Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

عريب الرنتاوي/

فتحت انتفاضة الشعبين الجزائري والسوداني "شهية" الباحثين والمفكرين، للحديث مجددا عن نتائج ومآلات ثورات "الربيع العربي"، بعد أن أدى انسداد الآفاق أمام "موجته الأولى"، ووقوعها في مستنقعات العنف والاحتراب الأهلي في عدد من الدول العربية، إلى سيادة أنماط من التفكير المتشائم بمستقبل هذه المنطقة، وعودة الروح لنظريات وفرضيات، تقيم تماثلا بين "العرب والمسلمين" من جهة، وأنظمة الاستبداد وأنماط الفساد من جهة ثانية.

تعبير "الموجة الثانية" من ثورات "الربيع العربي" بات مندرجا على ألسنة كثير من المحللين والمراقبين، في وصفهم للحدثين الجزائري والسوداني، وثمة "سرديات" كثيرة جرى تداولها في الأشهر الأخيرة، تسعى في إجراء المقاربات وعقد المقارنات، بين هذه الموجة، التي لم تبلغ خواتيمها النهائية بعد، والموجة انطلقت من تونس لتضرب في كل من مصر وليبيا وسوريا واليمن، وسط مناخات تميل للتفاؤل النسبي، بأن تونس لن تبقى "الاستثناء" العربي الوحيد، وأن قوى الثورة والتغيير في العالم العربي تعلمت دروس الموجة الأولى جيدا، وأهمها:

يمكن التنبؤ أن الموجة الثالثة من "الربيع العربي" مرشحة لأن تضرب مصر من جديد

​​تفادي الوقوع في الفخ القاتل: ثنائية الإخوان والعسكر...

  1. اليقظة الشديدة لـ"مكر الجنرالات" ومراوغاتهم...
  2. التنبه الشديد لما تنسجه قوى الثورة المضادة إقليميا، من حيل وألاعيب، لتفريغ الثورات من مضامينها، وحرفها عن أهدافها الحقيقية، ووقفها عند حدود تبديل الوجوه وتغيير الأسماء، بدل الانتقال إلى هدم قواعد الفساد والاستبداد، وبناء أسس صلبة ومتينة للانتقال إلى ضفاف الحرية والديمقراطية والتعددية.

الحرب بين "القديم" و"الجديد" لم تضع أوزارها بعد، لا في دول الموجة الأولى، ولا في مجتمعات الموجة الثانية... مرحلة الانتقال المكلفة في دول الموجة الأولى، ما زالت مستمرة وتتطاول بفعل صراعات المحاور الإقليمية وحروب الوكالة والتدخلات الفظّة من قبل أطراف دولية... ومرحلة الانتقال في دول الموجة الثانية، ما زالت في ذروتها، ومعارك الكر والفر مع "المؤسسة العسكرية" لم تهدأ بعد، والأنظار ما زالت متسمرة عند الجموع الغاضبة والثائرة في ساحات الجزائر وميادين الخرطوم، حيث لا يعدم الجنرالات، حجة أو ذريعة، في مسعاهم للإبقاء على "جوهر" النظام القديم، والاكتفاء ببعض التغييرات "الفوقية" التي لا تقدم ولا تؤخر.

الموجة الثالثة

لكن أنظار المحللين والمراقبين، باتت تتطلع للمستقبل، وتنظر باهتمام بالغ لما يمكن لثورتي الجزائر والسودان أن تحدثاه من تفاعلات وتداعيات، سواء في البلدان التي "عصف" بها قطار التغيير (اليمن، سوريا، ليبيا ومصر)، أو تلك التي مستها رياحه من دون أن تحدث "فرقا" جوهريا، بين أنماط الحكم فيها قبل الربيع العربي وبعده (الأردن، المغرب، عُمان والبحرين).

وفي ظني أن الحدثين الجزائري والسوداني، قد نجحا في إحياء الأمل لدى العديد من شعوب المنطقة ومجتمعاتها، بإمكانية مواصلة المسير على دروب الانتقال للديمقراطية... فالحدث الجزائري يُتابع عن كثب من قبل الفاعلين المغاربة، في الحكم والمعارضة والشارع سواء بسواء، فانتقال الجزائر للديمقراطية، سيجعل من التجربة المغربية، التي طالما نُظِر لها بوصفها "متقدمة نسبيا"، شديدة التواضع، وسيحفز ذلك الناشطين والإصلاحيين المغاربة لطلب المزيد من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وصولا لملكية دستورية حقيقية، ونظام اقتصادي ـ اجتماعي أكثر عدالة.

والحدث السوداني، يُتابع عن كثب في مصر، التي أخفقت، برغم إطلاقها ثورتين شعبيتين كبريين في أقل من ثلاثة أعوام، في تحقيق حلم شعبها بالانتقال إلى ضفاف الديمقراطية والتعددية والحرية والنماء المتوازن.... ولقد استمعت من مصريين بسطاء في زيارتي الأخيرة للقاهرة، إلى عبارات الثناء والتقدير لـ"رجولة" أهل السودان، الذين طالما عانوا من نظرة مصرية استعلائية شائعة... والأردنيون المطالبون بالإصلاح والتغيير يتابعون على نحو لصيق ما يجري في البلدين من تطورات وأحداث، بالرغم من فاصل الجغرافيا واختلاف السياقات.

الموجة الرابعة لثورات "الربيع العربي" تبدو خليجية بامتياز

​​هنا، يمكن التنبؤ، وبقليل من الحذر، أن الموجة الثالثة من "الربيع العربي" مرشحة لأن تضرب مصر من جديد، فالإحساس بالخيبة والخذلان والخسارة، فضلا عن تفاقم الظروف والأحوال الاقتصادية والاجتماعية للمصريين الفقراء، هي عوامل كامنة تحت سطح الحياة اليومية في القاهرة والمدن والأرياف المصرية الأخرى... وكافة العوامل التي أدت إلى اندلاع ثورتي يناير ويونيو، ما زالت تتفاعل تحت السطح، ولا أحسب أن مفاعيل حملات "التخويف" من الإخوان المسلمين والتحذير من احتمالات عودتهم لحكم البلاد والتحكم بالعباد، ما زالت تجد آذانا صاغية من قبل المصريين، كما كان عليه الحال في السنوات القليلة الفائتة.

وفي الأردن، كما المغرب، أبدى النظامان الملكيان مرونة عالية نسبيا في الاستجابة لنداءات الشارع ومطالب التغيير، وشهد البلدان في العامين 2011 و2012 إصلاحات دستورية وتشريعية هامة، واتسعت على نحو غير مسبوق، فضاءات العمل العام، وأجريت أكثر من جولة انتخابية أكثر نزاهة... لكن توقف قطار "الربيع العربي" في محطاته الثلاثة: السورية والليبية واليمنية، وتراجع الاهتمام العالمي بنشر الديمقراطية لصالح "الأمن والاستقرار"، وتفاقم خطر التهديد الإرهابي الذي نما على جذع الحرب الأهلية في البلدان الثلاثة، مكّن القوى المناهضة للإصلاح و"الدولة العميقة" و"جماعة المخزن"، ليس من تعطيل مسار الإصلاح والتحول الديمقراطي فحسب، بل والعودة واقعيا عن الإنجازات المتحققة في سنيّ "الربيع العربي" الأولى.

وزاد الطين بلّة، أن البلدين الملكيين، واجها خلال السنوات القليلة الفائتة، تحديات اقتصادية جمّة، تمثلت في تباطؤ النمو وعجز الموازنة وارتفاع المديونية وتفشي الفقر والبطالة (الأردن)، فضلا عن اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء (المغرب بخاصة)... وكان لتفشي ظواهر التطرف الديني وتفاقم خطر الجماعات الإرهابية، دورا في تمليك "قوى الشد العكسي" ما تحتاجه من مبررات وذرائع للانتكاس عن إرهاصات الانتقال إلى نمط من "الملكية الدستورية" المستقرة.

وإذا كانت الحركات الاحتجاجية في الأردن قد اتخذت (وما زالت تتخذ) شكل الموجات الاعتراضية المتعاقبة ضد تشريعات وسياسات اقتصادية توصف بالجائرة، فإنها في المغرب تأخذ مسارا جهويا مناهضا للتمييز و"تفاوت النمو"، فضلا عن طابعها الحقوقي والمطلبي الذي يسعى في الدفاع عن منجزات العام 2011، وتعظيمها.

لكل هذه الأسباب، يُرجح أن تكون هذه الدول الثلاث، هي ساحات الموجة الثالثة من انتفاضات "الربيع العربي" وثوراته... وإذا كانت المؤسستان الملكيتان في الأردن والمغرب، قد خبرتا أنماطا عديدة من المرونة والاستجابة لمطالب الحراكات الشعبية والشبابية، فإن الحال يبدو مختلفا في مصر، حيث تلعب المؤسسة العسكرية دورا مغايرا لأدوارها في مصر والمغرب، الأمر الذي ينبئ بمستويات مختلف من العنف والكلف الناجمة عن حفز مسار الانتقال إلى الديمقراطية.

الموجة الرابعة

الموجة الرابعة لثورات "الربيع العربي" تبدو خليجية بامتياز... على أنها قد لا تكون فورية ومباشرة، وربما يحفزها بلوغ الأردن والمغرب ضفاف الملكية الدستورية... فالدول الخليجية الست، تواجه تحديات الانتقال من دولة "الريع" إلى دولة "الإنتاج" وتنويع مصادر الداخل، والعلاقة "الزبائنية" بين الدولة ومواطنيها (رعاياها) تكاد تبلغ نهاياتها... والأنظمة السلالية القائمة، باتت عاجزة عن استيعاب التغييرات المجتمعية العميقة، الناجمة عن ظهور أجيال من الشباب المتعلم والمنفتح على العالم بكافة تغييراته واتجاهاته، فضلا عن أزمات "الهوية" التي لا يكاد يخلو مجتمع خليجي واحد منها، سواء أكانت دينية أو مذهبية أو عرقية، فمعظم هذه الدولة لم تنجح في بناء "هويات وطنية جمعية" حتى الآن...

الحرب بين "القديم" و"الجديد" لم تضع أوزارها بعد

​​ثم، أن انتقال القيادة في عدد منها من جيل هرم (مخضرم)، إلى نمط من القادة الشبان، من دون أن يترافق ذلك مع ثقافة مؤسسية وبغياب المشاركة والمؤسسات التمثيلية، أفضى إلى دخولها في مغامرات أثارت استياء العالم منها وغضبه عليها (اغتيال خاشقجي وحرب اليمن والأزمة الخليجية الداخلية)... وثمة اعتقاد يزداد رسوخا، بأن "الحقبة الخليجية" في التاريخ العربي المعاصر، تكاد تلفظ أنفاسها، وأن وتائر هذه العملية قد تتسارع وتتباطأ على وقع المكانة الأخذة في التضاؤل عموما وعلى المدى البعيد، لمصادر الطاقة الكربونية.

لقد شهدت دولتان من دول الخليج الست، إرهاصات "ربيعها الخاص" تزامنا مع اندلاع ثورات الربيع العربي وانتفاضاته: البحرين وعمان، والمؤكد أنهما ليستا بمنأى عن احتمالات "الموجة الرابعة"، لكن المرجح وفقا لكثير من الخبراء والمراقبين، أن تتعرض الدولة الخليجية الأكبر: السعودية، لهذه الموجة، وسيتوقف مصير "الملكيات والإمارات" الست، على درجة المرونة والاستجابة التي ستبديها أنظمتها الحاكمة لحاجات التغيير والإصلاح، وهي ستقف في نهاية المطاف، أمام مفترق لا يُبقي لها سوى واحد من طريقين: إما الالتحاق بركب الملكيات الدستورية أو مواجهة خطر الانتقال العنيف، مع كل ما قد يستجلبه من انهيارات اجتماعية وسياسية، وربما أحداث عنف وتدخلات خارجية.

خلاصة القول: إن انتفاضتي السودان والجزائر، لم تعيدا الأمل بإمكانية استئناف قطار التغيير والإصلاح في العالم العربي لمساره فحسب، بل وفتحتا أفقا للتنبؤ بوصوله إلى مزيد من المحطات، الجديدة منها والقديمة في المرحلة القادمة، وقد يكون العقد الثالث من الألفية الثالثة، هو الإطار الزمني المرجح للموجتين الثالثة والرابعة من انتفاضات "الربيع العربي" وثوراته.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538592 4

منى فياض/

في مدة زمنية قياسية استطاع كائن طفيلي مجهري أن يقلب العالم ويثير الرعب والهلع ويقطع أوصال الكرة الأرضية ويتسبب بهبوط الأسهم وخسائر للبورصة تعد بالمليارات. ويعطل هذا الفيروس الشركات والمدارس والجامعات والشركات والإدارات ويوقف السياحة ويفرغ المحال من المواد الغذائية والبضائع ويخفض أسعار البترول ويفضح الثغرات في القطاعات الصحية للبلدان ويغلق دور العبادة ويلغي المؤتمرات والمهرجانات. فينقلب مشهد المدن، وتقفر شوارعها إلا من التحسر لغياب المشاة والسيارات والمتجولين وافتقاد حيوية وحياة المطاعم والمقاهي والملاهي والمرافق. وكأننا نعيش داخل أحد أفلام هوليوود عن انتشار الأوبئة ونهاية العالم.

بأقل من شهر دخلنا نمط حياة جديد؛ تعطلت حركة المطارات والموانئ وارتفعت رايات الانغلاق والتقوقع لتقف كالسد بوجه الآخر والغرباء القادمين من دول أخرى. وهو ما يذكر بأزمة اللاجئين وما أثارته من هلع استعاد مشاعر الخوف والتعصب. بحيث أشار أحد كتاب الغارديان إلى أن "ترامب تعامل مع “كورونا” كجيش أجنبي وشبكة إرهابية تغزو أميركا".

نظرا للانتشار الصاروخي لفيروس كورونا الوبائي، صنفته منظمة الصحة العالمية "بالجائحة". ومن غير المتوقع إيجاد علاج له في المدى المنظور. ونظرا لغزوه الكرة الأرضية بعد الكوارث البيئية المتلاحقة من حرائق وفيضانات وعواصف واضطرابات مناخية مؤهلة للتصاعد، يحيلنا الظن إلى أن الكرة الارضية تنتفض، كالحيوان عندما يريد التخلص من الطفيليات التي غزت جلده. ضاقت بنا الأرض ولم تعتد تحتملنا، فتصفعنا دوريا وكأنها تقول لنا: كفى، كفى عبثا بقوانين الطبيعة.

تشوش الأفكار والمشاعر يثير الهلع فنصبح فريسة سهلة لتلقي البروباغندا

وكأن الكون يريد استعادة بعض توازنه بعد الخلل المتمادي جراء النشاط البشري..

كورونا الذي انتشر بفضل العولمة وسرعة الانتقال وكونية والتبادلات، جاء ليمتحن قدرتنا على تدبر أمورنا والعيش دون شبكة العلاقات والتبادلات الكونية التي تزودنا بما نحتاجه.

المفارقة هنا أن هذه القدرة والسرعة اللامحدودة على التبادل المعولم، كانت السبب في تقطيع أوصالنا عندما سهلت تبادل وانتشار الأوبئة في نفس الوقت.

عجّل كورونا بانتقالنا عقودا إلى الامام، فبعد أن الشكوى المتصاعدة من تأثير وسائط ووسائل التواصل الرقمي على العلاقات بين البشر وعلى سيكولوجيتهم وتأثير العزلة على نفسيتهم وتوازنهم النفسي والخوف على الأطفال ونموهم وعلاقاتهم الاجتماعية السوية؛ وجدنا أنفسنا ممنوعين من التبادل المباشر، محتجزين خلف جدران الحجرات كي نتسمر أمام شاشاتنا الكبيرة والصغيرة، في قلب العالم الافتراضي الذي كنا نتهيب من احتمال سيطرته علينا.

إنه تمرين للمستقبل حيث ستحل اللوغاريتمات مكان النشاط البشري فيتحولون للعيش الافتراضي. علق البعض أن علينا أن نحول المحنة إلى مناسبة كي نتنفس الصعداء ونتغير ونبحر لنتعمق في أبعد حدود دواخل ذواتنا كي نتصالح مع أنفسنا ونسامح الأخطاء ونعيش سلاما داخليا يجلب لنا الفرح المفقود. 

لكن البعض الآخر تخوف من الحجر المنزلي ومن عزلته عن الآخرين وشوقه الآتي لهم وافتقد النشاطات التي جمعته معهم وكانت مجرد ذريعة للتلاقي. وقد يقود هذا إلى الجوع العاطفي وتبعاته.

إن انتشار الأوبئة يثير الهلع والخوف فتستعيد ذاكرة البشر أزمنة الضيق والعوز والفناء واقتراب الآخرة ونهايات العالم. فكان كورونا هو الصدمة المفاجأة التي هيأت أرضية مناسبة كي تستعيد التقاليد الإيمانية زخمها؛ من الصلوات إلى إنارة الشموع والتوسل بتراب القديسين وتزنير الكنائس بالألبسة واللجوء إلى الأدعية والتكبير على الأسطح والشرفات لكن تنتعش في نفس الوقت الشائعات والفرضيات والخرافات فتعم الفوضى في تناقل المعلومات.

إن تشوش الأفكار والمشاعر يثير الهلع فنصبح فريسة سهلة لتلقي البروباغندا وتصديق الأكاذيب على أنواعها. فالشر المستطير ينتظر عند زاوية المستقبل المهتز والغامض. فتتوسع نظريات المؤامرة وتتعدد ردات الفعل. راج جراؤها تسجيل صوتي على "واتساب" يقلد صوت المجيب الإلكتروني يلخص ردود الفعل: "أهلا بكم في لبنان في زمن كورونا، للغة المنطقية القائلة ببقائك في البيت، اضغط على الرقم 1. لنظرية ما في شي كله شقفة كريب (الرشح)، اضغط على الرقم 2. لنظرية وين السهرة اليوم وهل نمارس السكي (التزلج) غدا؟ اضغط على الرقم 3، لنظرية المؤامرة الصهيوأميركية وراء انتشار فيروس كورونا اضغط على الرقم 4. لنظرية الله والقديسين والأنبياء لن يدعوا الفيروس اللعين يطالني، اضغط على الرقم 5. لنظرية فييش انزرب بطق، اضغط على الرقم 6. نظّر متل ما بدك وقد ما بدك بس خليك بالبيت احمي حالك واحميني".

وكل ذلك يحصل على خلفية المشاكل الوجودية غير القابلة للحل والخيبات المتوالية التي يعيشها اللبناني. ناهيك عن فقدان الثقة بالمؤسسات وبالمسؤولين وتقصير الحكومة والمؤسسة الصحية في مواجهة الوباء. لذا يسمح اللجوء إلى الخرافة بتخفيف القلق وخفض التوتر.

يضاف إليها الانقسام السياسي العامودي الذي حوّل كورونا إلى سلاح اضافي في المعارك السياسية. هناك معركة تدور بين السعودية وإيران على خلفية اتهام السعودية لإيران بالمساهمة في نقل الإصابة إليها لعدم الإعلان عنهم لأخذ الاحتياطات اللازمة تجاه القادمين من إيران إلى السعودية.

وفي لبنان تتصاعد الاتهامات لجماعة "حزب الله" اللبنانية بأنها تسببت بانتشار العدوى وجعلها وباء بسبب تسييس كورونا وعدم القبول بوقف الرحلات مع إيران حتى بعد إقفالها هي نفسها الحدود مع الآخرين. مع معلومات عن استقبال مصابين إيرانيين في لبنان. بينما يصرّ الحزب على رفض التهمة بنقل العدوى وترك الحدود مشرعة حتى بعد طلب إيران مساعدة صندوق النقد الدولي لعجزها. ربما يصبح بإمكاننا الآن الاستعانة بالصندوق بعد أن سمحت إيران له "بمس سيادتها!".

فضح كورونا مخاطر العولمة في ظل عجز الدول وتراجع قدرتها على السيطرة والتنسيق بينها

يصبح من الطبيعي أن تهتز ثقة المواطن بكل ما يمس الدولة بصلة. فكل شيء يثير الشبهة والشك والحذر في ظل غياب المسؤولية. لكن المضحك المبكي حالة الإنكار المتمادية لدى المسؤولين، فنجد وزيرة الإعلام تتصدى لإدانة "الافتراءات" على الدولة اللبنانية التي يتهمها الشعب بالتقصير والتقاعس! مذكرة بشهادة العديد من السفراء "الذين أبلغوا المسؤولين اللبنانيين أن بلادهم اتخذت من إجراءات لبنان نموذجا لاعتمادها"! وتعترض على محطة تلفزيونية لرفعها شعار "حالة طوارئ" ـ مع أنها ساهمت بالحجر الطوعي من قبل كثيرين ـ ليتبين أن الشعب في لبنان أكثر مسؤولية من حكومته. 

يبدو أننا نتحول بسرعة إلى دولة استبداد، فيلاحق المغردين ويعاقب الصحفيين وكل من ينتقد أداء الحكومة. فكورونا فضح الأنظمة الاستبدادية التي تمتنع عن الإفصاح عن المصابين فيها كإيران وروسيا وتركيا وحتى مصر.

فضح كورونا مخاطر العولمة في ظل عجز الدول وتراجع قدرتها على السيطرة والتنسيق بينها. الأزمة الصحية ستترجم إذن في اضعاف الديمقراطيات عبر إظهار عجز مؤسساتها عن مواجهة الوباء بفعالية، فيما ستقوي السلطات القمعية، على غرار الصين التي استفادت من الأزمة لزيادة أدوات رقابة وضبط الجمهور بواسطة تطبيقاتها الرقمية.

لكن مهما تصاعدت أصوات الشعبويات المطالبة باستعادة الحدود والحواجز بين البلدان إلى درجة إقفالها والانتقال إلى الفيدراليات داخلها كما يريد البعض في لبنان؛ سينبثق عنها، رغم ذلك، إظهار حقيقة أن عالمنا الحالي، بكل مخاطره وانحرافاته، لديه القدرة على رفع حظوظ التعبئة والتعاون التنسيق بين الأطباء والباحثين من أجل اكتشاف المصل المضاد. وحينها لن تقفل أي حكومة حدودها بوجه هذه العولمة بل العكس، إلا إذا كانت من نمط شخصية مقتدى الصدر الذي أعلن رفضه للقاح إذا جاء من أميركا! 

مع فيروس كورونا ننتقل إلى مرحلة جديدة مفتوحة على كل الاحتمالات. ففي الوقت الذي نتعامل فيه مع الآخر كتهديد ونضع الحواجز بيننا وبينه، نجدنا أمام عالم بأسره يحمل المعقمات ويرتدي القفازات ويضع الكمامة. إنه توحيد في السلوك غير مسبوق. البشرية بأسرها تواجه التهديد الوجودي نفسه. تصبح المفارقة أن البشرية تتوحد في مواجهة خطر داهم مشترك عبر وضع السدود بين أفرادها!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
كورونا... الأرض تنتفض 0118E57E-7508-481A-BE9D-90FF27AF98F0.jpg AFP كورونا-الأرض-تنتفض 540889 في الوقت الذي نتعامل فيه مع الآخر كتهديد ونضع الحواجز بيننا وبينه، نجدنا أمام عالم بأسره يحمل المعقمات ويرتدي القفازات ويضع الكمامة. إنه توحيد في السلوك غير مسبوق 2020-03-17 11:33:49 1 2020-03-17 11:33:49 0