Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يبكون ضحايا الهجمات الانتحارية التي استهدفت سريلانكا
يبكون ضحايا الهجمات الانتحارية التي استهدفت سريلانكا

حسن منيمنة/

وفق ما تناقلته حسابات مؤيدة للجهاد، فإن "منفذي الهجوم الذي استهدف رعايا دول التحالف والنصارى في سريلانكا، أول أمس، من مقاتلي الدولة الإسلامية". الزعم جاء دون دليل، والأرجح أن العلاقة بين القتلة والتنظيم ليست مباشرة، أي أن الإعداد لسلسلة العمليات الترويعية الإجرامية التي وقعت يوم عيد الفصح لم يكن بقرار من قيادة هذا التنظيم الإرهابي، هذا إذا كانت بنى القيادة هذه ما تزال قائمة. غير أنه لا عزاء في ذلك، بل دليل جديد على الخطر المتواصل، والأصح المتعاظم، والمتحقق في أعقاب الكلام الترويجي الخاطئ عن إنزال الهزيمة بتنظيم الدولة.

فيما الاستهجان والاستنكار يصدر من كافة أرجاء العالم، من حق المسيحيين في هذا الشرق المنهك أن يضعوا هذه المأساة المستجدة والتي شهدت سقوط مئات الأبرياء من المصلين في تفجيرات انتحارية استهدفتهم في صلاتهم، في إطار الاعتداء المتواصل عليهم من جماعات جهادية إسلامية تريد اقتلاعهم من أوطانهم، بل تتحدث جهارا عن إبادتهم.

منطق الجهاد يعيش حربا عالمية بين الإسلام والكفر

​​من حقّهم استذكار ما فعلته هذه الجماعات من قتل وتدمير ونحر وإراقة دماء في العراق وسوريا ومصر وليبيا وغيرها، موثّقة ومصوّرة بإصدارات مرئية وموزعة بكل اعتزاز في الأوساط المؤيدة للجهاد والمتعاطفة معه. بل من حقّهم أن يدرجوا هذه الجرائم الجديدة في إطار تاريخي، وإن اقتصر على القريب، يشمل من المجازر التي يكاد لا يتذكرها إلا أبناء من نجا من ضحاياها، والتي أهدرت دماء المسيحيين وأرواحهم، لما هم عليه من دين وإيمان، وإن اجتهد المؤرخون بإيجاد السياق السياسي والاقتصادي لهذه الأفعال.

"القصارى في نكبات النصارى"، كتاب موجود في أكثر من موقع، ينقل شهادات مؤلمة عن بعض هذه المآسي من الأمس المباشر، من المفيد لكل قارئ للعربية الاطلاع على محتواه لاستيعاب الأحداث، لا في إطار التفسير الصادر عمّن يراجع المادة التاريخية وفق المنهجيات النظرية، بل كما عاشها من كان عند الطرف الحاد للسكين.

الاستهوان الخبيث لهذه المآسي سرعان ما يأتي من خلال الإشارة الحاضرة الجاهزة لما يقابلها من مقاتل للمسلمين وظلم لهم. بل "شفاء الصدور" المزعوم للمتداولين للمواد الجهادية على مواقع التواصل الاجتماعي، في أعقاب الاعتداء على المسجدين في نيوزيلندا يتحقق اليوم مع عدوان سريلانكا، مع الافتخار بأن رد الصاع كان أكثر من صاعين.

كاذبة هي الرواية القائلة بأن سريلانكا هي الثأر لنيوزيلندا، حيث أن التأصيل الشرعي لهذه التنظيمات قد انحدر من تجويز قتل غير المحاربين من حجة التترس والبيات ثم المماثلة إلى منطق تكفير مجهول الحال وإنكار إصالة عصمة النفس الآدمية، وتقييدها بالإسلام والذمة والعهد والزمان، مع الاستهانة في نفي كل هذه القيود. أي أن هذه الجماعات، كما يتبين جليا في ممارساتها، لا تحتاج للدافع ولا للفتوى للشروع بجرائمها، بل تقدم عليها بذاتها حيث هي قادرة على استكمال التجهيز والتنفيذ، وتدفع لها جهارا بمن تستقطبهم حيث لا حضور مباشر لها، كما يبدو الحال في سريلانكا الجريحة.

من حق المسيحيين في هذا الشرق المنهك استذكار ما فعلته هذه الجماعات من قتل وتدمير ونحر وإراقة دماء في العراق وسوريا ومصر وليبيا وغيرها
من حق المسيحيين في هذا الشرق المنهك استذكار ما فعلته هذه الجماعات من قتل وتدمير ونحر وإراقة دماء في العراق وسوريا ومصر وليبيا وغيرها

​​هو منطق تبريري اعتذاري لا يستقيم أن يكون الزعم أن جريمة سريلانكا، والتي قتلت مئات الآمنين ونكبت أهلهم وآلمت وطنا وأوطانا، هي الرد على جريمة نيوزيلندا، والتي ارتكبها متطرف شاذ قادم من خارج نيوزيلندا. نيوزيلندا التي أظهرت الخير والطيبة والجودة في عمومها، إذ التفت برمّتها، من رئيسة وزرائها الوقورة إلى مجتمعها المدني الراقي، ليقول لا لمحاولات التفرقة، وليرفع الآذان الإسلامي حيث لم يرتفع يوما، وليتكاتف الجميع مع بعضهم من المسلمين إذ استهدفهم الشر.

لن "تشفى صدور" السقامى الذين استقبلوا مقتلة الفصح في سريلانكا على أنها الانتقام لنيوزيلندا، ولكن فيما يتعدى هذه الحالات المَرَضية، فإن الخطورة ليست في المواجهة المفترضة المزعومة بين الإرهابيين، الذي قتل في نيوزيلندا والذي قتل في سريلانكا، بل في الانسجام المميت المتحقق بينهما.

صمٌ عميٌ كان أنصار الجهاد حين رحّبوا بالاعتداء على المسجدين في نيوزيلندا ضمن وشم "الإرهاب المسيحي"، والذي إذ يكشف عن أنيابه وفق تقييمهم الجاهز، يصادق على صواب الشطح المعنوي والمادي والذي يقدم عليه مجاهدوهم.

منطق الجهاد يعيش حربا عالمية بين الإسلام والكفر. هو جهاد طلب بالنسبة لمن لا يخشى في طاعته لومة لائم. لا اعتبار لديه للمجاز والخاص والمجمل والمقيّد والمنسوخ ولا لأسباب النزول، بل بما أن تلك الأشهر الحرم قد انسلخت من ألف ونيف من الأعوام، فاقتلوهم حيث وجدتموهم. على أن الغالب على أنصار الجهاد ليس هذا القول، دون الاعتراض عليه، بل نزال، ربما من باب جهاد الدفع، بين الإسلام والحملة الصليبية العالمية التي تستهدفه حسدا وطمعا، والتي إذ يشارك فيها اليهود والمشركين والعلمانيين والملحدين، هي في العمق صراع بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي.

ليس الأمر كذلك البتة في الشق المقابل. "القومية البيضاء"، والتي ينتهج من ينتقل من عقيدتها إلى مقتضاها الإرهابي سبيلا موازيا في أشكاله وأساليبه للجهاد الإسلامي، هي أيضا تشهر "الحرب المقدّسة". ولكن التقديس هنا ليس للدين، بل للعرق. هي "راهووا"، الحرب العرقية المقدسة والتي ينادي بها دعاة هذه القومية منذ عقود، والداعية إلى إيقاف التبديد الذي تعيشه المجتمعات "البيضاء" من خلال استيعاب الأعراق الدنيا. فهذه الأعراق، "شعوب الطين" وفق الطرح القومي الأبيض، لم تساهم في صياغة الحضارة لقصورها الطبيعي، ولكنها تأتي اليوم، بأعدادها المتضاعفة وعاداتها المتخلفة، لاستغلال المجتمعات "البيضاء" ولتقطف ثمار الجهد الحضاري بما تتيحه لها سياسات الهجرة والتعددية وبما فطرت عليه هي من تحايل على الأنظمة ومن استنزاف للموارد العامة. أما الدين المسيحي بالنسبة للقوميين البيض، فهو جزء وحسب من الموروث الثقافي الأبيض، مع الريبة إزاءه لأصوله اليهودية، والميل الواضح إلى تجاوزه باتجاه إعادة إحياء طقوس الوثنية السابقة له.

العدو، بالنسبة للقوميين البيض ليس المسلمين كمسلمين، بل بعض المسلمين بالنسبة لهم، مثل البوسنيين والألبانيين، هم من البيض الذين يستحب كسبهم وتحفيزهم على التخلي عن هذه العقيدة التي لا تليق بهم والمستوردة من "شعوب الطين".

المسيحي في الشرق يطاله الأذى حيثما دار

​​فأن يقتل الجهاديون مئات السريلانكيين ثأرا لعملية إرهابية قام بها قومي أبيض هو عمل ينال الرضا في صف القومية البيضاء، إذ يفضح الطبيعة الفاسدة للإسلام دون أن يكلّف العرق الأبيض ضريبة دم باهظة (وإن لم تكن معدومة، لوجود بعض السوّاح البيض في سريلانكا). بل منطقهم هو أنها "شعوب الطين" تتناحر، فلتفعل ولتبين لأصحاب القلوب الضالة الطريّة العطوفة من البيض في الغرب عبث قناعاتهم.

أما المسيحي في الشرق فيطاله الأذى حيثما دار. يقتله الجهادي لأنه غرسة صليبية في دار الإسلام (رغم أن حضوره في دياره وشهادته فيها سابقة في معظم الأحيان لقدوم الإسلام إليها)، ويُطرب لقتله مناصرو الجهاد خلف شاشتهم (دون اعتبار للأضعاف المضاعفة من المسلمين الذي قتلهم المجاهدون في حروبهم الوهمية)، ولا يعبأ لقتله القومي الأبيض في الغرب لأنه من "شعوب الطين".

المسلم والمسيحي، وكل إنسان غير منغمس في هذه الملاحم الغيبية في تصوراتها، المميتة في وقائعها، عرضة للقتل والاستباحة. أما الطائفة المنصورة الباقية إلى يوم الدين هنا، والطليعة المقاتلة الحاملة لهمّ عرقها هنالك، فهذيانهما ليس حوار طرشان رغم القراءات المتناقضة، فلا الجهاديون يخاطبون الغرب الكافر، ولا القوميون البيض يكلّمون الشرق الطيني. بل فيما القتل يفتك بالأبرياء هنا وهنالك كلٌ من القتلة بأهله منشغل، في انسجام وإن غير صريح في الرؤى، وفي اجتماع ظاهر على الأذى.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538591 4

محمد المحمود/

يواجه العالم اليوم وباءً خطيرا؛ أخطر ما فيه: سرعة وسهولة انتشاره، مخترقا كل الحدود السياسية والجغرافية، ومختبرا كل الثقافات الدينية والقومية في مصداقيتها، وفي جدواها أيضا، ومتحديا إمكانيات الدول، وفاصلا ـ في النتائج ـ بين حقائق الإنجاز التنموي وأوهامه، ومظهرا الفروق الهائلة بين الادعاءات الجوفاء وحقائق الواقع، ومعيدا ترتيب الأولويات على نحو غير مسبوق.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال؛ حتى وإن كان الاعتبار على المدى البعيد لا يتوفر عليه إلا قليل أو أقل من القليل؛ لأن ذاكرة المشاعر ـ وهي ذاكرة الجماهير/ الأغلبية الساحقة ـ قصيرة المدى، والتجارب/ الدروس الواقعية التي لا تُحوّلها الثقافة إلى أنماط عقلية مدعومة بتشكيلات مؤسساتية عامة، لا بد وأن يطويها النسيان، وتضطر الأمم لإعادة تجاربها/ آلامها من جديد.

كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته، وبالتالي؛ هو أقدر على التفسير المستغرق لكل التشكلات الثقافية المتمظهرة من خلال المسلك الإنساني الواقعي/ الوقائعي.

الوعي بالعولمة تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء

كوارث الطبيعة، مهما عظمت، تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي الخاص. الزلازل، والبراكين، وموجات التسونامي العاتية، والأعاصير المدمرة، والفيضانات الكبرى، لها مدى جغرافي لا تتعداه، وآثارها غير المباشرة تتضاءل حدتها باستمرار، وفق شروط التنائي الزماني والمكاني.

كذلك الكوارث البشرية/ الحروب وتوابعها؛ مهما عظمت، ومهما كان وقعها على ضحاياها المبشرين أقسى من وباء كرونا بآلاف المرات؛ إلا أنها تبقى محدودة جغرافيا، وبالتالي، فقدرتها التفسيرية التي نستطيع بها اختبار الثقافات تبقى ـ بالتبع ـ محدودة. فمثلا، إذا كانت الحرب العالمية الثانية أبادت الملايين من سكان أوروبا، فإن هناك شعوبا لم تعرف من ويلاتها وعذاباتها شيئا، وهناك شعوبا أخرى لم تمسها هذه الحرب الكونية إلا بأضرار جانبية/ غير مباشرة، كغلاء الأسعار وندرة بعض السلع وانقطاع بعض طرق المواصلات.

إذا كانت المنظمات الدولية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية؛ بقوة دفع مفاعيلها، والشركات العابرة للقارات، ثم الأنظمة الإعلامية والتواصلية التي جعلت العالم كله على مرمى ضغط زر في جهاز الحاسوب أو الهاتف...إلخ قنوات/ آليات العولمة، تعكس حقائق العولمة وتكشف عن تمظهراتها الواقعية، فإن هذا الوباء الفيروسي/ كورونا المستجد جعل العالم ليس قرية واحدة فحسب، بل ولا بيتا واحدا (يكون بإمكان بعض أفراده الاستقلال ببعض غرفه بحواجز/ بجدران، تمنع الرؤية/ تحفظ الأسرار/ تمنع الضرر)، وإنما جعله غرفة واحدة صغيرة ينكشف فيها الجميع على الجميع اضطرارا، ويتبادلون فيها الأسرار كما يتبادلون المصائب والآلام، ويقتسمون رغيف المستقبل ـ في لحظة الخطر الداهم ـ على حد سواء.

بناء على هذا ـ وبمنطق العولمة الأعمق والأقسى ـ لا تصبح كل دولة/ كل حكومة حُرّة تماما بما تفعله في حدود نطاقها الجغرافي/ فضائها السيادي، ولا يصبح من حق كل شعب أن يقرر خياراته الذاتية ـ بالمطلق ـ بعيدا عن العالم؛ لأن الآثار المباشرة وغير المباشرة لكل الخيارات (الحكومية والشعبية) على الآخرين، كل الآخرين أو معظمهم أو بعضهم، هي آثار متحققة على وجه اليقين.

لقد كان الباحثون في كثير من التخصصات الثقافية والعلمية، وبعض السياسيين الواعين، ومعظم المهتمين بالمسلك السياسي يدركون جيّدا أن ما يقع في قرية/ في مدينة نائية في الصين، أو في منافي سيبريا، يمكن أن يؤثر على الإنسان في قرية ما في جبال الألب، أو في صحراء الجزائر، أو في سهول تهامة الحجاز، أو في غابات نيجريا، أو في سواحل تشيلي، أو مستنقعات فيتنام. يدركون هذا على نحو عام، توقّعي، نسبي، غير مباشر، ولكنه كان حاضرا في الأذهان على الدوام.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال

نعم، هذا ما كان يدركه الباحثون والمهتمون منذ أمد بعيد، ولا يزال إدراكهم له يتصاعد بتصاعد قنوات التواصل/ التأثير، ويتعولم باتساع فضاءات العولمة. لكن، بقي وعي عموم الناس/ الجماهير العريضة، بمن فيهم بسطاء أصحاب القرار في كثير من دول العالم، قاصرا عن تصور مستوى تفاعلات العولمة ومتتالياتها، أي قاصرا عن التثاقف مع أطروحات أولئك الباحثين والمهتمين.

هنا، نضع أيدينا على المُتغيِّر الأهم في مدلولات التفاعل العالمي، الرسمي والشعبوي، مع هذا الوباء الجديد، حيث العولمة باتت تقرع كل باب، بل تضع أصابعها ـ بقوة شراسة هذا الوباء ـ في عين كل إنسان، كل إنسان بلا استثناء، فمن لم يره واقعا متجسدا، رآه خيالا كواقع، خيالا يتسلل إليه ـ بشكل متكرر، متواصل، متفاعل كحدث يصنع وقائعه ـ من خلال قنوات التواصل والإعلام. ما يعني أن الوعي بالعولمة ـ الوعي على نحو عملي ـ تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء.

لقد تعمّق الوعي بالعولمة من حيث كون الأمر لم يعد تشابك مصالح على نحو يغدو معه التأثير نسبيا، ومن ثم، يقع في دائرة الخيارات ومُقَايَسة مستوى التضحيات، بل غدا التأثير حاسما/ مصيريا، إذ أدرك الجميع ـ وخاصة بعد تعولم الوباء ـ أن ما يحدث في مدينة صينية لم يسمعوا بها من قبل، لا يؤثر على تيسير أو تعسير نمط من أنماط حياتهم فحسب (كما كان الأمر من قبل في بعض المخترعات التقنية)، بل بات يؤثر في وجودهم ذاته، في حياتهم/ موتهم. 

وطبعا، الوعي بهذا التهديد لا يُشْترط فيه "المباشرية الوقائعية"، أي أن يروا قوافل توابيت الموتى أمام أعينهم في واقعهم، بل يكفي أن ينظروا إليها من خلال الشاشة إعلاميا/ تواصليا، ويروه في الواقع ملموسا من خلال متواليات وقائع الرعب المتمثلة في الشلل الاستثنائي لكثير من أنماط الحياة الطبيعية/ المعتادة. فالأجواء الاستثنائية التي لم تحصل حتى في أزمنة الحروب الكبرى، باتت تعمّق الإحساس بالخطر؛ من حيث هي تعمّق الإحساس بوحدة المصير الإنساني، والعكس صحيح؛ إذ لا أحد، لا أحد بالمطلق، بمنجاة من هذا الخطر الذي يتهدد الوجود ذاته، وليس فقط طبيعة الوجود، وجود كل أحد، وليس وجود بعض دون بعض، فلا أحد يمتلك حصانة، وأصاب بالفعل مشاهير من كافة الميادين، بل وطرق أبواب كثير من قادة العالم الكبار.

من جهة أخرى، بات الوعي بالعولمة يتوسّع نطاقه ليشمل حتى أولئك الذين ظنوا في يوم من الأيام أنهم قادرون على الانزواء عنها، وبالتالي، التحرر من كل آثارها، أو من معظمها على الأقل. اليوم، يجعلهم هذا الوباء في قلب تفاعلات العولمة قسرا. إنهم إن استطاعوا في يوم من الأيام الهروب من أضرارها الحقيقية أو المتوهمة، فهم اليوم ـ وعلى الرغم منهم ـ أصبحوا وجها لوجه مع مخالبها وأنيابها الحادة التي تهددهم بالافتراس. وتكون المفارقة أن لا نجاة لهم من مخالب هذه العولمة إلا بالدخول معها في تفاعل أكبر وأشمل.

لقد توسع نطاق العولمة حتى رأينا أولئك الذين لم يسمعوا بالعولمة في يوم من الأيام، أو سمعوا بها كمصطلح عابر، أقصد: مئات الملايين من البشر الذين هم الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب الحي، وقد أصبحوا يعون ـ عمليا، وبدرجة عميقة بعمق خطر المرض/ خطر الموت ـ أنهم مُتَعَولِمون؛ حتى وإن جهلوا كل كلام المثقفين وكبار الساسة والاقتصاديين عن العولمة طبيعة وآثارا وتطلعات. ما يعني أن كل إنسان وعي العولمة من خلال وعيه بأن مصيره قد يكون مرتبطا بمصير أي إنسان في أي مكان.

ولأن هذا الوباء الخطير أصبح وباء عالميا/ متعولما، فقد أصبحت ردّات الفعل عليه متنوعة بحجم تنوع واختلاف الثقافات في هذا العالم؛ حتى وإن كان الرد الرسمي: الصحي/ الحكومي ـ المؤسساتي في العالم كله، متشابها إلى حد كبير في طبيعة الإجراءات الوقائية أو العلاجية. ففي القرارات التي تدفع بها الثقافات التي تنظر لصحة الإنسان بوصفها مسؤولية فردية، أو بوصفها ليست أولوية بالمطلق؛ شاهدنا التراخي الذي قاد إلى مصائر كارثية، تكاد ـ بقوة العولمة ـ أن تقود العالم كله إلى مصير مجهول.

أما في الثقافات المتخمة بالخرافة، فقد رأينا كيف أن الأغبياء من سدنة هياكل المقدس يُجاهِرون بل ويُفاخِرون بكسر يقينيات الطب، ويستخفون بالتعليمات الصحية الوقائية؛ فيرفضون فضّ الاجتماعات التي تتقارب فيها الأجساد بل تتلاصق، وأكثر من ذلك، رأيناهم يبيعون الوهم لأتباعهم السذج، فيزعمون أن أماكن القداسة تمتلك قدرات خارقة على تطهير الفضاء المقدس من الوباء، أو أن المصلين يمنحهم الله قدرة وقائية استثنائية لأنهم في صلاة/ اتصال روحاني مع الله!.

لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية

تحت وقع الإحساس العميق بالمسؤولية، تصدر كثير من الحكومات قرارات حازمة بمنع التجمّع، بل تُعطّل المدارس، وتلغي الفعاليات، وتغلق المتاجر الكبرى، وتُعلّق معظم الاجتماعات؛ إن لم يكن كلها، وتمنح الموظفين إجازات إجبارية مدفوعة الأجر؛ كل هذا لتساعد الشعوب على تنفيذ التوجيهات للبقاء في البيوت. 

لكن، تجد الثقافة المجتمعية/ الشعبوية بالمرصاد لكل تلك القرارات الإيجابية، إذ لا تكتفي بتفريغ تلك القرارات من مضامينها، بل إنها تقلبها إلى عكس المتوقع منها، حيث تُبادِر هذه الجماهير إلى استغلال هذا التعطيل المؤقت (التعطيل للنشاطات الرسمية العامة) فتعقد الاجتماعات العائلية الكبرى، وتخرج للأسواق والمتنزهات؛ دونما أدنى استشعار للخطر، على الرغم من علمها بالخطر، وعلى الرغم من تكرار التحذير على أوسع نطاق.

طبعا، هنا المعضلة الثقافية، فأنت لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية. المسألة لها أبعادها الثقافية/ التربوية التي تأخذ ـ بالضرورة ـ تخطيطا شموليا/ متضافرا، متتابعا في مدى زمني طويل.

لا يمكن أن تقنع المتدين الساذج بعدم الذهاب للمسجد، والاكتفاء بالصلاة في البيت؛ لأن الوقوف في صف واحد، وبأجساد متلاصقة؛ للصلاة، هو أخطر ـ في هذا الظرف الصحي العام ـ من معظم صور الاجتماع التي تُحذّر وزارات الصحة منها. لا تستطيع أن تقنعه بهذا؛ لأن وعيه تشبّع بمفاهيم تجحد منطق العلوم، أو هي تَزْورّ عنه، أو هي تستخف به في أحسن الأحوال.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الوباء والعولمة والثقافة DF9FFA06-1C3A-440E-8158-D4238A39ADF5.jpg AFP الوباء-والعولمة-والثقافة 540888 كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته 2020-03-17 11:31:17 1 2020-03-17 11:32:17 0