Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

إيمانويل كولومبي، مدير أميركا اللاتينية في "مراسلون بلا حدود" خلال مؤتمر صحافي في البرازيل حول نتائج التقرير الأخير
إيمانويل كولومبي، مدير أميركا اللاتينية في "مراسلون بلا حدود" خلال مؤتمر صحافي في البرازيل حول نتائج التقرير الأخير

نضال منصور/

كل المؤشرات تؤكد أن حرية الإعلام في العالم تتراجع، ويصبح العمل الإعلامي أكثر خطورة وتهديدا، ولا خلاف على ذلك بين المؤسسات الدولية والإقليمية والوطنية المدافعة عن الحريات، والتي ترصد واقع العمل الصحافي.

يقر تقرير "مراسلون بلا حدود" الذي صدر مؤخرا "أن وتيرة الكراهية ضد الصحافيين قد تصاعدت إلى درجة جعلتها تبلغ حد العنف، الأمر الذي أدى إلى تنامي الشعور بالخوف، إذ يستمر تقلص دائرة البلدان التي تُعتبر آمنة للصحافيين لممارسة مهنتهم، في حين تشدد الأنظمة الاستبدادية قبضتها على وسائل الإعلام أكثر فأكثر".

الأنظمة الاستبدادية تشدد قبضتها على وسائل الإعلام والإعلاميون ضحية الصراع السياسي

​​التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي أصدرته "مراسلون بلا حدود" ويشمل 180 دولة يُظهر العداء المتزايد والمُعلن ضد الصحافيين، ويبين أن "آلة الخوف" تعمل بأقصى طاقتها مما يقوض بشدة ممارسة الصحافة في ظروف هادئة، ويقول التقرير "ترتب على العداء المُعلن ضد الصحافيين، بل وحتى الكراهية التي ينقل عدواها بعض القادة السياسيين في العديد من البلدان أعمال عنف أكثر خطورة من ذي قبل وعلى نحو تكرر أكثر من أي وقت مضى، مما أدى الى تفاقم الأخطار التي تنطوي عليها مهنة الصحافة، وهو ما خلق مستوى غير مسبوق من الخوف".

ما بين التصنيف العالمي لحرية الصحافة لمراسلون بلا حدود، وتقريرهم الذي صدر في نهاية العام الماضي تحت عنوان "الصحافة في دائرة الخطر"، وتقرير "فريدم هاوس" عن مؤشر الديمقراطية في العالم، وتقرير لجنة حماية الصحافيين CPJ فإن القاسم المشترك المتفق عليه أن الإعلام أصبح مُستهدفا من السلطة السياسية، وأن مساحات الحرية تضيق حتى في البلدان التي كانت تُعد ديمقراطية ومساحة آمنة لعمل الصحافيين، والأكيد أن الإعلاميين ضحية للصراع السياسي ومحاولاتهم كشف وملاحقة الفساد.

ويُعبر كريستوف ديلوار الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود عن هذه المخاوف بتصريحه "إذا انحرف النقاش السياسي بشكل خفي أو جلي نحو جو أشبه ما يكون بالحرب الأهلية، حيث يُعد الصحافيون من ضحاياها، فإن النماذج الديمقراطية تُصبح في خطر كبير".

التصنيف العالمي لحرية الصحافة التي تتبعه مراسلون بلا حدود يُقسّم دول العالم إلى خمسة مناطق بألوان مختلفة تبدأ من المنطقة البيضاء التي تعتبر أن الصحافة تعيش ظروفا وأوضاعا جيدة، وتتدرج بعد ذلك إلى المنطقة الصفراء (جيدة إلى حد ما)، تليها المنطقة البرتقالية وتُسمى (منطقة مشاكل)، ويتبعها المنطقة ذات اللون الأحمر وتُعتبر ذات (الوضع الصعب)، وتنتهي بالمنطقة السوداء وتُعد (منطقة خطرة جدا).

الشرق الأوسط المنطقة الأصعب والأخطر على سلامة الصحافيين

​​اللافت أن المناطق التي تحمل تصنيف "جيد" للإعلام لم تتجاوز نسبتها 8 في المئة، في حين بلغت نسبة الدول التي تعيش بها الصحافة مشكلات وظروفا صعبة ـ المناطق ذات اللون البرتقالي والأحمر ـ 66 في المئة، والمناطق الخطيرة جدا "اللون الأسود" 11 في المئة، وهذا التوزيع الدرامي والمحزن كاف ليؤشر على أن الإعلام بلغ حافة الخطر، وأن كل الجهود التي تُبذل حتى الآن لم توقف التدهور، ولم تمنع استمرار قتل الصحافيين بدم بارد، أو اعتقالهم تعسفيا، أو مطاردتهم ونفيهم.

تصاعد خطاب الكراهية والتحريض أصبح سمة يمارسها القادة السياسيون ضد الصحافيين ووسائل الإعلام، الأمر بالتأكيد ليس مقتصرا على مجاهرة الرئيس الأميركي ترامب، وإنما أصبحت ظاهرة لا تكمن فقط في تهديدات القادة السياسيين، بل في غض النظر وإعطاء القوة والشرعية لحالات التنمر على الصحافيين من الموظفين العموميين، أو رجال الأعمال، وكل المتضررين من دور الإعلام ورصده للأعمال المخالفة للقانون.

النتيجة الحتمية لهذه الأجواء العدائية للإعلام تزايد اندفاع الصحافيين نحو ممارسة الرقابة الذاتية على أنفسهم حتى يتجنبوا وقوعهم في الخطر، فالصورة أصبحت واضحة لجميع الإعلاميين أن اقترابهم لفضح المشكلات والمواضيع المسكوت عنها، ربما بتسبب في مقتلهم، أو سجنهم، أو حتى فصلهم من عملهم، أو تهديد عائلاتهم، ولهذا فإنهم باتوا يفضلون الصمت أو تجنب الكتابة في "التابوهات" والمحرمات التي تخفيها السلطة، أو لا يفضل المجتمع طرحها وإثارة الجدل حولها.

يسأل مركز حماية وحرية الصحافيين، منذ أكثر من 15 عاما في تقريره السنوي لحالة الحريات الإعلامية في الأردن، الصحافيين عن ممارستهم للرقابة الذاتية، ولم يكن مفاجئا أن الصحافيين الذين يفعلون ذلك لم تقل نسبتهم عن 90 في المئة.

حق الجمهور في المعرفة، ودور الصحافة في كشف الحقيقة، مفاهيم باتت مهددة، وعلى المحك في واقع بالغ التعقيد يفرض على الصحافيين ممارسة رقابة ذاتية شديدة، ويتبعها رقابة مسبقة قبل النشر تمارسها إدارات التحرير في وسائل الإعلام، فما يجازف الصحافيون في كشفه وقوله قد يتعرض لـ "الوأد" من قِبل رئيس التحرير لاعتبارات سياسية، وتفهّمه للخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها بأوامر الحكومة أو أجهزتها الأمنية.

♦♦♦

التصنيف العالمي لحرية الصحافة يقدم بانوراما للمشهد الإعلامي العالمي، ويكشف الصورة ليُظهر التحديات، ويؤكد على مسلّمات أبرزها أن الدول الأوروبية، وخاصة الإسكندنافية، ما تزال تتربع على عرش الدول الداعمة لحرية الإعلام، فالنرويج أولا، وفنلندا ثانيا، والسويد ثالثا، وفي المقابل يعيد تأكيد ما هو معروف ومُسلم به أيضا أن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي المنطقة الأصعب والأخطر على سلامة الصحافيين.

مرور سريع على العالم العربي في التصنيف العالمي لحرية الصحافة يُظهر أن دولة جزر القمر تتقدم المشهد بالمرتبة 56 عالميا، وهذا أمر يبعث على البهجة أن تُنافس دولة صغيرة على الخارطة في مؤشر الحريات، وهو ما يستدعي دراسة شذوذ هذه الدولة عن السائد العربي وهو قمع الحريات والتضييق على وسائل الإعلام، وتحتل تونس المرتبة الثانية عربيا وتحوز على المرتبة 72 دوليا، ومن الواضح أن تونس رغم التحديات والمصاعب استطاعت أن تشق طريقها نحو حالة مختلفة نسبيا عن الوضع العربي حتى الآن، ويمكن القول إن تونس الدولة الوحيدة في العالم العربي التي انعكست ثورتها على مؤشراتها في التقارير الدولية المتعلقة بالديمقراطية والحريات.

بعد جزر القمر وتونس تحتل موريتانيا المرتبة 94، ثم تقفز الدول العربية المتبقية حاجز المئة، فلبنان 101، والكويت 108، وقطر 126، والأردن في المرتبة 130، وباقي الدول العربية أسوأ حالا في التصنيف العالمي.

يتقاسم الصحافيون، في العالم العربي ذات المشكلات، قد تقل قليلا أو تزيد، فمن تملّك الدولة وسيطرتها على وسائل الإعلام، إلى التدخلات الأمنية والوصاية، إلى فرض قوانين مقيّدة، وليس انتهاء بانتهاكات جسيمة وخطيرة، مثل قتل وتصفية الإعلاميين، واعتقالهم، ومطاردتهم، مما يجعل بيئة الإعلام خطرة وغير آمنة.

يمارس صحافيون رقابة ذاتية على أنفسهم ويفضلون تجنب "التابوهات" حتى لا يتعرضوا للخوف والتهديد

​​لا تحتاج قراءة الواقع الإعلامي في العالم العربي إلى عناء كبير، ففي اليمن يشير تقرير مراسلون بلا حدود إلى أن الصحافيين يعيشون الاعتداءات المستمرة، ويتعرضون للاختطاف والتهديد بشكل يومي، ويؤكد أن الإعلام المستقل نادر، منوها بتأثر وتراجع حرية الإعلام بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، والتدخل العسكري الذي تقوده السعودية والإمارات، ويضاف لذلك الاضطرابات السياسية والأمنية.

اليمن مثال صارخ على تردي الأوضاع الإعلامية، وعلى ذات المنوال يمكن رؤية الحالة في سوريا، فالتقرير يكثف المشهد بالقول "اعتقالات واختطافات واغتيالات متواصلة تجعل العمل الصحافي خطيرا وصعبا".

عالميا أو عربيا من الصعب أن تعتريك حالة من التفاؤل والأمل أن تنتصر حرية الإعلام على خصومها، وفي أحسن الأحوال فإن ما تطمح له الصحافة أن تظل على قيد الحياة، فإن لم تُجهز عليها يد السلطة، فإن "السوشيل ميديا" يأكل من رصيدها ويحاصرها!

اقرأ للكاتب أيضا: الأردن على صفيح ساخن

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538591 4

محمد المحمود/

يواجه العالم اليوم وباءً خطيرا؛ أخطر ما فيه: سرعة وسهولة انتشاره، مخترقا كل الحدود السياسية والجغرافية، ومختبرا كل الثقافات الدينية والقومية في مصداقيتها، وفي جدواها أيضا، ومتحديا إمكانيات الدول، وفاصلا ـ في النتائج ـ بين حقائق الإنجاز التنموي وأوهامه، ومظهرا الفروق الهائلة بين الادعاءات الجوفاء وحقائق الواقع، ومعيدا ترتيب الأولويات على نحو غير مسبوق.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال؛ حتى وإن كان الاعتبار على المدى البعيد لا يتوفر عليه إلا قليل أو أقل من القليل؛ لأن ذاكرة المشاعر ـ وهي ذاكرة الجماهير/ الأغلبية الساحقة ـ قصيرة المدى، والتجارب/ الدروس الواقعية التي لا تُحوّلها الثقافة إلى أنماط عقلية مدعومة بتشكيلات مؤسساتية عامة، لا بد وأن يطويها النسيان، وتضطر الأمم لإعادة تجاربها/ آلامها من جديد.

كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته، وبالتالي؛ هو أقدر على التفسير المستغرق لكل التشكلات الثقافية المتمظهرة من خلال المسلك الإنساني الواقعي/ الوقائعي.

الوعي بالعولمة تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء

كوارث الطبيعة، مهما عظمت، تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي الخاص. الزلازل، والبراكين، وموجات التسونامي العاتية، والأعاصير المدمرة، والفيضانات الكبرى، لها مدى جغرافي لا تتعداه، وآثارها غير المباشرة تتضاءل حدتها باستمرار، وفق شروط التنائي الزماني والمكاني.

كذلك الكوارث البشرية/ الحروب وتوابعها؛ مهما عظمت، ومهما كان وقعها على ضحاياها المبشرين أقسى من وباء كرونا بآلاف المرات؛ إلا أنها تبقى محدودة جغرافيا، وبالتالي، فقدرتها التفسيرية التي نستطيع بها اختبار الثقافات تبقى ـ بالتبع ـ محدودة. فمثلا، إذا كانت الحرب العالمية الثانية أبادت الملايين من سكان أوروبا، فإن هناك شعوبا لم تعرف من ويلاتها وعذاباتها شيئا، وهناك شعوبا أخرى لم تمسها هذه الحرب الكونية إلا بأضرار جانبية/ غير مباشرة، كغلاء الأسعار وندرة بعض السلع وانقطاع بعض طرق المواصلات.

إذا كانت المنظمات الدولية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية؛ بقوة دفع مفاعيلها، والشركات العابرة للقارات، ثم الأنظمة الإعلامية والتواصلية التي جعلت العالم كله على مرمى ضغط زر في جهاز الحاسوب أو الهاتف...إلخ قنوات/ آليات العولمة، تعكس حقائق العولمة وتكشف عن تمظهراتها الواقعية، فإن هذا الوباء الفيروسي/ كورونا المستجد جعل العالم ليس قرية واحدة فحسب، بل ولا بيتا واحدا (يكون بإمكان بعض أفراده الاستقلال ببعض غرفه بحواجز/ بجدران، تمنع الرؤية/ تحفظ الأسرار/ تمنع الضرر)، وإنما جعله غرفة واحدة صغيرة ينكشف فيها الجميع على الجميع اضطرارا، ويتبادلون فيها الأسرار كما يتبادلون المصائب والآلام، ويقتسمون رغيف المستقبل ـ في لحظة الخطر الداهم ـ على حد سواء.

بناء على هذا ـ وبمنطق العولمة الأعمق والأقسى ـ لا تصبح كل دولة/ كل حكومة حُرّة تماما بما تفعله في حدود نطاقها الجغرافي/ فضائها السيادي، ولا يصبح من حق كل شعب أن يقرر خياراته الذاتية ـ بالمطلق ـ بعيدا عن العالم؛ لأن الآثار المباشرة وغير المباشرة لكل الخيارات (الحكومية والشعبية) على الآخرين، كل الآخرين أو معظمهم أو بعضهم، هي آثار متحققة على وجه اليقين.

لقد كان الباحثون في كثير من التخصصات الثقافية والعلمية، وبعض السياسيين الواعين، ومعظم المهتمين بالمسلك السياسي يدركون جيّدا أن ما يقع في قرية/ في مدينة نائية في الصين، أو في منافي سيبريا، يمكن أن يؤثر على الإنسان في قرية ما في جبال الألب، أو في صحراء الجزائر، أو في سهول تهامة الحجاز، أو في غابات نيجريا، أو في سواحل تشيلي، أو مستنقعات فيتنام. يدركون هذا على نحو عام، توقّعي، نسبي، غير مباشر، ولكنه كان حاضرا في الأذهان على الدوام.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال

نعم، هذا ما كان يدركه الباحثون والمهتمون منذ أمد بعيد، ولا يزال إدراكهم له يتصاعد بتصاعد قنوات التواصل/ التأثير، ويتعولم باتساع فضاءات العولمة. لكن، بقي وعي عموم الناس/ الجماهير العريضة، بمن فيهم بسطاء أصحاب القرار في كثير من دول العالم، قاصرا عن تصور مستوى تفاعلات العولمة ومتتالياتها، أي قاصرا عن التثاقف مع أطروحات أولئك الباحثين والمهتمين.

هنا، نضع أيدينا على المُتغيِّر الأهم في مدلولات التفاعل العالمي، الرسمي والشعبوي، مع هذا الوباء الجديد، حيث العولمة باتت تقرع كل باب، بل تضع أصابعها ـ بقوة شراسة هذا الوباء ـ في عين كل إنسان، كل إنسان بلا استثناء، فمن لم يره واقعا متجسدا، رآه خيالا كواقع، خيالا يتسلل إليه ـ بشكل متكرر، متواصل، متفاعل كحدث يصنع وقائعه ـ من خلال قنوات التواصل والإعلام. ما يعني أن الوعي بالعولمة ـ الوعي على نحو عملي ـ تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء.

لقد تعمّق الوعي بالعولمة من حيث كون الأمر لم يعد تشابك مصالح على نحو يغدو معه التأثير نسبيا، ومن ثم، يقع في دائرة الخيارات ومُقَايَسة مستوى التضحيات، بل غدا التأثير حاسما/ مصيريا، إذ أدرك الجميع ـ وخاصة بعد تعولم الوباء ـ أن ما يحدث في مدينة صينية لم يسمعوا بها من قبل، لا يؤثر على تيسير أو تعسير نمط من أنماط حياتهم فحسب (كما كان الأمر من قبل في بعض المخترعات التقنية)، بل بات يؤثر في وجودهم ذاته، في حياتهم/ موتهم. 

وطبعا، الوعي بهذا التهديد لا يُشْترط فيه "المباشرية الوقائعية"، أي أن يروا قوافل توابيت الموتى أمام أعينهم في واقعهم، بل يكفي أن ينظروا إليها من خلال الشاشة إعلاميا/ تواصليا، ويروه في الواقع ملموسا من خلال متواليات وقائع الرعب المتمثلة في الشلل الاستثنائي لكثير من أنماط الحياة الطبيعية/ المعتادة. فالأجواء الاستثنائية التي لم تحصل حتى في أزمنة الحروب الكبرى، باتت تعمّق الإحساس بالخطر؛ من حيث هي تعمّق الإحساس بوحدة المصير الإنساني، والعكس صحيح؛ إذ لا أحد، لا أحد بالمطلق، بمنجاة من هذا الخطر الذي يتهدد الوجود ذاته، وليس فقط طبيعة الوجود، وجود كل أحد، وليس وجود بعض دون بعض، فلا أحد يمتلك حصانة، وأصاب بالفعل مشاهير من كافة الميادين، بل وطرق أبواب كثير من قادة العالم الكبار.

من جهة أخرى، بات الوعي بالعولمة يتوسّع نطاقه ليشمل حتى أولئك الذين ظنوا في يوم من الأيام أنهم قادرون على الانزواء عنها، وبالتالي، التحرر من كل آثارها، أو من معظمها على الأقل. اليوم، يجعلهم هذا الوباء في قلب تفاعلات العولمة قسرا. إنهم إن استطاعوا في يوم من الأيام الهروب من أضرارها الحقيقية أو المتوهمة، فهم اليوم ـ وعلى الرغم منهم ـ أصبحوا وجها لوجه مع مخالبها وأنيابها الحادة التي تهددهم بالافتراس. وتكون المفارقة أن لا نجاة لهم من مخالب هذه العولمة إلا بالدخول معها في تفاعل أكبر وأشمل.

لقد توسع نطاق العولمة حتى رأينا أولئك الذين لم يسمعوا بالعولمة في يوم من الأيام، أو سمعوا بها كمصطلح عابر، أقصد: مئات الملايين من البشر الذين هم الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب الحي، وقد أصبحوا يعون ـ عمليا، وبدرجة عميقة بعمق خطر المرض/ خطر الموت ـ أنهم مُتَعَولِمون؛ حتى وإن جهلوا كل كلام المثقفين وكبار الساسة والاقتصاديين عن العولمة طبيعة وآثارا وتطلعات. ما يعني أن كل إنسان وعي العولمة من خلال وعيه بأن مصيره قد يكون مرتبطا بمصير أي إنسان في أي مكان.

ولأن هذا الوباء الخطير أصبح وباء عالميا/ متعولما، فقد أصبحت ردّات الفعل عليه متنوعة بحجم تنوع واختلاف الثقافات في هذا العالم؛ حتى وإن كان الرد الرسمي: الصحي/ الحكومي ـ المؤسساتي في العالم كله، متشابها إلى حد كبير في طبيعة الإجراءات الوقائية أو العلاجية. ففي القرارات التي تدفع بها الثقافات التي تنظر لصحة الإنسان بوصفها مسؤولية فردية، أو بوصفها ليست أولوية بالمطلق؛ شاهدنا التراخي الذي قاد إلى مصائر كارثية، تكاد ـ بقوة العولمة ـ أن تقود العالم كله إلى مصير مجهول.

أما في الثقافات المتخمة بالخرافة، فقد رأينا كيف أن الأغبياء من سدنة هياكل المقدس يُجاهِرون بل ويُفاخِرون بكسر يقينيات الطب، ويستخفون بالتعليمات الصحية الوقائية؛ فيرفضون فضّ الاجتماعات التي تتقارب فيها الأجساد بل تتلاصق، وأكثر من ذلك، رأيناهم يبيعون الوهم لأتباعهم السذج، فيزعمون أن أماكن القداسة تمتلك قدرات خارقة على تطهير الفضاء المقدس من الوباء، أو أن المصلين يمنحهم الله قدرة وقائية استثنائية لأنهم في صلاة/ اتصال روحاني مع الله!.

لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية

تحت وقع الإحساس العميق بالمسؤولية، تصدر كثير من الحكومات قرارات حازمة بمنع التجمّع، بل تُعطّل المدارس، وتلغي الفعاليات، وتغلق المتاجر الكبرى، وتُعلّق معظم الاجتماعات؛ إن لم يكن كلها، وتمنح الموظفين إجازات إجبارية مدفوعة الأجر؛ كل هذا لتساعد الشعوب على تنفيذ التوجيهات للبقاء في البيوت. 

لكن، تجد الثقافة المجتمعية/ الشعبوية بالمرصاد لكل تلك القرارات الإيجابية، إذ لا تكتفي بتفريغ تلك القرارات من مضامينها، بل إنها تقلبها إلى عكس المتوقع منها، حيث تُبادِر هذه الجماهير إلى استغلال هذا التعطيل المؤقت (التعطيل للنشاطات الرسمية العامة) فتعقد الاجتماعات العائلية الكبرى، وتخرج للأسواق والمتنزهات؛ دونما أدنى استشعار للخطر، على الرغم من علمها بالخطر، وعلى الرغم من تكرار التحذير على أوسع نطاق.

طبعا، هنا المعضلة الثقافية، فأنت لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية. المسألة لها أبعادها الثقافية/ التربوية التي تأخذ ـ بالضرورة ـ تخطيطا شموليا/ متضافرا، متتابعا في مدى زمني طويل.

لا يمكن أن تقنع المتدين الساذج بعدم الذهاب للمسجد، والاكتفاء بالصلاة في البيت؛ لأن الوقوف في صف واحد، وبأجساد متلاصقة؛ للصلاة، هو أخطر ـ في هذا الظرف الصحي العام ـ من معظم صور الاجتماع التي تُحذّر وزارات الصحة منها. لا تستطيع أن تقنعه بهذا؛ لأن وعيه تشبّع بمفاهيم تجحد منطق العلوم، أو هي تَزْورّ عنه، أو هي تستخف به في أحسن الأحوال.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الوباء والعولمة والثقافة DF9FFA06-1C3A-440E-8158-D4238A39ADF5.jpg AFP الوباء-والعولمة-والثقافة 540888 كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته 2020-03-17 11:31:17 1 2020-03-17 11:32:17 0