Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يبكون ضحايا الهجمات الانتحارية التي استهدفت سريلانكا
يبكون ضحايا الهجمات الانتحارية التي استهدفت سريلانكا

حسن منيمنة/

وفق ما تناقلته حسابات مؤيدة للجهاد، فإن "منفذي الهجوم الذي استهدف رعايا دول التحالف والنصارى في سريلانكا، أول أمس، من مقاتلي الدولة الإسلامية". الزعم جاء دون دليل، والأرجح أن العلاقة بين القتلة والتنظيم ليست مباشرة، أي أن الإعداد لسلسلة العمليات الترويعية الإجرامية التي وقعت يوم عيد الفصح لم يكن بقرار من قيادة هذا التنظيم الإرهابي، هذا إذا كانت بنى القيادة هذه ما تزال قائمة. غير أنه لا عزاء في ذلك، بل دليل جديد على الخطر المتواصل، والأصح المتعاظم، والمتحقق في أعقاب الكلام الترويجي الخاطئ عن إنزال الهزيمة بتنظيم الدولة.

فيما الاستهجان والاستنكار يصدر من كافة أرجاء العالم، من حق المسيحيين في هذا الشرق المنهك أن يضعوا هذه المأساة المستجدة والتي شهدت سقوط مئات الأبرياء من المصلين في تفجيرات انتحارية استهدفتهم في صلاتهم، في إطار الاعتداء المتواصل عليهم من جماعات جهادية إسلامية تريد اقتلاعهم من أوطانهم، بل تتحدث جهارا عن إبادتهم.

منطق الجهاد يعيش حربا عالمية بين الإسلام والكفر

​​من حقّهم استذكار ما فعلته هذه الجماعات من قتل وتدمير ونحر وإراقة دماء في العراق وسوريا ومصر وليبيا وغيرها، موثّقة ومصوّرة بإصدارات مرئية وموزعة بكل اعتزاز في الأوساط المؤيدة للجهاد والمتعاطفة معه. بل من حقّهم أن يدرجوا هذه الجرائم الجديدة في إطار تاريخي، وإن اقتصر على القريب، يشمل من المجازر التي يكاد لا يتذكرها إلا أبناء من نجا من ضحاياها، والتي أهدرت دماء المسيحيين وأرواحهم، لما هم عليه من دين وإيمان، وإن اجتهد المؤرخون بإيجاد السياق السياسي والاقتصادي لهذه الأفعال.

"القصارى في نكبات النصارى"، كتاب موجود في أكثر من موقع، ينقل شهادات مؤلمة عن بعض هذه المآسي من الأمس المباشر، من المفيد لكل قارئ للعربية الاطلاع على محتواه لاستيعاب الأحداث، لا في إطار التفسير الصادر عمّن يراجع المادة التاريخية وفق المنهجيات النظرية، بل كما عاشها من كان عند الطرف الحاد للسكين.

الاستهوان الخبيث لهذه المآسي سرعان ما يأتي من خلال الإشارة الحاضرة الجاهزة لما يقابلها من مقاتل للمسلمين وظلم لهم. بل "شفاء الصدور" المزعوم للمتداولين للمواد الجهادية على مواقع التواصل الاجتماعي، في أعقاب الاعتداء على المسجدين في نيوزيلندا يتحقق اليوم مع عدوان سريلانكا، مع الافتخار بأن رد الصاع كان أكثر من صاعين.

كاذبة هي الرواية القائلة بأن سريلانكا هي الثأر لنيوزيلندا، حيث أن التأصيل الشرعي لهذه التنظيمات قد انحدر من تجويز قتل غير المحاربين من حجة التترس والبيات ثم المماثلة إلى منطق تكفير مجهول الحال وإنكار إصالة عصمة النفس الآدمية، وتقييدها بالإسلام والذمة والعهد والزمان، مع الاستهانة في نفي كل هذه القيود. أي أن هذه الجماعات، كما يتبين جليا في ممارساتها، لا تحتاج للدافع ولا للفتوى للشروع بجرائمها، بل تقدم عليها بذاتها حيث هي قادرة على استكمال التجهيز والتنفيذ، وتدفع لها جهارا بمن تستقطبهم حيث لا حضور مباشر لها، كما يبدو الحال في سريلانكا الجريحة.

من حق المسيحيين في هذا الشرق المنهك استذكار ما فعلته هذه الجماعات من قتل وتدمير ونحر وإراقة دماء في العراق وسوريا ومصر وليبيا وغيرها
من حق المسيحيين في هذا الشرق المنهك استذكار ما فعلته هذه الجماعات من قتل وتدمير ونحر وإراقة دماء في العراق وسوريا ومصر وليبيا وغيرها

​​هو منطق تبريري اعتذاري لا يستقيم أن يكون الزعم أن جريمة سريلانكا، والتي قتلت مئات الآمنين ونكبت أهلهم وآلمت وطنا وأوطانا، هي الرد على جريمة نيوزيلندا، والتي ارتكبها متطرف شاذ قادم من خارج نيوزيلندا. نيوزيلندا التي أظهرت الخير والطيبة والجودة في عمومها، إذ التفت برمّتها، من رئيسة وزرائها الوقورة إلى مجتمعها المدني الراقي، ليقول لا لمحاولات التفرقة، وليرفع الآذان الإسلامي حيث لم يرتفع يوما، وليتكاتف الجميع مع بعضهم من المسلمين إذ استهدفهم الشر.

لن "تشفى صدور" السقامى الذين استقبلوا مقتلة الفصح في سريلانكا على أنها الانتقام لنيوزيلندا، ولكن فيما يتعدى هذه الحالات المَرَضية، فإن الخطورة ليست في المواجهة المفترضة المزعومة بين الإرهابيين، الذي قتل في نيوزيلندا والذي قتل في سريلانكا، بل في الانسجام المميت المتحقق بينهما.

صمٌ عميٌ كان أنصار الجهاد حين رحّبوا بالاعتداء على المسجدين في نيوزيلندا ضمن وشم "الإرهاب المسيحي"، والذي إذ يكشف عن أنيابه وفق تقييمهم الجاهز، يصادق على صواب الشطح المعنوي والمادي والذي يقدم عليه مجاهدوهم.

منطق الجهاد يعيش حربا عالمية بين الإسلام والكفر. هو جهاد طلب بالنسبة لمن لا يخشى في طاعته لومة لائم. لا اعتبار لديه للمجاز والخاص والمجمل والمقيّد والمنسوخ ولا لأسباب النزول، بل بما أن تلك الأشهر الحرم قد انسلخت من ألف ونيف من الأعوام، فاقتلوهم حيث وجدتموهم. على أن الغالب على أنصار الجهاد ليس هذا القول، دون الاعتراض عليه، بل نزال، ربما من باب جهاد الدفع، بين الإسلام والحملة الصليبية العالمية التي تستهدفه حسدا وطمعا، والتي إذ يشارك فيها اليهود والمشركين والعلمانيين والملحدين، هي في العمق صراع بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي.

ليس الأمر كذلك البتة في الشق المقابل. "القومية البيضاء"، والتي ينتهج من ينتقل من عقيدتها إلى مقتضاها الإرهابي سبيلا موازيا في أشكاله وأساليبه للجهاد الإسلامي، هي أيضا تشهر "الحرب المقدّسة". ولكن التقديس هنا ليس للدين، بل للعرق. هي "راهووا"، الحرب العرقية المقدسة والتي ينادي بها دعاة هذه القومية منذ عقود، والداعية إلى إيقاف التبديد الذي تعيشه المجتمعات "البيضاء" من خلال استيعاب الأعراق الدنيا. فهذه الأعراق، "شعوب الطين" وفق الطرح القومي الأبيض، لم تساهم في صياغة الحضارة لقصورها الطبيعي، ولكنها تأتي اليوم، بأعدادها المتضاعفة وعاداتها المتخلفة، لاستغلال المجتمعات "البيضاء" ولتقطف ثمار الجهد الحضاري بما تتيحه لها سياسات الهجرة والتعددية وبما فطرت عليه هي من تحايل على الأنظمة ومن استنزاف للموارد العامة. أما الدين المسيحي بالنسبة للقوميين البيض، فهو جزء وحسب من الموروث الثقافي الأبيض، مع الريبة إزاءه لأصوله اليهودية، والميل الواضح إلى تجاوزه باتجاه إعادة إحياء طقوس الوثنية السابقة له.

العدو، بالنسبة للقوميين البيض ليس المسلمين كمسلمين، بل بعض المسلمين بالنسبة لهم، مثل البوسنيين والألبانيين، هم من البيض الذين يستحب كسبهم وتحفيزهم على التخلي عن هذه العقيدة التي لا تليق بهم والمستوردة من "شعوب الطين".

المسيحي في الشرق يطاله الأذى حيثما دار

​​فأن يقتل الجهاديون مئات السريلانكيين ثأرا لعملية إرهابية قام بها قومي أبيض هو عمل ينال الرضا في صف القومية البيضاء، إذ يفضح الطبيعة الفاسدة للإسلام دون أن يكلّف العرق الأبيض ضريبة دم باهظة (وإن لم تكن معدومة، لوجود بعض السوّاح البيض في سريلانكا). بل منطقهم هو أنها "شعوب الطين" تتناحر، فلتفعل ولتبين لأصحاب القلوب الضالة الطريّة العطوفة من البيض في الغرب عبث قناعاتهم.

أما المسيحي في الشرق فيطاله الأذى حيثما دار. يقتله الجهادي لأنه غرسة صليبية في دار الإسلام (رغم أن حضوره في دياره وشهادته فيها سابقة في معظم الأحيان لقدوم الإسلام إليها)، ويُطرب لقتله مناصرو الجهاد خلف شاشتهم (دون اعتبار للأضعاف المضاعفة من المسلمين الذي قتلهم المجاهدون في حروبهم الوهمية)، ولا يعبأ لقتله القومي الأبيض في الغرب لأنه من "شعوب الطين".

المسلم والمسيحي، وكل إنسان غير منغمس في هذه الملاحم الغيبية في تصوراتها، المميتة في وقائعها، عرضة للقتل والاستباحة. أما الطائفة المنصورة الباقية إلى يوم الدين هنا، والطليعة المقاتلة الحاملة لهمّ عرقها هنالك، فهذيانهما ليس حوار طرشان رغم القراءات المتناقضة، فلا الجهاديون يخاطبون الغرب الكافر، ولا القوميون البيض يكلّمون الشرق الطيني. بل فيما القتل يفتك بالأبرياء هنا وهنالك كلٌ من القتلة بأهله منشغل، في انسجام وإن غير صريح في الرؤى، وفي اجتماع ظاهر على الأذى.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538592 4

منى فياض/

في مدة زمنية قياسية استطاع كائن طفيلي مجهري أن يقلب العالم ويثير الرعب والهلع ويقطع أوصال الكرة الأرضية ويتسبب بهبوط الأسهم وخسائر للبورصة تعد بالمليارات. ويعطل هذا الفيروس الشركات والمدارس والجامعات والشركات والإدارات ويوقف السياحة ويفرغ المحال من المواد الغذائية والبضائع ويخفض أسعار البترول ويفضح الثغرات في القطاعات الصحية للبلدان ويغلق دور العبادة ويلغي المؤتمرات والمهرجانات. فينقلب مشهد المدن، وتقفر شوارعها إلا من التحسر لغياب المشاة والسيارات والمتجولين وافتقاد حيوية وحياة المطاعم والمقاهي والملاهي والمرافق. وكأننا نعيش داخل أحد أفلام هوليوود عن انتشار الأوبئة ونهاية العالم.

بأقل من شهر دخلنا نمط حياة جديد؛ تعطلت حركة المطارات والموانئ وارتفعت رايات الانغلاق والتقوقع لتقف كالسد بوجه الآخر والغرباء القادمين من دول أخرى. وهو ما يذكر بأزمة اللاجئين وما أثارته من هلع استعاد مشاعر الخوف والتعصب. بحيث أشار أحد كتاب الغارديان إلى أن "ترامب تعامل مع “كورونا” كجيش أجنبي وشبكة إرهابية تغزو أميركا".

نظرا للانتشار الصاروخي لفيروس كورونا الوبائي، صنفته منظمة الصحة العالمية "بالجائحة". ومن غير المتوقع إيجاد علاج له في المدى المنظور. ونظرا لغزوه الكرة الأرضية بعد الكوارث البيئية المتلاحقة من حرائق وفيضانات وعواصف واضطرابات مناخية مؤهلة للتصاعد، يحيلنا الظن إلى أن الكرة الارضية تنتفض، كالحيوان عندما يريد التخلص من الطفيليات التي غزت جلده. ضاقت بنا الأرض ولم تعتد تحتملنا، فتصفعنا دوريا وكأنها تقول لنا: كفى، كفى عبثا بقوانين الطبيعة.

تشوش الأفكار والمشاعر يثير الهلع فنصبح فريسة سهلة لتلقي البروباغندا

وكأن الكون يريد استعادة بعض توازنه بعد الخلل المتمادي جراء النشاط البشري..

كورونا الذي انتشر بفضل العولمة وسرعة الانتقال وكونية والتبادلات، جاء ليمتحن قدرتنا على تدبر أمورنا والعيش دون شبكة العلاقات والتبادلات الكونية التي تزودنا بما نحتاجه.

المفارقة هنا أن هذه القدرة والسرعة اللامحدودة على التبادل المعولم، كانت السبب في تقطيع أوصالنا عندما سهلت تبادل وانتشار الأوبئة في نفس الوقت.

عجّل كورونا بانتقالنا عقودا إلى الامام، فبعد أن الشكوى المتصاعدة من تأثير وسائط ووسائل التواصل الرقمي على العلاقات بين البشر وعلى سيكولوجيتهم وتأثير العزلة على نفسيتهم وتوازنهم النفسي والخوف على الأطفال ونموهم وعلاقاتهم الاجتماعية السوية؛ وجدنا أنفسنا ممنوعين من التبادل المباشر، محتجزين خلف جدران الحجرات كي نتسمر أمام شاشاتنا الكبيرة والصغيرة، في قلب العالم الافتراضي الذي كنا نتهيب من احتمال سيطرته علينا.

إنه تمرين للمستقبل حيث ستحل اللوغاريتمات مكان النشاط البشري فيتحولون للعيش الافتراضي. علق البعض أن علينا أن نحول المحنة إلى مناسبة كي نتنفس الصعداء ونتغير ونبحر لنتعمق في أبعد حدود دواخل ذواتنا كي نتصالح مع أنفسنا ونسامح الأخطاء ونعيش سلاما داخليا يجلب لنا الفرح المفقود. 

لكن البعض الآخر تخوف من الحجر المنزلي ومن عزلته عن الآخرين وشوقه الآتي لهم وافتقد النشاطات التي جمعته معهم وكانت مجرد ذريعة للتلاقي. وقد يقود هذا إلى الجوع العاطفي وتبعاته.

إن انتشار الأوبئة يثير الهلع والخوف فتستعيد ذاكرة البشر أزمنة الضيق والعوز والفناء واقتراب الآخرة ونهايات العالم. فكان كورونا هو الصدمة المفاجأة التي هيأت أرضية مناسبة كي تستعيد التقاليد الإيمانية زخمها؛ من الصلوات إلى إنارة الشموع والتوسل بتراب القديسين وتزنير الكنائس بالألبسة واللجوء إلى الأدعية والتكبير على الأسطح والشرفات لكن تنتعش في نفس الوقت الشائعات والفرضيات والخرافات فتعم الفوضى في تناقل المعلومات.

إن تشوش الأفكار والمشاعر يثير الهلع فنصبح فريسة سهلة لتلقي البروباغندا وتصديق الأكاذيب على أنواعها. فالشر المستطير ينتظر عند زاوية المستقبل المهتز والغامض. فتتوسع نظريات المؤامرة وتتعدد ردات الفعل. راج جراؤها تسجيل صوتي على "واتساب" يقلد صوت المجيب الإلكتروني يلخص ردود الفعل: "أهلا بكم في لبنان في زمن كورونا، للغة المنطقية القائلة ببقائك في البيت، اضغط على الرقم 1. لنظرية ما في شي كله شقفة كريب (الرشح)، اضغط على الرقم 2. لنظرية وين السهرة اليوم وهل نمارس السكي (التزلج) غدا؟ اضغط على الرقم 3، لنظرية المؤامرة الصهيوأميركية وراء انتشار فيروس كورونا اضغط على الرقم 4. لنظرية الله والقديسين والأنبياء لن يدعوا الفيروس اللعين يطالني، اضغط على الرقم 5. لنظرية فييش انزرب بطق، اضغط على الرقم 6. نظّر متل ما بدك وقد ما بدك بس خليك بالبيت احمي حالك واحميني".

وكل ذلك يحصل على خلفية المشاكل الوجودية غير القابلة للحل والخيبات المتوالية التي يعيشها اللبناني. ناهيك عن فقدان الثقة بالمؤسسات وبالمسؤولين وتقصير الحكومة والمؤسسة الصحية في مواجهة الوباء. لذا يسمح اللجوء إلى الخرافة بتخفيف القلق وخفض التوتر.

يضاف إليها الانقسام السياسي العامودي الذي حوّل كورونا إلى سلاح اضافي في المعارك السياسية. هناك معركة تدور بين السعودية وإيران على خلفية اتهام السعودية لإيران بالمساهمة في نقل الإصابة إليها لعدم الإعلان عنهم لأخذ الاحتياطات اللازمة تجاه القادمين من إيران إلى السعودية.

وفي لبنان تتصاعد الاتهامات لجماعة "حزب الله" اللبنانية بأنها تسببت بانتشار العدوى وجعلها وباء بسبب تسييس كورونا وعدم القبول بوقف الرحلات مع إيران حتى بعد إقفالها هي نفسها الحدود مع الآخرين. مع معلومات عن استقبال مصابين إيرانيين في لبنان. بينما يصرّ الحزب على رفض التهمة بنقل العدوى وترك الحدود مشرعة حتى بعد طلب إيران مساعدة صندوق النقد الدولي لعجزها. ربما يصبح بإمكاننا الآن الاستعانة بالصندوق بعد أن سمحت إيران له "بمس سيادتها!".

فضح كورونا مخاطر العولمة في ظل عجز الدول وتراجع قدرتها على السيطرة والتنسيق بينها

يصبح من الطبيعي أن تهتز ثقة المواطن بكل ما يمس الدولة بصلة. فكل شيء يثير الشبهة والشك والحذر في ظل غياب المسؤولية. لكن المضحك المبكي حالة الإنكار المتمادية لدى المسؤولين، فنجد وزيرة الإعلام تتصدى لإدانة "الافتراءات" على الدولة اللبنانية التي يتهمها الشعب بالتقصير والتقاعس! مذكرة بشهادة العديد من السفراء "الذين أبلغوا المسؤولين اللبنانيين أن بلادهم اتخذت من إجراءات لبنان نموذجا لاعتمادها"! وتعترض على محطة تلفزيونية لرفعها شعار "حالة طوارئ" ـ مع أنها ساهمت بالحجر الطوعي من قبل كثيرين ـ ليتبين أن الشعب في لبنان أكثر مسؤولية من حكومته. 

يبدو أننا نتحول بسرعة إلى دولة استبداد، فيلاحق المغردين ويعاقب الصحفيين وكل من ينتقد أداء الحكومة. فكورونا فضح الأنظمة الاستبدادية التي تمتنع عن الإفصاح عن المصابين فيها كإيران وروسيا وتركيا وحتى مصر.

فضح كورونا مخاطر العولمة في ظل عجز الدول وتراجع قدرتها على السيطرة والتنسيق بينها. الأزمة الصحية ستترجم إذن في اضعاف الديمقراطيات عبر إظهار عجز مؤسساتها عن مواجهة الوباء بفعالية، فيما ستقوي السلطات القمعية، على غرار الصين التي استفادت من الأزمة لزيادة أدوات رقابة وضبط الجمهور بواسطة تطبيقاتها الرقمية.

لكن مهما تصاعدت أصوات الشعبويات المطالبة باستعادة الحدود والحواجز بين البلدان إلى درجة إقفالها والانتقال إلى الفيدراليات داخلها كما يريد البعض في لبنان؛ سينبثق عنها، رغم ذلك، إظهار حقيقة أن عالمنا الحالي، بكل مخاطره وانحرافاته، لديه القدرة على رفع حظوظ التعبئة والتعاون التنسيق بين الأطباء والباحثين من أجل اكتشاف المصل المضاد. وحينها لن تقفل أي حكومة حدودها بوجه هذه العولمة بل العكس، إلا إذا كانت من نمط شخصية مقتدى الصدر الذي أعلن رفضه للقاح إذا جاء من أميركا! 

مع فيروس كورونا ننتقل إلى مرحلة جديدة مفتوحة على كل الاحتمالات. ففي الوقت الذي نتعامل فيه مع الآخر كتهديد ونضع الحواجز بيننا وبينه، نجدنا أمام عالم بأسره يحمل المعقمات ويرتدي القفازات ويضع الكمامة. إنه توحيد في السلوك غير مسبوق. البشرية بأسرها تواجه التهديد الوجودي نفسه. تصبح المفارقة أن البشرية تتوحد في مواجهة خطر داهم مشترك عبر وضع السدود بين أفرادها!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
كورونا... الأرض تنتفض 0118E57E-7508-481A-BE9D-90FF27AF98F0.jpg AFP كورونا-الأرض-تنتفض 540889 في الوقت الذي نتعامل فيه مع الآخر كتهديد ونضع الحواجز بيننا وبينه، نجدنا أمام عالم بأسره يحمل المعقمات ويرتدي القفازات ويضع الكمامة. إنه توحيد في السلوك غير مسبوق 2020-03-17 11:33:49 1 2020-03-17 11:33:49 0