Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

من تظاهرة بمناسبة عيد العمال في بيروت عام 2014
من تظاهرة بمناسبة عيد العمال في بيروت عام 2014

حسن منيمنة/

الأول من مايو هو عيد العمال في مختلف أنحاء العالم (ولكن ليس في الولايات المتحدة، رغم أن المناسبة هي لتخليد ذكرى حادثة وقعت في مدينة شيكاغو الأميركية عام 1886). بل الأول من مايو هو عيد اليسار العالمي، وتاريخ احتفال الأحزاب الشيوعية والاشتراكية بنضالها وإنجازاتها. وإذا كان سجل اليسار في العديد من الدول ملتبسا، فإن ارتباكه في المحيط العربي يبدو مضاعفا. وإذا كانت ثمة إعادة نظر بإعلان موت اليسار في الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة، فإن المقابل في السياق العربي يبدو غائبا على أكثر من صعيد.

واقع الحال أن تسمية "اليسار" تنطبق على مسميات مختلفة في طبيعتها وأدوارها. لا بد بالتالي من بعض الفرز والتبيان للمستويات وللمصطلحات والمفاهيم.

اليمين هو تغليب الحرية، واليسار هو تغليب العدالة

​​التسمية المختزلة "يسار" و"يمين" تعود تاريخيا إلى أماكن جلوس ممثلي الشعب في مجلس النواب في فرنسا خلال المرحلة الثورية، عند نهاية القرن الثامن عشر، واصطفافهم يسارا ويمينا وفق التماهي في قناعاتهم العقائدية. هي القناعات التي تشكلت في عصر الأنوار والتي أسست لقراءات مبدئية متواجهة لماهية حركة التاريخ، توسّع فيها نظريا العديد من المفكرين الغربيين في معالجتهم لطبيعة الإنسان، وأشكال اجتماعه واقتصاده، وهيئة السلطة، وتوجهات استتبابها بما يقترب من القيمة العليا لوجوده. المساهمات العربية عند هذا المستوى لم تكن معدومة، وإن لحقت بالركب متأخرة قرن ونيّف، ومنها على سبيل المثال نتاج كل من سمير أمين والشهيد مهدي عامل.

وقد تكون إحدى الوسائل للتقديم الإجمالي لهذا السجال الحضاري الذي انطلق من عصر الأنوار ولا يزال مستمرا إلى اليوم هي في إرجاع الاختلاف بين "اليمين" و"اليسار"، على المستوى المبدئي، إلى التغليب المواجه لدى كل منهما لإحدى قيمتين كقيمة عليا. فاليمين هو تغليب الحرية، واليسار هو تغليب العدالة.

ولا شك بأن كافة الطروحات الناضجة الصادقة المنتجة الساعية إلى استشفاف صيغة بناءة لحياة الإنسان في مجتمعه تقوم على اعتبار لكل من الحرية والعدالة في تشكّلها. غير أن فعل الموازنة هذا إن جاء ليقدّم الحرية على العدالة، بما يقتضي ذلك من إبراز لدور الفرد كمحرّك للمجتمع والدولة والتاريخ، صحّ وصفه اصطلاحا باليميني، وإلا فهو يساري، إن قدّم العدالة، بما هي من نتيجة متحصلة من جمع المساواة النظرية والأخوّة العملية، على الحرية، مع ما يستدعيه ذلك من التركيز على الجماعة المتعاضدة لتجنب تحوّل التفاوت بين الأفراد بحكم ميراثاتهم إلى علاقات قوة تستنزف الحقوق.

أما الحرياتية الداعية إلى إطلاق الحرية على أنها الطبيعة الإنسانية الصافية، وإن بدت أنانية وجشعا (لدى آين راند مثلا) كما الشيوعية النظرية القائلة بأن قدر الإنسانية أن يكون لكل وفق حاجته ومن كل حسب طاقته، وإن ظهرت وكأنها دعوة إلى الرتابة والخمول، فهي مغامرات فكرية وحسب وأشكال قصوى للتغليب، والذي لا يستقيم على أرض الواقع ولا يحتمل إلا اعتبار القيمة المغلوبة.

والعلاقة بين هذا المستوى المبدئي، أي جدلية الحرية والعدالة، والمستوى السياسي، أي صياغة البرامج العملية الكفيلة بمعالجتها، كانت اسمية في العديد من الأحيان قبل أن تخلي السبيل صراحة لمقولات بديلة حول الاختلاف بين اليمين واليسار. إذ يصعب استشفاف السعي إلى تحقيق العدالة والتأسيس لإنسان جديد ومجتمع خالٍ من الطبقية في تجربة لينين وستالين، والتي أرادت أن تكون تجسيدا للفكر اليساري، بما اقترفته من مجازر ومظالم، كما يستحيل الإقرار لخصمها الغربي، والمتشبث بمستعمراته ثم ما آلت إليه من امتيازات، بأن الحرية الفردية كانت محرّكه.

يمكن القول إن اليسارية في المحيط العربي كانت ولا تزال وحسب شكلا آخر من أشكال الفئوية العشائرية

​​أي أن الحروب العالمية، بما فيها الحرب الباردة، والتي غالبا ما تصوّر على أنها مواجهات عقائدية، هي أقرب استقرائيا إلى الصدام بين التكتلات المتماهية في سعيها إلى تعظيم مكاسبها، وإن تحت شعارات الانتصار للاشتراكية أو الرأسمالية. فما يعنيه أن يكون الحزب الحاكم في الصين اليوم شيوعيا، في حين أن التحول الرأسمالي قد جعل من الصين ضمن أولى المراتب الاقتصادية عالميا، هو أن للصين سلطة مركزية واقتصاد موجّه (إلى حد ما)، لا أن الصين ملتزمة بتجسيد الشيوعية المبدئية.

وإذا كان التباعد بين المستوى المبدئي والمستوى السياسي قائما عالميا، فهو كذلك وبشكل مضاعف في السياق العربي. بل يمكن القول إن اليسارية في المحيط العربي كانت ولا تزال وحسب شكلا آخر من أشكال الفئوية العشائرية المتأصلة في مجتمعاته.

لا بد بالطبع من المثابرة على نقد البنى السياسية والاجتماعية سعيا للأصلح، عربيا وعالميا على حد سواء. غير أن يلزم أيضا عدم الإفراط بالطعن لعدم تماثل ما هو قائم مع التصورات المبنية على اعتبار التجارب الخارجية وحسب. تكثر في هذا الصدد فوقية فكرية في غير محلّها تسفّه من البنى القائمة وتفترض تخلفها، في حين أن هذه البنى، وإن ربما لم تعد صالحة، تنضوي على منطق ضمني يخدم مجتمعاتها.

فالإطار القبلي أو العشائري، والذي غالبا ما يحظى بالإشارة المسقطة على أنه تعبير عن تخلف حضاري أو سياسي لميله إلى التشظي، بما يحمّله تهمة تهديد الاستقرار، وإعادة الاصطفاف، بما يلقي عليه تهمة انعدام الولاء والميل إلى تأييد الأقوى، كان الوسيلة اللينة للدفاع عن القائم قبل قيام الدولة العصرية ولا يمكن توقع تلاشيه دون أن ترتقي هذه الدولة إلى ما يخدم قاعدتها. فوصف اليسارية بالعشائرية ليس طعنا بل سعي إلى مقاربة موضوعية.

فما حدث في السياق العربي لم يكن تلاشي القديم مع بروز الجديد، بل قد يكون أقرب إلى عكس ذلك. أي أن الدولة العصرية والتسميات السياسية المستحدثة، وتحديدا اليسار، هي التي تماهت مع الطبيعة الفئوية للإطار العشائري، وإن لم تقرّ القراءة النظرية بذلك.

وفي الفكر اليساري العربي المتداول خلال عقود ما قبل الإسلامية، كان توصيف اليمين على أنه الفرز العامودي للمجتمع والذي يحبّذ فئة (قومية أو عرقية أو طائفية) على غيرها ويعتمد بالتالي اعتبارات ثقافية للربط بين الشرائح ضمن هذا المفروز العامودي في تعمية للطبيعة الطبقية للمجتمعات وذلك بغية تمكين الاستغلال؛ فيما اليسار هو الفرز الأفقي للمجتمع والمبني على الاعتبارات الاقتصادية الموضوعية التي تجمع بين من هم في الطبقات الدنيا الكبيرة المستغَلة (بفتح الغين) والمتشاركين بمصالحهم في مواجهة القلة الحاكمة الثرية المستغِلة (بكسر الغين).

هذا نظريا، أما عمليا، مع بعض التعميم، فاليسار في غالب المحيط العربي لم يكن توجها عقائديا قادر على الاستقطاب بقوة الحجة وبطرح يغلّب العدالة بقدر ما كان الإطار لعشيرة أخرى، وإن أقل عامودية في بعض الأحيان.

أما اليوم فما تبقى من اليسار هو عشيرة من ليس إسلاميا، أو ربما من ليس عروبيا، أو من أراد كمّا من الحداثة مع بعض التباين إزاء الغرب. بل العشيرة اليسارية في الكثير من المواقع العربية، في داحسها وغبرائها مع غريمتها الإسلامية، لا تجد حرجا بأن ترفع الكأس لنظام بطش بشعبه في سوريا، أو أن تمجّد قيصر روسيا الجديد، متسلحة بتسطيح يزعم بأنه والغرب سيّان.

الحاجة تبرز مجددا لأصوات يسارية لمحاورة الأصوات اليمينية الصادقة

​​منذ ستينيات القرن الماضي، أدرك اليسار الغربي أن البعد الاقتصادي، الطبقي الأفقي، ليس وحيدا في استقطابه للفرد، والذي غالبا ما يجد الملاذ في الانتماء الثقافي، الهوياتي العامودي، فجرى تقصي مسألة إيفاء "الاقتصاد المعنوي" حقّه مع الاعتبار المتواصل للاقتصاد السياسي.

مع استئثار السلطوية الشمولية ضمن المنظومة الاشتراكية بتمثيل اليسار عالميا، ومع فشل اليسار الغربي، إلا في الدول الإسكندنافية، في ترجمة مقولاته إلى برامج ناجعة، كان من الطبيعي أن تتضرر الصورة اليسارية. والمفارقة هي أن ما استنزف الرصيد اليساري هو اعتماد الأحزاب المصنّفة يمينية في الغرب لبعض طروحاته حول العدالة الاجتماعية وتطبيقها لبرامج العناية والرعاية.

أما اليوم فمع عودة الهوياتية الخطرة شرقا وغربا، فإن الحاجة تبرز مجددا لأصوات يسارية، بمعنى الأصلي لتغليب العدالة مع اعتبار الحرية، لمحاورة الأصوات اليمينية الصادقة، المقدّمة للحرية مع مراعاة العدالة. ثمة مؤشرات إلى أن ما يفي هذه الحاجة يسير نحو التشكل في الغرب. وقد يكون على الإطار العربي، حيث انشغال ما تبقى من اليسار هو بمقارعة، دون تأثير يذكر، للطروحات الهوياتية المختلفة، فربما أن المطلوب هو الصبر والانتظار.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538591 4

محمد المحمود/

يواجه العالم اليوم وباءً خطيرا؛ أخطر ما فيه: سرعة وسهولة انتشاره، مخترقا كل الحدود السياسية والجغرافية، ومختبرا كل الثقافات الدينية والقومية في مصداقيتها، وفي جدواها أيضا، ومتحديا إمكانيات الدول، وفاصلا ـ في النتائج ـ بين حقائق الإنجاز التنموي وأوهامه، ومظهرا الفروق الهائلة بين الادعاءات الجوفاء وحقائق الواقع، ومعيدا ترتيب الأولويات على نحو غير مسبوق.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال؛ حتى وإن كان الاعتبار على المدى البعيد لا يتوفر عليه إلا قليل أو أقل من القليل؛ لأن ذاكرة المشاعر ـ وهي ذاكرة الجماهير/ الأغلبية الساحقة ـ قصيرة المدى، والتجارب/ الدروس الواقعية التي لا تُحوّلها الثقافة إلى أنماط عقلية مدعومة بتشكيلات مؤسساتية عامة، لا بد وأن يطويها النسيان، وتضطر الأمم لإعادة تجاربها/ آلامها من جديد.

كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته، وبالتالي؛ هو أقدر على التفسير المستغرق لكل التشكلات الثقافية المتمظهرة من خلال المسلك الإنساني الواقعي/ الوقائعي.

الوعي بالعولمة تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء

كوارث الطبيعة، مهما عظمت، تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي الخاص. الزلازل، والبراكين، وموجات التسونامي العاتية، والأعاصير المدمرة، والفيضانات الكبرى، لها مدى جغرافي لا تتعداه، وآثارها غير المباشرة تتضاءل حدتها باستمرار، وفق شروط التنائي الزماني والمكاني.

كذلك الكوارث البشرية/ الحروب وتوابعها؛ مهما عظمت، ومهما كان وقعها على ضحاياها المبشرين أقسى من وباء كرونا بآلاف المرات؛ إلا أنها تبقى محدودة جغرافيا، وبالتالي، فقدرتها التفسيرية التي نستطيع بها اختبار الثقافات تبقى ـ بالتبع ـ محدودة. فمثلا، إذا كانت الحرب العالمية الثانية أبادت الملايين من سكان أوروبا، فإن هناك شعوبا لم تعرف من ويلاتها وعذاباتها شيئا، وهناك شعوبا أخرى لم تمسها هذه الحرب الكونية إلا بأضرار جانبية/ غير مباشرة، كغلاء الأسعار وندرة بعض السلع وانقطاع بعض طرق المواصلات.

إذا كانت المنظمات الدولية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية؛ بقوة دفع مفاعيلها، والشركات العابرة للقارات، ثم الأنظمة الإعلامية والتواصلية التي جعلت العالم كله على مرمى ضغط زر في جهاز الحاسوب أو الهاتف...إلخ قنوات/ آليات العولمة، تعكس حقائق العولمة وتكشف عن تمظهراتها الواقعية، فإن هذا الوباء الفيروسي/ كورونا المستجد جعل العالم ليس قرية واحدة فحسب، بل ولا بيتا واحدا (يكون بإمكان بعض أفراده الاستقلال ببعض غرفه بحواجز/ بجدران، تمنع الرؤية/ تحفظ الأسرار/ تمنع الضرر)، وإنما جعله غرفة واحدة صغيرة ينكشف فيها الجميع على الجميع اضطرارا، ويتبادلون فيها الأسرار كما يتبادلون المصائب والآلام، ويقتسمون رغيف المستقبل ـ في لحظة الخطر الداهم ـ على حد سواء.

بناء على هذا ـ وبمنطق العولمة الأعمق والأقسى ـ لا تصبح كل دولة/ كل حكومة حُرّة تماما بما تفعله في حدود نطاقها الجغرافي/ فضائها السيادي، ولا يصبح من حق كل شعب أن يقرر خياراته الذاتية ـ بالمطلق ـ بعيدا عن العالم؛ لأن الآثار المباشرة وغير المباشرة لكل الخيارات (الحكومية والشعبية) على الآخرين، كل الآخرين أو معظمهم أو بعضهم، هي آثار متحققة على وجه اليقين.

لقد كان الباحثون في كثير من التخصصات الثقافية والعلمية، وبعض السياسيين الواعين، ومعظم المهتمين بالمسلك السياسي يدركون جيّدا أن ما يقع في قرية/ في مدينة نائية في الصين، أو في منافي سيبريا، يمكن أن يؤثر على الإنسان في قرية ما في جبال الألب، أو في صحراء الجزائر، أو في سهول تهامة الحجاز، أو في غابات نيجريا، أو في سواحل تشيلي، أو مستنقعات فيتنام. يدركون هذا على نحو عام، توقّعي، نسبي، غير مباشر، ولكنه كان حاضرا في الأذهان على الدوام.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال

نعم، هذا ما كان يدركه الباحثون والمهتمون منذ أمد بعيد، ولا يزال إدراكهم له يتصاعد بتصاعد قنوات التواصل/ التأثير، ويتعولم باتساع فضاءات العولمة. لكن، بقي وعي عموم الناس/ الجماهير العريضة، بمن فيهم بسطاء أصحاب القرار في كثير من دول العالم، قاصرا عن تصور مستوى تفاعلات العولمة ومتتالياتها، أي قاصرا عن التثاقف مع أطروحات أولئك الباحثين والمهتمين.

هنا، نضع أيدينا على المُتغيِّر الأهم في مدلولات التفاعل العالمي، الرسمي والشعبوي، مع هذا الوباء الجديد، حيث العولمة باتت تقرع كل باب، بل تضع أصابعها ـ بقوة شراسة هذا الوباء ـ في عين كل إنسان، كل إنسان بلا استثناء، فمن لم يره واقعا متجسدا، رآه خيالا كواقع، خيالا يتسلل إليه ـ بشكل متكرر، متواصل، متفاعل كحدث يصنع وقائعه ـ من خلال قنوات التواصل والإعلام. ما يعني أن الوعي بالعولمة ـ الوعي على نحو عملي ـ تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء.

لقد تعمّق الوعي بالعولمة من حيث كون الأمر لم يعد تشابك مصالح على نحو يغدو معه التأثير نسبيا، ومن ثم، يقع في دائرة الخيارات ومُقَايَسة مستوى التضحيات، بل غدا التأثير حاسما/ مصيريا، إذ أدرك الجميع ـ وخاصة بعد تعولم الوباء ـ أن ما يحدث في مدينة صينية لم يسمعوا بها من قبل، لا يؤثر على تيسير أو تعسير نمط من أنماط حياتهم فحسب (كما كان الأمر من قبل في بعض المخترعات التقنية)، بل بات يؤثر في وجودهم ذاته، في حياتهم/ موتهم. 

وطبعا، الوعي بهذا التهديد لا يُشْترط فيه "المباشرية الوقائعية"، أي أن يروا قوافل توابيت الموتى أمام أعينهم في واقعهم، بل يكفي أن ينظروا إليها من خلال الشاشة إعلاميا/ تواصليا، ويروه في الواقع ملموسا من خلال متواليات وقائع الرعب المتمثلة في الشلل الاستثنائي لكثير من أنماط الحياة الطبيعية/ المعتادة. فالأجواء الاستثنائية التي لم تحصل حتى في أزمنة الحروب الكبرى، باتت تعمّق الإحساس بالخطر؛ من حيث هي تعمّق الإحساس بوحدة المصير الإنساني، والعكس صحيح؛ إذ لا أحد، لا أحد بالمطلق، بمنجاة من هذا الخطر الذي يتهدد الوجود ذاته، وليس فقط طبيعة الوجود، وجود كل أحد، وليس وجود بعض دون بعض، فلا أحد يمتلك حصانة، وأصاب بالفعل مشاهير من كافة الميادين، بل وطرق أبواب كثير من قادة العالم الكبار.

من جهة أخرى، بات الوعي بالعولمة يتوسّع نطاقه ليشمل حتى أولئك الذين ظنوا في يوم من الأيام أنهم قادرون على الانزواء عنها، وبالتالي، التحرر من كل آثارها، أو من معظمها على الأقل. اليوم، يجعلهم هذا الوباء في قلب تفاعلات العولمة قسرا. إنهم إن استطاعوا في يوم من الأيام الهروب من أضرارها الحقيقية أو المتوهمة، فهم اليوم ـ وعلى الرغم منهم ـ أصبحوا وجها لوجه مع مخالبها وأنيابها الحادة التي تهددهم بالافتراس. وتكون المفارقة أن لا نجاة لهم من مخالب هذه العولمة إلا بالدخول معها في تفاعل أكبر وأشمل.

لقد توسع نطاق العولمة حتى رأينا أولئك الذين لم يسمعوا بالعولمة في يوم من الأيام، أو سمعوا بها كمصطلح عابر، أقصد: مئات الملايين من البشر الذين هم الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب الحي، وقد أصبحوا يعون ـ عمليا، وبدرجة عميقة بعمق خطر المرض/ خطر الموت ـ أنهم مُتَعَولِمون؛ حتى وإن جهلوا كل كلام المثقفين وكبار الساسة والاقتصاديين عن العولمة طبيعة وآثارا وتطلعات. ما يعني أن كل إنسان وعي العولمة من خلال وعيه بأن مصيره قد يكون مرتبطا بمصير أي إنسان في أي مكان.

ولأن هذا الوباء الخطير أصبح وباء عالميا/ متعولما، فقد أصبحت ردّات الفعل عليه متنوعة بحجم تنوع واختلاف الثقافات في هذا العالم؛ حتى وإن كان الرد الرسمي: الصحي/ الحكومي ـ المؤسساتي في العالم كله، متشابها إلى حد كبير في طبيعة الإجراءات الوقائية أو العلاجية. ففي القرارات التي تدفع بها الثقافات التي تنظر لصحة الإنسان بوصفها مسؤولية فردية، أو بوصفها ليست أولوية بالمطلق؛ شاهدنا التراخي الذي قاد إلى مصائر كارثية، تكاد ـ بقوة العولمة ـ أن تقود العالم كله إلى مصير مجهول.

أما في الثقافات المتخمة بالخرافة، فقد رأينا كيف أن الأغبياء من سدنة هياكل المقدس يُجاهِرون بل ويُفاخِرون بكسر يقينيات الطب، ويستخفون بالتعليمات الصحية الوقائية؛ فيرفضون فضّ الاجتماعات التي تتقارب فيها الأجساد بل تتلاصق، وأكثر من ذلك، رأيناهم يبيعون الوهم لأتباعهم السذج، فيزعمون أن أماكن القداسة تمتلك قدرات خارقة على تطهير الفضاء المقدس من الوباء، أو أن المصلين يمنحهم الله قدرة وقائية استثنائية لأنهم في صلاة/ اتصال روحاني مع الله!.

لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية

تحت وقع الإحساس العميق بالمسؤولية، تصدر كثير من الحكومات قرارات حازمة بمنع التجمّع، بل تُعطّل المدارس، وتلغي الفعاليات، وتغلق المتاجر الكبرى، وتُعلّق معظم الاجتماعات؛ إن لم يكن كلها، وتمنح الموظفين إجازات إجبارية مدفوعة الأجر؛ كل هذا لتساعد الشعوب على تنفيذ التوجيهات للبقاء في البيوت. 

لكن، تجد الثقافة المجتمعية/ الشعبوية بالمرصاد لكل تلك القرارات الإيجابية، إذ لا تكتفي بتفريغ تلك القرارات من مضامينها، بل إنها تقلبها إلى عكس المتوقع منها، حيث تُبادِر هذه الجماهير إلى استغلال هذا التعطيل المؤقت (التعطيل للنشاطات الرسمية العامة) فتعقد الاجتماعات العائلية الكبرى، وتخرج للأسواق والمتنزهات؛ دونما أدنى استشعار للخطر، على الرغم من علمها بالخطر، وعلى الرغم من تكرار التحذير على أوسع نطاق.

طبعا، هنا المعضلة الثقافية، فأنت لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية. المسألة لها أبعادها الثقافية/ التربوية التي تأخذ ـ بالضرورة ـ تخطيطا شموليا/ متضافرا، متتابعا في مدى زمني طويل.

لا يمكن أن تقنع المتدين الساذج بعدم الذهاب للمسجد، والاكتفاء بالصلاة في البيت؛ لأن الوقوف في صف واحد، وبأجساد متلاصقة؛ للصلاة، هو أخطر ـ في هذا الظرف الصحي العام ـ من معظم صور الاجتماع التي تُحذّر وزارات الصحة منها. لا تستطيع أن تقنعه بهذا؛ لأن وعيه تشبّع بمفاهيم تجحد منطق العلوم، أو هي تَزْورّ عنه، أو هي تستخف به في أحسن الأحوال.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الوباء والعولمة والثقافة DF9FFA06-1C3A-440E-8158-D4238A39ADF5.jpg AFP الوباء-والعولمة-والثقافة 540888 كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته 2020-03-17 11:31:17 1 2020-03-17 11:32:17 0