Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الفنان المصري عادل إمام خلال مهرجان قرطاج في تونس عام 2016
الفنان المصري عادل إمام خلال مهرجان قرطاج في تونس عام 2016

رياض عصمت/

بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، يزداد إقبال الجماهير العربية على متابعة المسلسلات التلفزيونية، وبالأخص منها المصرية والسورية وبعض اللبنانية. أصبح هذا الشهر من كل عام شهر الذروة في متابعة التلفزيون، بحيث تتنافس الشركات على إنتاج ثلاثين حلقة كي تحظى بفرصة بيع المسلسل بسعر أعلى لبعض لفضائيات الهامة خلال رمضان.

ذات يوم، سألني مسؤول سياسي رفيع المستوى: "هل يوجد في تلفزيوننا (التلفزيون السوري) ما يستحق المشاهدة غير نشرة الأخبار؟" أجبت بدهشة: "في الواقع، توجد أشياء عديدة أخرى تلفت انتباه المشاهدين وتستحق المتابعة، منها المسلسلات الدرامية".

أدهشتني ردة فعل المسؤول، إذ برم شفتيه في عدم تصديق لما أقوله، وعلق قائلا: "برأيي، كل شيء متوفر اليوم عبر الإنترنت ويوتيوب. لذا، لا يوجد ما هو جدير بالمتابعة على شاشة التلفزيون سوى نشرة الأخبار المحلية. باقي الأشياء مجرد عبث ولهو وإضاعة وقت".

في السياسة، كثيرا ما نجد السياسي يكذب وهو عارف بأنه يكذب

​​اعترضت بأدب: "اعذرني، ولكن ربما كانت الأغلبية العظمى من الناس تنتظر نشرة الأحوال الجوية أكثر من نشرة الأخبار في محطاتنا المحلية". رفع المسؤول حاجبيه متسائلاً، فأكملت: "ذلك لأن نشرة الأحوال الجوية تملك مصداقية".

عقد المسؤول حاجبيه ورمقني نظرة عتاب، فاستدركت قائلا: "كما أن الأخبار متاحة في عصرنا ـ كما تفضلتم ـ عبر الإنترنت ويوتيوب، وأيضا عبر عديد جدا من القنوات الفضائية العربية والأجنبية بمختلف لغات العالم". فكر المسؤول لحظة، ثم قال: "لديك وجهة نظر تستحق التأمل والتفكير. ما هو الحل برأيك كي نجعل الناس يتابعون ما نبثه في نشرات أخبارنا وبرامجنا السياسية الموجهة؟"

أجبت: "إذا أرادت محطاتنا المحلية أن تنافس بأخبارها العربية والعالمية فعلا، عليها أن تتعلم كيف تجاريها في الصراحة والجرأة، بل أن تتفوق عليها وتسبقها".

سألني بارتياب: "وكيف يمكن لهذا أن يتحقق؟" قلت: "بالإقناع والموضوعية والانفتاح على تقديم الرأي والرأي الآخر. هذا وحده ما يجعل الموقف السياسي مبررا وقابلا للوصول والتأثير. وهذا لا يتحقق إلا بإدراك عميق لعناصر الدراما".

في الواقع، كثيرا ما واجهني السؤال حتى بتُّ أطرحه على نفسي: هل هناك فائدة للدراما في عصرنا المتميز بسهولة إيصال المعلومات عبر الإنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي؟ هل ما زال الناس في مختلف بلدان العالم بحاجة إلى أن يرتادوا المسارح لرؤية أعمال شكسبير وإبسن وتشيخوف وبرشت ووليامز وميلر وسواهم؟ هل ما زالت هناك حاجة لأولئك الكتاب الجدد الذين يؤلفون أعمالا درامية معاصرة؟ وهل يقبل على متابعة إنتاجهم سوى القلة من أصدقائهم الخلَّص؟

بالتالي، ما الفائدة المرجوة من إنتاج المسلسلات الدرامية التلفزيونية سوى تزجية الوقت والترفيه عن البشر، خاصة نسيان معاناة الجوع والعطش والانتظار لتحصيل الخبز والبنزين وسواهما من المواد الأساسية في شهر الصوم؟ أليس هدفها التسلية المحضة وملء الفراغ، لا أكثر؟ ثم، هل يرتاد الجمهور دور السينما ويتابعون الأفلام لأي دافع سوى البحث عن الإبهار والخيال والإثارة والمغامرة بحيث يهربون من واقعهم المرير، ويقتلون الروتين المهيمن على حياتهم الاجتماعية؟ الأجوبة التي توصلت إليها على تلك الأسئلة هي النفي.

أثبتت الوقائع التاريخية أن المسرح لم يمت مع ظهور السينما، ولم تمت السينما مع ظهور التلفزيون، وبقيت جميعا على قيد الحياة مع ظهور الإنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي.

في الحقيقة، ساعد ظهور كل نمط تقني جديد على اكتساب النمط القديم لغة تعبيره الخاصة، وتحليه بتميز ساعده على البقاء ومخاطبة قطاع معين من الجمهور، بل تجاوز الحدود الجغرافية أحيانا ليكتسب إلى جانب الخلود طابع العالمية والإنسانية.

عندما يطرح السؤال عن كيفية تحديد الشخصية في الدراما، سواء المسرحية أم السينمائية أم التلفزيونية، فإن الجواب المنطقي هو الإشارة إلى ثلاثة وسائل تنبع جميعا من النص الذي كتبه مؤلف. الوسيلة الأولى هو ما تقوله الشخصية عن نفسها ضمن الحوار المكتوب. الوسيلة الثانية هي ما تقوله باقي الشخصيات عن تلك الشخصية المحورية. أما الوسيلة الثالثة والأهم فهي ما تقدم الشخصية على فعله، حسب المقولة القائلة: "إن الكلمات تكذب، بينما الأفعال وحدها هي الصادقة".

أثبتت الوقائع التاريخية أن المسرح لم يمت مع ظهور السينما

​​تنطبق تلك المقولة على دعاوى السياسة والسياسيين، حيث كثيرا ما يتناقض القول مع الفعل، والخطاب مع الممارسة. في السياسة، كثيرا ما نجد السياسي يكذب وهو عارف بأنه يكذب، وكثيرا ما نجد المريدين والأتباع يرددون كلامه كالببغاوات وهم يعلمون في بواطنهم بأنه لا يمت للحقيقة بصلة.

باختصار، يفترض في مجال السياسة إتباع الوسائل الثلاث نفسها للحكم على شخصية أي سياسي، وتقدير حسن أدائه من سوئه. وهذا نقيض للإيمان العقائدي المسبق والمطلق دون تحليل موضوعي للإنجازات والمكتسبات وحصاد السياسات المتبعة.

من ناحية أخرى، أتذكر قصة طريفة ومؤلمة معا روتها لي شخصية سياسية بارزة عالميا. قال لي ذلك السياسي المخضرم: "سألني الشخص الذي حل محلي في المنصب الرفيع عن أسماء أربعة أشخاص أعتقد أنه لا يمكن الاستغناء عنهم في الدولة لما يملكونه من كفاءة ونزاهة وقدرات. ذكرت له بكل طيب نية وأمانة أسماء أربع شخصيات تتمتع بتلك الصفات المطلوبة، ولا علاقة لها بأي تنظيم حزبي أو اتجاه سياسي، بل هم من أولئك القلائل الذين لا يحابون أي طرف كان، بل يتميزون بقدراتهم العلمية العالية المشهود لهم بها دوليا".

صمت المسؤول الرفيع لحظات، ثم أردف قائلا بمرارة: "للأسف، ما أن مرَّ شهر واحد على استلام خلفي لمنصبي، حتى أعفى هؤلاء الأربعة تحديدا من مناصبهم، وأهملهم كليا. يا ليتني لم أصدقه وأبح له بأسمائهم، لعله أبقاهم وقتها وأفاد المصلحة الوطنية".

في الدراما، هناك أسس للتفكير المنطقي ثبتت أهمية استخدامها من قبل المبدعين الكبار. ذات مرة، سألت خبيرا سياسيا أجنبيا مخضرما عن "الغاية العظمى" التي تضعها حكومة بلاده لاتخاذ قرارتها إزاء أزمة معينة. رمقني بنظرة حزينة، وأجاب: "أتدري؟ هذا هو السؤال الأهم الذي لم أجد إجابة عليه من أحد في إدارة بلادي السياسية. لا أحد يعرف ما هي الغاية العظمى المرتجى الوصول إليها من السياسات المتبعة! هذا الموضوع ـ للأسف الشديد ـ لم يطرح على الإطلاق". علقت قائلا بابتسامة: "أترى ماذا يمكن للسياسيين أن يتعلموا من فن الدراما؟".

ما يجري على أرض الواقع يشبه تحديدا لا شيء آخر سوى "مسرح اللامعقول"

​​يعتمد "المنهج" الأميركي في التمثيل، والمستلهم من نظام عمل الروسي كونستانتين ستانسلافسكي على تدريب الممثل، على الانطلاق من البحث عن "الغاية العليا" من العمل الدرامي، ثم الشروع باكتشاف "الفعل" من قبل كل شخصية، حتى تتجمع أفعال عديدة لتكوِّن بناء النص الدرامي. ينطبق هذا على المسرح كما يسري على بقية الفنون الدرامية قاطبة.

بعد تلك المرحلة الأولية، يقوم كل مؤدٍ باكتشاف "الأنشطة الحركية" المواكبة لمسار "الأنشطة اللفظية" التي وضعها المؤلف الدرامي كما يضع المؤلف الموسيقي علامات نوطته لتؤديها الأوركسترا. مثلا، إذا كان النشاط اللفظي الذي يعبر عنه الحوار في مشهد ما يتضمن الكذب أو المراوغة أو الخداع، فإن على الأنشطة الحركية أن تكشف حقيقة الفعل الدرامي المستتر وراء قناع الكلمات الزائفة، أي توضح لنا بالإيماءة والإشارة كمشاهدين تناقض الكلام مع الحركة، وليس بالضرورة تكشف الأمر للشخصيات الأخرى. هكذا، تتراكم الأفعال وتتصاعد باتجاه "الذروة الدرامية"، ثم تتجه إلى النتيجة النهائية بطريقة منهجية مدروسة.

للأسف الشديد، فإن من يراقب ويحلل مجريات السياسة في زمننا الراهن، يلاحظ إما جهلا أو تجاهلا شبه تام لقواعد الدراما، وأخص منها بالذكر نهايات الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، لأنها صارت تخرج عن الأنماط المعروفة والسائدة المتراوحة بين تراجيديا وكوميديا ومزيج بينهما، لأن ما يجري على أرض الواقع يشبه تحديدا لا شيء آخر سوى "مسرح اللامعقول".​

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538591 4

محمد المحمود/

يواجه العالم اليوم وباءً خطيرا؛ أخطر ما فيه: سرعة وسهولة انتشاره، مخترقا كل الحدود السياسية والجغرافية، ومختبرا كل الثقافات الدينية والقومية في مصداقيتها، وفي جدواها أيضا، ومتحديا إمكانيات الدول، وفاصلا ـ في النتائج ـ بين حقائق الإنجاز التنموي وأوهامه، ومظهرا الفروق الهائلة بين الادعاءات الجوفاء وحقائق الواقع، ومعيدا ترتيب الأولويات على نحو غير مسبوق.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال؛ حتى وإن كان الاعتبار على المدى البعيد لا يتوفر عليه إلا قليل أو أقل من القليل؛ لأن ذاكرة المشاعر ـ وهي ذاكرة الجماهير/ الأغلبية الساحقة ـ قصيرة المدى، والتجارب/ الدروس الواقعية التي لا تُحوّلها الثقافة إلى أنماط عقلية مدعومة بتشكيلات مؤسساتية عامة، لا بد وأن يطويها النسيان، وتضطر الأمم لإعادة تجاربها/ آلامها من جديد.

كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته، وبالتالي؛ هو أقدر على التفسير المستغرق لكل التشكلات الثقافية المتمظهرة من خلال المسلك الإنساني الواقعي/ الوقائعي.

الوعي بالعولمة تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء

كوارث الطبيعة، مهما عظمت، تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي الخاص. الزلازل، والبراكين، وموجات التسونامي العاتية، والأعاصير المدمرة، والفيضانات الكبرى، لها مدى جغرافي لا تتعداه، وآثارها غير المباشرة تتضاءل حدتها باستمرار، وفق شروط التنائي الزماني والمكاني.

كذلك الكوارث البشرية/ الحروب وتوابعها؛ مهما عظمت، ومهما كان وقعها على ضحاياها المبشرين أقسى من وباء كرونا بآلاف المرات؛ إلا أنها تبقى محدودة جغرافيا، وبالتالي، فقدرتها التفسيرية التي نستطيع بها اختبار الثقافات تبقى ـ بالتبع ـ محدودة. فمثلا، إذا كانت الحرب العالمية الثانية أبادت الملايين من سكان أوروبا، فإن هناك شعوبا لم تعرف من ويلاتها وعذاباتها شيئا، وهناك شعوبا أخرى لم تمسها هذه الحرب الكونية إلا بأضرار جانبية/ غير مباشرة، كغلاء الأسعار وندرة بعض السلع وانقطاع بعض طرق المواصلات.

إذا كانت المنظمات الدولية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية؛ بقوة دفع مفاعيلها، والشركات العابرة للقارات، ثم الأنظمة الإعلامية والتواصلية التي جعلت العالم كله على مرمى ضغط زر في جهاز الحاسوب أو الهاتف...إلخ قنوات/ آليات العولمة، تعكس حقائق العولمة وتكشف عن تمظهراتها الواقعية، فإن هذا الوباء الفيروسي/ كورونا المستجد جعل العالم ليس قرية واحدة فحسب، بل ولا بيتا واحدا (يكون بإمكان بعض أفراده الاستقلال ببعض غرفه بحواجز/ بجدران، تمنع الرؤية/ تحفظ الأسرار/ تمنع الضرر)، وإنما جعله غرفة واحدة صغيرة ينكشف فيها الجميع على الجميع اضطرارا، ويتبادلون فيها الأسرار كما يتبادلون المصائب والآلام، ويقتسمون رغيف المستقبل ـ في لحظة الخطر الداهم ـ على حد سواء.

بناء على هذا ـ وبمنطق العولمة الأعمق والأقسى ـ لا تصبح كل دولة/ كل حكومة حُرّة تماما بما تفعله في حدود نطاقها الجغرافي/ فضائها السيادي، ولا يصبح من حق كل شعب أن يقرر خياراته الذاتية ـ بالمطلق ـ بعيدا عن العالم؛ لأن الآثار المباشرة وغير المباشرة لكل الخيارات (الحكومية والشعبية) على الآخرين، كل الآخرين أو معظمهم أو بعضهم، هي آثار متحققة على وجه اليقين.

لقد كان الباحثون في كثير من التخصصات الثقافية والعلمية، وبعض السياسيين الواعين، ومعظم المهتمين بالمسلك السياسي يدركون جيّدا أن ما يقع في قرية/ في مدينة نائية في الصين، أو في منافي سيبريا، يمكن أن يؤثر على الإنسان في قرية ما في جبال الألب، أو في صحراء الجزائر، أو في سهول تهامة الحجاز، أو في غابات نيجريا، أو في سواحل تشيلي، أو مستنقعات فيتنام. يدركون هذا على نحو عام، توقّعي، نسبي، غير مباشر، ولكنه كان حاضرا في الأذهان على الدوام.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال

نعم، هذا ما كان يدركه الباحثون والمهتمون منذ أمد بعيد، ولا يزال إدراكهم له يتصاعد بتصاعد قنوات التواصل/ التأثير، ويتعولم باتساع فضاءات العولمة. لكن، بقي وعي عموم الناس/ الجماهير العريضة، بمن فيهم بسطاء أصحاب القرار في كثير من دول العالم، قاصرا عن تصور مستوى تفاعلات العولمة ومتتالياتها، أي قاصرا عن التثاقف مع أطروحات أولئك الباحثين والمهتمين.

هنا، نضع أيدينا على المُتغيِّر الأهم في مدلولات التفاعل العالمي، الرسمي والشعبوي، مع هذا الوباء الجديد، حيث العولمة باتت تقرع كل باب، بل تضع أصابعها ـ بقوة شراسة هذا الوباء ـ في عين كل إنسان، كل إنسان بلا استثناء، فمن لم يره واقعا متجسدا، رآه خيالا كواقع، خيالا يتسلل إليه ـ بشكل متكرر، متواصل، متفاعل كحدث يصنع وقائعه ـ من خلال قنوات التواصل والإعلام. ما يعني أن الوعي بالعولمة ـ الوعي على نحو عملي ـ تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء.

لقد تعمّق الوعي بالعولمة من حيث كون الأمر لم يعد تشابك مصالح على نحو يغدو معه التأثير نسبيا، ومن ثم، يقع في دائرة الخيارات ومُقَايَسة مستوى التضحيات، بل غدا التأثير حاسما/ مصيريا، إذ أدرك الجميع ـ وخاصة بعد تعولم الوباء ـ أن ما يحدث في مدينة صينية لم يسمعوا بها من قبل، لا يؤثر على تيسير أو تعسير نمط من أنماط حياتهم فحسب (كما كان الأمر من قبل في بعض المخترعات التقنية)، بل بات يؤثر في وجودهم ذاته، في حياتهم/ موتهم. 

وطبعا، الوعي بهذا التهديد لا يُشْترط فيه "المباشرية الوقائعية"، أي أن يروا قوافل توابيت الموتى أمام أعينهم في واقعهم، بل يكفي أن ينظروا إليها من خلال الشاشة إعلاميا/ تواصليا، ويروه في الواقع ملموسا من خلال متواليات وقائع الرعب المتمثلة في الشلل الاستثنائي لكثير من أنماط الحياة الطبيعية/ المعتادة. فالأجواء الاستثنائية التي لم تحصل حتى في أزمنة الحروب الكبرى، باتت تعمّق الإحساس بالخطر؛ من حيث هي تعمّق الإحساس بوحدة المصير الإنساني، والعكس صحيح؛ إذ لا أحد، لا أحد بالمطلق، بمنجاة من هذا الخطر الذي يتهدد الوجود ذاته، وليس فقط طبيعة الوجود، وجود كل أحد، وليس وجود بعض دون بعض، فلا أحد يمتلك حصانة، وأصاب بالفعل مشاهير من كافة الميادين، بل وطرق أبواب كثير من قادة العالم الكبار.

من جهة أخرى، بات الوعي بالعولمة يتوسّع نطاقه ليشمل حتى أولئك الذين ظنوا في يوم من الأيام أنهم قادرون على الانزواء عنها، وبالتالي، التحرر من كل آثارها، أو من معظمها على الأقل. اليوم، يجعلهم هذا الوباء في قلب تفاعلات العولمة قسرا. إنهم إن استطاعوا في يوم من الأيام الهروب من أضرارها الحقيقية أو المتوهمة، فهم اليوم ـ وعلى الرغم منهم ـ أصبحوا وجها لوجه مع مخالبها وأنيابها الحادة التي تهددهم بالافتراس. وتكون المفارقة أن لا نجاة لهم من مخالب هذه العولمة إلا بالدخول معها في تفاعل أكبر وأشمل.

لقد توسع نطاق العولمة حتى رأينا أولئك الذين لم يسمعوا بالعولمة في يوم من الأيام، أو سمعوا بها كمصطلح عابر، أقصد: مئات الملايين من البشر الذين هم الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب الحي، وقد أصبحوا يعون ـ عمليا، وبدرجة عميقة بعمق خطر المرض/ خطر الموت ـ أنهم مُتَعَولِمون؛ حتى وإن جهلوا كل كلام المثقفين وكبار الساسة والاقتصاديين عن العولمة طبيعة وآثارا وتطلعات. ما يعني أن كل إنسان وعي العولمة من خلال وعيه بأن مصيره قد يكون مرتبطا بمصير أي إنسان في أي مكان.

ولأن هذا الوباء الخطير أصبح وباء عالميا/ متعولما، فقد أصبحت ردّات الفعل عليه متنوعة بحجم تنوع واختلاف الثقافات في هذا العالم؛ حتى وإن كان الرد الرسمي: الصحي/ الحكومي ـ المؤسساتي في العالم كله، متشابها إلى حد كبير في طبيعة الإجراءات الوقائية أو العلاجية. ففي القرارات التي تدفع بها الثقافات التي تنظر لصحة الإنسان بوصفها مسؤولية فردية، أو بوصفها ليست أولوية بالمطلق؛ شاهدنا التراخي الذي قاد إلى مصائر كارثية، تكاد ـ بقوة العولمة ـ أن تقود العالم كله إلى مصير مجهول.

أما في الثقافات المتخمة بالخرافة، فقد رأينا كيف أن الأغبياء من سدنة هياكل المقدس يُجاهِرون بل ويُفاخِرون بكسر يقينيات الطب، ويستخفون بالتعليمات الصحية الوقائية؛ فيرفضون فضّ الاجتماعات التي تتقارب فيها الأجساد بل تتلاصق، وأكثر من ذلك، رأيناهم يبيعون الوهم لأتباعهم السذج، فيزعمون أن أماكن القداسة تمتلك قدرات خارقة على تطهير الفضاء المقدس من الوباء، أو أن المصلين يمنحهم الله قدرة وقائية استثنائية لأنهم في صلاة/ اتصال روحاني مع الله!.

لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية

تحت وقع الإحساس العميق بالمسؤولية، تصدر كثير من الحكومات قرارات حازمة بمنع التجمّع، بل تُعطّل المدارس، وتلغي الفعاليات، وتغلق المتاجر الكبرى، وتُعلّق معظم الاجتماعات؛ إن لم يكن كلها، وتمنح الموظفين إجازات إجبارية مدفوعة الأجر؛ كل هذا لتساعد الشعوب على تنفيذ التوجيهات للبقاء في البيوت. 

لكن، تجد الثقافة المجتمعية/ الشعبوية بالمرصاد لكل تلك القرارات الإيجابية، إذ لا تكتفي بتفريغ تلك القرارات من مضامينها، بل إنها تقلبها إلى عكس المتوقع منها، حيث تُبادِر هذه الجماهير إلى استغلال هذا التعطيل المؤقت (التعطيل للنشاطات الرسمية العامة) فتعقد الاجتماعات العائلية الكبرى، وتخرج للأسواق والمتنزهات؛ دونما أدنى استشعار للخطر، على الرغم من علمها بالخطر، وعلى الرغم من تكرار التحذير على أوسع نطاق.

طبعا، هنا المعضلة الثقافية، فأنت لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية. المسألة لها أبعادها الثقافية/ التربوية التي تأخذ ـ بالضرورة ـ تخطيطا شموليا/ متضافرا، متتابعا في مدى زمني طويل.

لا يمكن أن تقنع المتدين الساذج بعدم الذهاب للمسجد، والاكتفاء بالصلاة في البيت؛ لأن الوقوف في صف واحد، وبأجساد متلاصقة؛ للصلاة، هو أخطر ـ في هذا الظرف الصحي العام ـ من معظم صور الاجتماع التي تُحذّر وزارات الصحة منها. لا تستطيع أن تقنعه بهذا؛ لأن وعيه تشبّع بمفاهيم تجحد منطق العلوم، أو هي تَزْورّ عنه، أو هي تستخف به في أحسن الأحوال.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الوباء والعولمة والثقافة DF9FFA06-1C3A-440E-8158-D4238A39ADF5.jpg AFP الوباء-والعولمة-والثقافة 540888 كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته 2020-03-17 11:31:17 1 2020-03-17 11:32:17 0