Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الصحافة الإلكترونية
هل أصابتنا شبكة الأنترنت بأمراض جديدة، أم أنها ساعدت عاهاتنا العميقة على الخروج من المستور؟

سناء العاجي/

هل أصابتنا شبكة الأنترنت بأمراض جديدة، أم أنها ساعدت عاهاتنا العميقة على الخروج من المستور؟

السؤال جدي ولا يهدف للتهكم.

راسلني صديق وزميل صحافي بمحتوى قناة مغربية على موقع يوتيوب، أطلقتها مغربية ربة بيت تقدم عبرها فيديوهات حول البيت ومهام "ربة البيت" وتفاصيل التأثيث المنزلي والتنظيف والاعتناء بالزوج وغسل وتدليك رجليه... كل هذا ببعض الابتذال، وبنكهة شعبية (لكن ليس بالمفهوم النبيل لما هو شعبي، للأسف).

إلى هنا، التفصيل بسيط حد التفاهة. في النهاية، من حق أي شخص أن يصور ما يشاء ويرفعه على الإنترنت. من حق هذه السيدة أن تختزل وجودها في أشغال البيت وتنظيف الأرضيات وغسل رجلي زوجها وإيصال ملعقة الكسكس المغربي إلى غاية فمه... في النهاية، لكل فرد اختياراته الحياتية التي تناسبه.

مشاهدتنا للمحتوى الرديء هي مساهمة في ترسيخه ونجاحه وانتشاره

​​المشكلة ليست هنا. المشكلة في أن هذه القناة تسجل حوالي مليون مشترك ومشتركة، وعشرات المئات من الآلاف، كمشاهدات لكل شريط فيديو في القناة.

مرة أخرى، "بصحتها"، كما نقول في المغرب.

السؤال الآن هو: كل هؤلاء المنظرين على موقعي فيسبوك وتويتر الذين ينتقدون الرداءة على الإنترنت، والذين ينتقدون محتويات البرامج والمسلسلات التي يقدما التلفزيون؛ أليسوا هم في النهاية من يشاهدون هذه المحتويات ويساهمون في "نجاحها" وانتشارها؟

في السابق، كنا نعيش هذا الموال مع برامج التلفزيون في شهر رمضان: بعد انتهاء الشهر، يحتج كثيرون على الجرائد الورقية والإلكترونية وعلى المواقع الاجتماعية... احتجاج عظيم رهيب ضد "المستوى الرديء" لمسلسلات رمضان. ثم، وقتا قليلا بعد ذلك، تصدر القنوات الوطنية أرقام ونسب المشاهدات، لنكتشف بأن تلك المسلسلات التي انتقدها الجميع... هي نفسها التي شاهدها الجميع والتي حققت نسب مشاهدات بالملايين.

وما أشبه اليوم بالأمس...

اليوم، أصوات كثيرة تحتج ضد مواقع بعينها لأنها "تقدم الرداءة"، مع أن هذه المواقع تحقق نسب متابعات عالية.

أصوات كثيرة تنتقد رداءة مقترحات يوتيوب (والتي يقترحها علينا يوتيوب في الواقع لأنها حققت نسب مشاهدات مرتفعة في البقعة الجغرافي التي نوجد فيها \popular on youtube\ tendances)، لكن تلك الفيديوهات ما تربعت على عرش قائمة الفيديوهات المرشحة، إلا لارتفاع نسبة المشاهدات التي تحظى بها.

يعتبر كثيرون هذه المنتجات رديئة... فمن يحقق نسب المشاهدات العالية؟ لعلهم الجن مثلا؟ أم أن البعض يشاهدها سرا... ويلعن صاحبها وجده وأمه وكل شجرة العائلة، علنا؟

للأسف، بعد أن كانت عاهاتنا مستورة لا يعرفها إلا من حولنا في البيت أو العمل، أصبحت مفضوحة اليوم مع الإنترنت ومنتشرة بشكل موجع: العنف اللفظي بدل النقاش الرصين؛ متابعة المحتويات الرديئة وتلك التي تحط من كرامة فئات معينة؛ السخرية من الآخر في اختلافه أو عاهاته أو جهله، دون التفكير في مشاعره أو كرامته؛ الكبت الجنسي؛ التطرف...

لعلنا نحتاج لصدمات كثيرة ومباشرة وشخصية (في ذواتنا أو في من نحب)، تأثر على علاقتنا بهذه الدمقرطة السريعة لوسائل إنتاج المحتوى ونشره، حتى نتعلم الاستفادة منه بدل تدمير الذات والآخر.

يعتبر كثيرون هذه المنتجات رديئة... فمن يحقق نسب المشاهدات العالية؟

​​بالمقابل، هناك أشخاص يستغلون هذا الاهتمام بالرداءة لتحقيق مكاسب مادية... هذا حقهم أيضا. لكن، هل لنا أن ننتقد الرداءة إذا كنا نساهم في نشرها ونجاحها؟

شخصيا، اتخذت مثلا منذ مدة قرارا أن لا أشاهد هذه العينة من الفيديوهات حين تصلني عبر واتساب أو غيره من مواقع التواصل الاجتماعي. مشاهدتنا لذلك المحتوى هي مساهمة في ترسيخه ونجاحه وانتشاره. لو أن مئة ألف منا أخذوا نفس القرار، فهذا يعني مئة ألف مشاهدة أقل ومئة ألف مشاهدة أو قراءة أكثر لمحتوى رصين أو مسلي يحترم ذكاءنا.

بيدنا بعض الحل... قد لا نستعمله، لكن رجاء، لنتوقف فقط عن خطاب المظلومية وانتقاد الرداءة، حين نكون بدورنا مساهمين في إنتاجها وفي نجاحها وفي انتشارها.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538767 4

د. ابتهال الخطيب

لطالما كنت مأخوذة بالمعنى الوجودي لجنسنا، لهذه الحياة، للأرض وللكون، هذا الهيام بهذه المعاني الهلامية الفلسفية جعل لدي شغفا بأفلام الخيال العلمي، خصوصا تلك التي تتعامل مع وتفلسف طبيعتنا كبشر.

أتذكر منها "باتل ستار جالاكتيكا" و"هيومانز" والذين يتعاملان مع معنى أن تكون إنسانا، هل هو تكوينك البيولوجي أم هو الوعي والشعور؟ بمعنى، إذا كنت تستشعر الألم، ولو بسبب توصيلات كهربائية وإلكترونية، إذا كان لديك وعي وقدرة على التفكير وصنع القرار، ولو بسبب برمجة كمبيوترية، هل يجعلك هذا إنسانا كاملا بالمعنى الفلسفي أم أن الشعور والوعي الإلكترونيين لا يدخلان "الكائن" في خانة الإنسانية؟ وما نحن في النهاية؟ ألسنا برمجة بيولوجية كذلك، مجموعة من الموصلات العصبية ونخبة من البرمجات المجتمعية؟ حقيقة، أكاد لا أرى الفرق.

وفرت لي فترة الحجر المنزلي التي ألتزم بها بقدسية أوقات لم تكن متوفرة سابقا ليس فقط للتفكر في طبيعتنا البشرية، ولكن كذلك في مراقبتها. أطالع بشغف ما يكتب الناس على تويتر وإنستغرام، الكثير من العنصرية والتطرف الناجمين عن الخوف، ولكن كذلك الكثير من الحب ومحاولات التعاضد والمواساة الجمعيين.

الكثير من الجوانب الطريفة اكتشفتها في حيواتنا

تبدت كذلك بعض الصفات الطريفة في بعض الشعوب بصورة جمعية. في مصر مثلا، الإثقال بالهموم والمعاناة اليومية صنع حالة من اللامبالاة الكوميدية على اعتبار أن كورونا ليست أسوأ ما أصاب هذا الشعب الصابر. في بريطانيا بعض الساسة يروجون لمفهوم "وقوع البلاء ولا انتظاره" دفعا بأن تنتشر الإصابة ومعها المناعة وننتهي من الموضوع برمته. في الصين هناك حالة من مواجهة حقيقة "عدم النظافة" المنتشرة مما دفع بمحاولة تعقيم جمعية عامة وكأن البلد كله تم وضعه في الغسالة. في الكويت هناك حالة من مديح الذات المستمر وشعور بالفخر الشديد، وهما وإن كانا مفهومين من حيث أنهما رد فعل متوقع تجاه إجراءات الحكومة الممتازة، إلا أنهما يوحيان كذلك بالشعور الكويتي المستمر بالاتهام بالكسل والدلال، ويعززان نرجسية طريفة مردها لذات الدلال الذي نحاول دفعا التخلص من تهمته.

إلا أن أكثر مراقبتي انصبت على نفسي وبيتي والأولاد والعاملتين اللتين هما جزء لا يتجزأ من العائلة. الكثير من الجوانب الطريفة اكتشفتها في حيواتنا. اكتشفت مثلا أنني أحب البقاء في البيت وأستمتع بساعات اليوم التي أستطيع أن أملأها بما حرمتني منه الحياة السريعة سابقا، وأكثر ما عرفته عن نفسي هو أنني أحب عمل "الكنافا" وحياكة الرسومات بالخيط والإبرة، حالة من الهدوء والتنفيس وشيء ما من التأمل توفره لي هذه الهواية الطريفة.

اكتشفت أنني أعشق الألوان على الأقمشة، فتجدني بعد أن أنتهي من خياطة جزء ما، أمسح عليه بأصابعي، مستمتعة بتراص الخيوط ألوانا وأشكالا وبملمس قماشها على أطراف أصابعي.

انتبهت كذلك لعمق العلاقة الخاصة جدا بين صغيرتي ووالدها، والتي لطالما كتبت عنها هنا لقراء الحرة، ولكن شيئا ما أعمق تبين لي في تفاهمهما غير المعلن. يشاهدان يوميان معا نفس البرامج، يجوعان في ذات الوقت، يصمتان في ذات الوقت، حالة من الود والصفاء والاتفاق التامين، منزعجة أنا وأشعر بالعزلة عنهما نعم، ولكنني مبهورة فعلا بالحالة المشرقة الصافية تلك.

اكتشفت كذلك أن شغف ابني البكر بالقراءة أكبر مما كنت أعرفه عنه وأنه ملتزم بشكل صارم بكل ما يستشعره من مسؤولياته، إلا أن أطرف ما لاحظته عنه أنه يعاملنا أنا ووالده وأختيه على أننا "مسؤولين منه" ونحتاج لرعايته. ظهر لي عن الوسطى الجميلة، الوحيدة التي لا تزال تذهب لمقر عملها بحكم طلب جهته، هوسها بتنظيف محيطها، تنظف وترتب دولابها بشكل يومي، تحاسب نفسها بقسوة حتى ولكأني بها تعتقد أن لها دورا في تفشي فيروس كورونا؛ كم هي لطيفة ومثالية ومبدئية، كم ستصدمها الحياة وتوجعها مبادئها التي تحملها على صدرها بفخر وإصرار.

صفية، مدبرة منزلنا ورفيقة العمر، بدت أبطأ في حركتها، كان للعمر دور لم ألحظه سابقا في تصعيب بعض المهام عليها. يكفيني وجودها وإن لم تفعل شيئا. أما جوري، آخر المنضمين لأسرتنا الصغيرة، فهي غارقة في حب لها في الفليبين، لاحظت هذه الأيام توقها وسهرها لتختلي بقلبها الذي تركته هناك. كم هي الحياة ظالمة.

وفرت لي فترة الحجر المنزلي التي ألتزم بها بقدسية أوقات لم تكن متوفرة سابقا

زوجي، تكفي الحكايات السابقة عنه، عرفه قراء مقالاتي عن ظهر قلب الآن. في العموم هذه فترة موجعة وطريفة وغريبة لاكتشاف الذات وإعادة تقييم العلاقات. كشفت هذه النكبة البشرية عن الكثير من الشر والخير والطرافة والحب والتعاضد والنرجسية والاندفاع والتهور والخوف والحرص وكل هذه الأشياء المتناقضة مجموعة داخل كل شخص فينا. كشفتنا الأزمة لأنفسنا وسمحت لنا بأخذ فترة نقاهة من تسارع الحياة بأن أبطأتها، موفرة لنا فرصة تأملها وهي تمر متأرجحة مترنحة على قضبان الخوف والعزلة.

شخصيا، سأقضي هذه الأيام ملتزمة بقاعدة التباعد الاجتماعي الحيوية جدا، سأعيد التفكير بأولوياتي، سأراقب أحبتي عن قرب، هذه فرصة تقصير مسافات ذهبية، لربما لن تتكرر في حياتي مجددا.

أطرف ما فعلته أنني غضبت من الأولاد يوم أمس لتخريبهم ترتيب مكتبي فنفحت متعصبة: "هل هي ضد عقيدتكم أن تكونوا مرتبين؟" ثم ركضت إلى غرفتي لأضحك من نفسي خفية هناك. وأنتم، كيف تقضون أيامكم؟ ما أطرف ما فعلتم في الحجر المنزلي إلى اليوم؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

قضبان الخوف والعزلة A45FA121-3B15-464C-B6C2-5D6D493997FC.jpg AFP قضبان-الخوف-والعزلة 540926 صاحب محل تجاري في البرازيل "يبتكر" كمامة خاصة به 2020-03-18 09:58:45 1 2020-03-18 09:58:45 0