة بدلا من فرد واحد، بل يقوم القائد مارك أنتوني بتهييج الجماهير عبر خطاب رثائه لقيصر، فينقلب الشعب ضد قاتليه لتنشب حرب أهلية تضطرهم إلى الفرار أو الإقدام على الانتحار تجنبا لحمى الانتقام، وتقع الإمبراطورية الرومانية فريسة لوحش الفوضى، وتغرق البلاد في حمام دم.

لعل من الطريف أن نذكر أن شكسبير كتب أيضا عن وقوع كل من يوليوس قيصر ومارك أنتوني بشكل متعاقب في غرام كليوباترا، ملكة مصر الفتية الحسناء، كما صورها سيناريو فيلم "كليوباترا" (1963) من إخراج جوزيف مانكويتش وبطولة إليزابيث تايلور. أما مسرحية شكسبير "يوليوس قيصر"، فأنتجت سينمائيا عدة مرات، أولها عام 1950 في نسخة لعب دور مارك أنتوني فيها تشارلتون هستون، الذي أعاد لعب الدور نفسه في نسخة تالية في عام 1970 تحت إخراج ستيوارت بارج مع نخبة متميزة من الممثلين. لكن، بالرغم من كون الفيلم صور بالألوان، لم يلق التقدير الجيد للفيلم السابق الذي صور بالأسود والأبيض وأخرجه جوزيف مانكويتش، ولعب فيه مارلون براندور دور مارك أنتوني. يعتبر هذا الفيلم أفضل نسخة سينمائية حتى الآن من مسرحية شكسبير "يوليوس قيصر" (1953)، إذ لعب دور بروتوس فيه باقتدار أيضا جيمس ماسون. أما أحدث الاقتباسات السينمائية عن مسرحية شكسبير السياسية "يوليوس قيصر" فجاء معاصرا في العام 2011، حافلا بالسيارات والمسدسات.

اشتهرت عبارة معينة في مسرحية "يوليوس قيصر" حتى أصبحت أشبه بمثل شعبي شائع. عندما يتلقى قيصر الطعنات واحدة تلو الأخرى من النواب الذين يتقدمهم كاشيوس وكاسكا، يلجأ قيصر مترنحا ليستند إلى بروتوس، أحب النواب إليه وأقربهم إلى قلبه، فإذا ببروتوس يعاجله بالطعنة النجلاء الأخيرة. عندئذٍ يقول قيصر جملته الشهيرة: "حتى أنت يا بروتوس؟" ثم يسقط مضرجا بدمائه. مهدت عبقرية شكسبير لمشهد الاغتيال ـ على طريقة أفلام الإثارة والتشويق ـ عبر نبوءة عراف خلال مسيرة يوليوس قيصر في طريقه إلى مجلس الشورى، إذ يستوقفه ليقول له: "حذارِ من منتصف مارس".

"يوليوس قيصر" هي من المسرحيات الأقل إنتاجا على مسارح العالم الثالث

أما الشاعر والناقد الشهير ت. س. إليوت فكتب في رائعته الشعرية "الأرض اليباب" أبياتا قال فيها: "نيسان أقسى الشهور/ ينبت الليلك في الأرض الموات/ مازجا الذكرى والرغبة/ منعشا الجذور الخاملة بمطر الربيع". أي الشهرين، يا ترى، يحمل نبوءة أصدق؟ آذار/مارس أم نيسان/أبريل؟ جدير بالذكر أن إليوت كتب بعض المسرحيات الشعرية إلى جانب القصائد والدراسات النقدية، أشهرها مسرحية "جريمة قتل في الكاتدرائية" عن صداقة وطيدة بين نبيل ورجل دين، لكن عندما يعتلي النبيل العرش، ويعين صديقة في منصب رئيس الأساقفة ليمثل سلطة الكنيسة، لا يستطيع رجل الدين أن يخالف ضميره ويوافق صديقه على سياساته الدنيوية، فيضطر الملك أن يأمر باغتيال صديقه الذي فضل الالتزام بكلام الله على الخضوع لكلام البشر. قارب مؤلفان آخران هاتين الشخصيتين، فكتب الفرنسي جان آنوي مسرحيته "بيكيت أو شرف الله"، وكتب البريطاني روبرت بولت مسرحيته "رجل لكل الفصول".

هناك خطاب آخر مهم يأتي في مسرحية "يوليوس قيصر" عقب مصرع الطاغية الذي كان بطلا محبوبا ذات يوم في أعين شعبه عقب الانتصارات التي حققها وألهبت حماسة الناس. إنه خطاب مارك أنتوني في رثاء قيصر، والذي يبدأ بالجملة الشهيرة: "أيها الأصدقاء، أيها الرومان، يا أبناء بلدي. جئت إلى هنا لا لكي أمتدح قيصر، بل كي أدفنه". لكن الخطيب مارك أنتوني سرعان ما يذكر الجماهير بمآثر قيصر وأفضاله عليهم، فيحرضهم على الثورة ضد أولئك الذين قتلوه، ويؤجج مشاعر الغضب ليطالبوا برؤوسهم على مبدأ "كلن يعني كلن".

لا أدري إذا كان شكسبير مثل نوسترأداموس قد تنبأ عبر مسرحيته "يوليوس قيصر" بأن انفجار الربيع السوري سيحدث في منتصف مارس 2011. ترى، هل يخبئ لنا شهر مارس مفاجآت أخرى قبل أن ينصرم؟ أم أن شهر أبريل سوف يكون "أقسى الشهور" عبر مفاجآت مروعة بعد أن اجتاح العالم بشكلٍ مفزع وباء "كورونا"؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
حتى أنت يا بروتوس؟ 8A9072DD-E4B7-4CCD-8E2C-EAC5FE12E574.jpg AFP حتى-أنت-يا-بروتوس 540890 أعضاء مجموعة التاريخ الروماني خلا إعادة إحياء مشهد اغتيال يوليوس قيصر 2020-03-17 11:35:01 1 2020-03-17 11:36:01 0