Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

عريب الرنتاوي/

فتحت انتفاضة الشعبين الجزائري والسوداني "شهية" الباحثين والمفكرين، للحديث مجددا عن نتائج ومآلات ثورات "الربيع العربي"، بعد أن أدى انسداد الآفاق أمام "موجته الأولى"، ووقوعها في مستنقعات العنف والاحتراب الأهلي في عدد من الدول العربية، إلى سيادة أنماط من التفكير المتشائم بمستقبل هذه المنطقة، وعودة الروح لنظريات وفرضيات، تقيم تماثلا بين "العرب والمسلمين" من جهة، وأنظمة الاستبداد وأنماط الفساد من جهة ثانية.

تعبير "الموجة الثانية" من ثورات "الربيع العربي" بات مندرجا على ألسنة كثير من المحللين والمراقبين، في وصفهم للحدثين الجزائري والسوداني، وثمة "سرديات" كثيرة جرى تداولها في الأشهر الأخيرة، تسعى في إجراء المقاربات وعقد المقارنات، بين هذه الموجة، التي لم تبلغ خواتيمها النهائية بعد، والموجة انطلقت من تونس لتضرب في كل من مصر وليبيا وسوريا واليمن، وسط مناخات تميل للتفاؤل النسبي، بأن تونس لن تبقى "الاستثناء" العربي الوحيد، وأن قوى الثورة والتغيير في العالم العربي تعلمت دروس الموجة الأولى جيدا، وأهمها:

يمكن التنبؤ أن الموجة الثالثة من "الربيع العربي" مرشحة لأن تضرب مصر من جديد

​​تفادي الوقوع في الفخ القاتل: ثنائية الإخوان والعسكر...

  1. اليقظة الشديدة لـ"مكر الجنرالات" ومراوغاتهم...
  2. التنبه الشديد لما تنسجه قوى الثورة المضادة إقليميا، من حيل وألاعيب، لتفريغ الثورات من مضامينها، وحرفها عن أهدافها الحقيقية، ووقفها عند حدود تبديل الوجوه وتغيير الأسماء، بدل الانتقال إلى هدم قواعد الفساد والاستبداد، وبناء أسس صلبة ومتينة للانتقال إلى ضفاف الحرية والديمقراطية والتعددية.

الحرب بين "القديم" و"الجديد" لم تضع أوزارها بعد، لا في دول الموجة الأولى، ولا في مجتمعات الموجة الثانية... مرحلة الانتقال المكلفة في دول الموجة الأولى، ما زالت مستمرة وتتطاول بفعل صراعات المحاور الإقليمية وحروب الوكالة والتدخلات الفظّة من قبل أطراف دولية... ومرحلة الانتقال في دول الموجة الثانية، ما زالت في ذروتها، ومعارك الكر والفر مع "المؤسسة العسكرية" لم تهدأ بعد، والأنظار ما زالت متسمرة عند الجموع الغاضبة والثائرة في ساحات الجزائر وميادين الخرطوم، حيث لا يعدم الجنرالات، حجة أو ذريعة، في مسعاهم للإبقاء على "جوهر" النظام القديم، والاكتفاء ببعض التغييرات "الفوقية" التي لا تقدم ولا تؤخر.

الموجة الثالثة

لكن أنظار المحللين والمراقبين، باتت تتطلع للمستقبل، وتنظر باهتمام بالغ لما يمكن لثورتي الجزائر والسودان أن تحدثاه من تفاعلات وتداعيات، سواء في البلدان التي "عصف" بها قطار التغيير (اليمن، سوريا، ليبيا ومصر)، أو تلك التي مستها رياحه من دون أن تحدث "فرقا" جوهريا، بين أنماط الحكم فيها قبل الربيع العربي وبعده (الأردن، المغرب، عُمان والبحرين).

وفي ظني أن الحدثين الجزائري والسوداني، قد نجحا في إحياء الأمل لدى العديد من شعوب المنطقة ومجتمعاتها، بإمكانية مواصلة المسير على دروب الانتقال للديمقراطية... فالحدث الجزائري يُتابع عن كثب من قبل الفاعلين المغاربة، في الحكم والمعارضة والشارع سواء بسواء، فانتقال الجزائر للديمقراطية، سيجعل من التجربة المغربية، التي طالما نُظِر لها بوصفها "متقدمة نسبيا"، شديدة التواضع، وسيحفز ذلك الناشطين والإصلاحيين المغاربة لطلب المزيد من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وصولا لملكية دستورية حقيقية، ونظام اقتصادي ـ اجتماعي أكثر عدالة.

والحدث السوداني، يُتابع عن كثب في مصر، التي أخفقت، برغم إطلاقها ثورتين شعبيتين كبريين في أقل من ثلاثة أعوام، في تحقيق حلم شعبها بالانتقال إلى ضفاف الديمقراطية والتعددية والحرية والنماء المتوازن.... ولقد استمعت من مصريين بسطاء في زيارتي الأخيرة للقاهرة، إلى عبارات الثناء والتقدير لـ"رجولة" أهل السودان، الذين طالما عانوا من نظرة مصرية استعلائية شائعة... والأردنيون المطالبون بالإصلاح والتغيير يتابعون على نحو لصيق ما يجري في البلدين من تطورات وأحداث، بالرغم من فاصل الجغرافيا واختلاف السياقات.

الموجة الرابعة لثورات "الربيع العربي" تبدو خليجية بامتياز

​​هنا، يمكن التنبؤ، وبقليل من الحذر، أن الموجة الثالثة من "الربيع العربي" مرشحة لأن تضرب مصر من جديد، فالإحساس بالخيبة والخذلان والخسارة، فضلا عن تفاقم الظروف والأحوال الاقتصادية والاجتماعية للمصريين الفقراء، هي عوامل كامنة تحت سطح الحياة اليومية في القاهرة والمدن والأرياف المصرية الأخرى... وكافة العوامل التي أدت إلى اندلاع ثورتي يناير ويونيو، ما زالت تتفاعل تحت السطح، ولا أحسب أن مفاعيل حملات "التخويف" من الإخوان المسلمين والتحذير من احتمالات عودتهم لحكم البلاد والتحكم بالعباد، ما زالت تجد آذانا صاغية من قبل المصريين، كما كان عليه الحال في السنوات القليلة الفائتة.

وفي الأردن، كما المغرب، أبدى النظامان الملكيان مرونة عالية نسبيا في الاستجابة لنداءات الشارع ومطالب التغيير، وشهد البلدان في العامين 2011 و2012 إصلاحات دستورية وتشريعية هامة، واتسعت على نحو غير مسبوق، فضاءات العمل العام، وأجريت أكثر من جولة انتخابية أكثر نزاهة... لكن توقف قطار "الربيع العربي" في محطاته الثلاثة: السورية والليبية واليمنية، وتراجع الاهتمام العالمي بنشر الديمقراطية لصالح "الأمن والاستقرار"، وتفاقم خطر التهديد الإرهابي الذي نما على جذع الحرب الأهلية في البلدان الثلاثة، مكّن القوى المناهضة للإصلاح و"الدولة العميقة" و"جماعة المخزن"، ليس من تعطيل مسار الإصلاح والتحول الديمقراطي فحسب، بل والعودة واقعيا عن الإنجازات المتحققة في سنيّ "الربيع العربي" الأولى.

وزاد الطين بلّة، أن البلدين الملكيين، واجها خلال السنوات القليلة الفائتة، تحديات اقتصادية جمّة، تمثلت في تباطؤ النمو وعجز الموازنة وارتفاع المديونية وتفشي الفقر والبطالة (الأردن)، فضلا عن اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء (المغرب بخاصة)... وكان لتفشي ظواهر التطرف الديني وتفاقم خطر الجماعات الإرهابية، دورا في تمليك "قوى الشد العكسي" ما تحتاجه من مبررات وذرائع للانتكاس عن إرهاصات الانتقال إلى نمط من "الملكية الدستورية" المستقرة.

وإذا كانت الحركات الاحتجاجية في الأردن قد اتخذت (وما زالت تتخذ) شكل الموجات الاعتراضية المتعاقبة ضد تشريعات وسياسات اقتصادية توصف بالجائرة، فإنها في المغرب تأخذ مسارا جهويا مناهضا للتمييز و"تفاوت النمو"، فضلا عن طابعها الحقوقي والمطلبي الذي يسعى في الدفاع عن منجزات العام 2011، وتعظيمها.

لكل هذه الأسباب، يُرجح أن تكون هذه الدول الثلاث، هي ساحات الموجة الثالثة من انتفاضات "الربيع العربي" وثوراته... وإذا كانت المؤسستان الملكيتان في الأردن والمغرب، قد خبرتا أنماطا عديدة من المرونة والاستجابة لمطالب الحراكات الشعبية والشبابية، فإن الحال يبدو مختلفا في مصر، حيث تلعب المؤسسة العسكرية دورا مغايرا لأدوارها في مصر والمغرب، الأمر الذي ينبئ بمستويات مختلف من العنف والكلف الناجمة عن حفز مسار الانتقال إلى الديمقراطية.

الموجة الرابعة

الموجة الرابعة لثورات "الربيع العربي" تبدو خليجية بامتياز... على أنها قد لا تكون فورية ومباشرة، وربما يحفزها بلوغ الأردن والمغرب ضفاف الملكية الدستورية... فالدول الخليجية الست، تواجه تحديات الانتقال من دولة "الريع" إلى دولة "الإنتاج" وتنويع مصادر الداخل، والعلاقة "الزبائنية" بين الدولة ومواطنيها (رعاياها) تكاد تبلغ نهاياتها... والأنظمة السلالية القائمة، باتت عاجزة عن استيعاب التغييرات المجتمعية العميقة، الناجمة عن ظهور أجيال من الشباب المتعلم والمنفتح على العالم بكافة تغييراته واتجاهاته، فضلا عن أزمات "الهوية" التي لا يكاد يخلو مجتمع خليجي واحد منها، سواء أكانت دينية أو مذهبية أو عرقية، فمعظم هذه الدولة لم تنجح في بناء "هويات وطنية جمعية" حتى الآن...

الحرب بين "القديم" و"الجديد" لم تضع أوزارها بعد

​​ثم، أن انتقال القيادة في عدد منها من جيل هرم (مخضرم)، إلى نمط من القادة الشبان، من دون أن يترافق ذلك مع ثقافة مؤسسية وبغياب المشاركة والمؤسسات التمثيلية، أفضى إلى دخولها في مغامرات أثارت استياء العالم منها وغضبه عليها (اغتيال خاشقجي وحرب اليمن والأزمة الخليجية الداخلية)... وثمة اعتقاد يزداد رسوخا، بأن "الحقبة الخليجية" في التاريخ العربي المعاصر، تكاد تلفظ أنفاسها، وأن وتائر هذه العملية قد تتسارع وتتباطأ على وقع المكانة الأخذة في التضاؤل عموما وعلى المدى البعيد، لمصادر الطاقة الكربونية.

لقد شهدت دولتان من دول الخليج الست، إرهاصات "ربيعها الخاص" تزامنا مع اندلاع ثورات الربيع العربي وانتفاضاته: البحرين وعمان، والمؤكد أنهما ليستا بمنأى عن احتمالات "الموجة الرابعة"، لكن المرجح وفقا لكثير من الخبراء والمراقبين، أن تتعرض الدولة الخليجية الأكبر: السعودية، لهذه الموجة، وسيتوقف مصير "الملكيات والإمارات" الست، على درجة المرونة والاستجابة التي ستبديها أنظمتها الحاكمة لحاجات التغيير والإصلاح، وهي ستقف في نهاية المطاف، أمام مفترق لا يُبقي لها سوى واحد من طريقين: إما الالتحاق بركب الملكيات الدستورية أو مواجهة خطر الانتقال العنيف، مع كل ما قد يستجلبه من انهيارات اجتماعية وسياسية، وربما أحداث عنف وتدخلات خارجية.

خلاصة القول: إن انتفاضتي السودان والجزائر، لم تعيدا الأمل بإمكانية استئناف قطار التغيير والإصلاح في العالم العربي لمساره فحسب، بل وفتحتا أفقا للتنبؤ بوصوله إلى مزيد من المحطات، الجديدة منها والقديمة في المرحلة القادمة، وقد يكون العقد الثالث من الألفية الثالثة، هو الإطار الزمني المرجح للموجتين الثالثة والرابعة من انتفاضات "الربيع العربي" وثوراته.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538591 4

محمد المحمود/

يواجه العالم اليوم وباءً خطيرا؛ أخطر ما فيه: سرعة وسهولة انتشاره، مخترقا كل الحدود السياسية والجغرافية، ومختبرا كل الثقافات الدينية والقومية في مصداقيتها، وفي جدواها أيضا، ومتحديا إمكانيات الدول، وفاصلا ـ في النتائج ـ بين حقائق الإنجاز التنموي وأوهامه، ومظهرا الفروق الهائلة بين الادعاءات الجوفاء وحقائق الواقع، ومعيدا ترتيب الأولويات على نحو غير مسبوق.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال؛ حتى وإن كان الاعتبار على المدى البعيد لا يتوفر عليه إلا قليل أو أقل من القليل؛ لأن ذاكرة المشاعر ـ وهي ذاكرة الجماهير/ الأغلبية الساحقة ـ قصيرة المدى، والتجارب/ الدروس الواقعية التي لا تُحوّلها الثقافة إلى أنماط عقلية مدعومة بتشكيلات مؤسساتية عامة، لا بد وأن يطويها النسيان، وتضطر الأمم لإعادة تجاربها/ آلامها من جديد.

كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته، وبالتالي؛ هو أقدر على التفسير المستغرق لكل التشكلات الثقافية المتمظهرة من خلال المسلك الإنساني الواقعي/ الوقائعي.

الوعي بالعولمة تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء

كوارث الطبيعة، مهما عظمت، تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي الخاص. الزلازل، والبراكين، وموجات التسونامي العاتية، والأعاصير المدمرة، والفيضانات الكبرى، لها مدى جغرافي لا تتعداه، وآثارها غير المباشرة تتضاءل حدتها باستمرار، وفق شروط التنائي الزماني والمكاني.

كذلك الكوارث البشرية/ الحروب وتوابعها؛ مهما عظمت، ومهما كان وقعها على ضحاياها المبشرين أقسى من وباء كرونا بآلاف المرات؛ إلا أنها تبقى محدودة جغرافيا، وبالتالي، فقدرتها التفسيرية التي نستطيع بها اختبار الثقافات تبقى ـ بالتبع ـ محدودة. فمثلا، إذا كانت الحرب العالمية الثانية أبادت الملايين من سكان أوروبا، فإن هناك شعوبا لم تعرف من ويلاتها وعذاباتها شيئا، وهناك شعوبا أخرى لم تمسها هذه الحرب الكونية إلا بأضرار جانبية/ غير مباشرة، كغلاء الأسعار وندرة بعض السلع وانقطاع بعض طرق المواصلات.

إذا كانت المنظمات الدولية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية؛ بقوة دفع مفاعيلها، والشركات العابرة للقارات، ثم الأنظمة الإعلامية والتواصلية التي جعلت العالم كله على مرمى ضغط زر في جهاز الحاسوب أو الهاتف...إلخ قنوات/ آليات العولمة، تعكس حقائق العولمة وتكشف عن تمظهراتها الواقعية، فإن هذا الوباء الفيروسي/ كورونا المستجد جعل العالم ليس قرية واحدة فحسب، بل ولا بيتا واحدا (يكون بإمكان بعض أفراده الاستقلال ببعض غرفه بحواجز/ بجدران، تمنع الرؤية/ تحفظ الأسرار/ تمنع الضرر)، وإنما جعله غرفة واحدة صغيرة ينكشف فيها الجميع على الجميع اضطرارا، ويتبادلون فيها الأسرار كما يتبادلون المصائب والآلام، ويقتسمون رغيف المستقبل ـ في لحظة الخطر الداهم ـ على حد سواء.

بناء على هذا ـ وبمنطق العولمة الأعمق والأقسى ـ لا تصبح كل دولة/ كل حكومة حُرّة تماما بما تفعله في حدود نطاقها الجغرافي/ فضائها السيادي، ولا يصبح من حق كل شعب أن يقرر خياراته الذاتية ـ بالمطلق ـ بعيدا عن العالم؛ لأن الآثار المباشرة وغير المباشرة لكل الخيارات (الحكومية والشعبية) على الآخرين، كل الآخرين أو معظمهم أو بعضهم، هي آثار متحققة على وجه اليقين.

لقد كان الباحثون في كثير من التخصصات الثقافية والعلمية، وبعض السياسيين الواعين، ومعظم المهتمين بالمسلك السياسي يدركون جيّدا أن ما يقع في قرية/ في مدينة نائية في الصين، أو في منافي سيبريا، يمكن أن يؤثر على الإنسان في قرية ما في جبال الألب، أو في صحراء الجزائر، أو في سهول تهامة الحجاز، أو في غابات نيجريا، أو في سواحل تشيلي، أو مستنقعات فيتنام. يدركون هذا على نحو عام، توقّعي، نسبي، غير مباشر، ولكنه كان حاضرا في الأذهان على الدوام.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال

نعم، هذا ما كان يدركه الباحثون والمهتمون منذ أمد بعيد، ولا يزال إدراكهم له يتصاعد بتصاعد قنوات التواصل/ التأثير، ويتعولم باتساع فضاءات العولمة. لكن، بقي وعي عموم الناس/ الجماهير العريضة، بمن فيهم بسطاء أصحاب القرار في كثير من دول العالم، قاصرا عن تصور مستوى تفاعلات العولمة ومتتالياتها، أي قاصرا عن التثاقف مع أطروحات أولئك الباحثين والمهتمين.

هنا، نضع أيدينا على المُتغيِّر الأهم في مدلولات التفاعل العالمي، الرسمي والشعبوي، مع هذا الوباء الجديد، حيث العولمة باتت تقرع كل باب، بل تضع أصابعها ـ بقوة شراسة هذا الوباء ـ في عين كل إنسان، كل إنسان بلا استثناء، فمن لم يره واقعا متجسدا، رآه خيالا كواقع، خيالا يتسلل إليه ـ بشكل متكرر، متواصل، متفاعل كحدث يصنع وقائعه ـ من خلال قنوات التواصل والإعلام. ما يعني أن الوعي بالعولمة ـ الوعي على نحو عملي ـ تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء.

لقد تعمّق الوعي بالعولمة من حيث كون الأمر لم يعد تشابك مصالح على نحو يغدو معه التأثير نسبيا، ومن ثم، يقع في دائرة الخيارات ومُقَايَسة مستوى التضحيات، بل غدا التأثير حاسما/ مصيريا، إذ أدرك الجميع ـ وخاصة بعد تعولم الوباء ـ أن ما يحدث في مدينة صينية لم يسمعوا بها من قبل، لا يؤثر على تيسير أو تعسير نمط من أنماط حياتهم فحسب (كما كان الأمر من قبل في بعض المخترعات التقنية)، بل بات يؤثر في وجودهم ذاته، في حياتهم/ موتهم. 

وطبعا، الوعي بهذا التهديد لا يُشْترط فيه "المباشرية الوقائعية"، أي أن يروا قوافل توابيت الموتى أمام أعينهم في واقعهم، بل يكفي أن ينظروا إليها من خلال الشاشة إعلاميا/ تواصليا، ويروه في الواقع ملموسا من خلال متواليات وقائع الرعب المتمثلة في الشلل الاستثنائي لكثير من أنماط الحياة الطبيعية/ المعتادة. فالأجواء الاستثنائية التي لم تحصل حتى في أزمنة الحروب الكبرى، باتت تعمّق الإحساس بالخطر؛ من حيث هي تعمّق الإحساس بوحدة المصير الإنساني، والعكس صحيح؛ إذ لا أحد، لا أحد بالمطلق، بمنجاة من هذا الخطر الذي يتهدد الوجود ذاته، وليس فقط طبيعة الوجود، وجود كل أحد، وليس وجود بعض دون بعض، فلا أحد يمتلك حصانة، وأصاب بالفعل مشاهير من كافة الميادين، بل وطرق أبواب كثير من قادة العالم الكبار.

من جهة أخرى، بات الوعي بالعولمة يتوسّع نطاقه ليشمل حتى أولئك الذين ظنوا في يوم من الأيام أنهم قادرون على الانزواء عنها، وبالتالي، التحرر من كل آثارها، أو من معظمها على الأقل. اليوم، يجعلهم هذا الوباء في قلب تفاعلات العولمة قسرا. إنهم إن استطاعوا في يوم من الأيام الهروب من أضرارها الحقيقية أو المتوهمة، فهم اليوم ـ وعلى الرغم منهم ـ أصبحوا وجها لوجه مع مخالبها وأنيابها الحادة التي تهددهم بالافتراس. وتكون المفارقة أن لا نجاة لهم من مخالب هذه العولمة إلا بالدخول معها في تفاعل أكبر وأشمل.

لقد توسع نطاق العولمة حتى رأينا أولئك الذين لم يسمعوا بالعولمة في يوم من الأيام، أو سمعوا بها كمصطلح عابر، أقصد: مئات الملايين من البشر الذين هم الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب الحي، وقد أصبحوا يعون ـ عمليا، وبدرجة عميقة بعمق خطر المرض/ خطر الموت ـ أنهم مُتَعَولِمون؛ حتى وإن جهلوا كل كلام المثقفين وكبار الساسة والاقتصاديين عن العولمة طبيعة وآثارا وتطلعات. ما يعني أن كل إنسان وعي العولمة من خلال وعيه بأن مصيره قد يكون مرتبطا بمصير أي إنسان في أي مكان.

ولأن هذا الوباء الخطير أصبح وباء عالميا/ متعولما، فقد أصبحت ردّات الفعل عليه متنوعة بحجم تنوع واختلاف الثقافات في هذا العالم؛ حتى وإن كان الرد الرسمي: الصحي/ الحكومي ـ المؤسساتي في العالم كله، متشابها إلى حد كبير في طبيعة الإجراءات الوقائية أو العلاجية. ففي القرارات التي تدفع بها الثقافات التي تنظر لصحة الإنسان بوصفها مسؤولية فردية، أو بوصفها ليست أولوية بالمطلق؛ شاهدنا التراخي الذي قاد إلى مصائر كارثية، تكاد ـ بقوة العولمة ـ أن تقود العالم كله إلى مصير مجهول.

أما في الثقافات المتخمة بالخرافة، فقد رأينا كيف أن الأغبياء من سدنة هياكل المقدس يُجاهِرون بل ويُفاخِرون بكسر يقينيات الطب، ويستخفون بالتعليمات الصحية الوقائية؛ فيرفضون فضّ الاجتماعات التي تتقارب فيها الأجساد بل تتلاصق، وأكثر من ذلك، رأيناهم يبيعون الوهم لأتباعهم السذج، فيزعمون أن أماكن القداسة تمتلك قدرات خارقة على تطهير الفضاء المقدس من الوباء، أو أن المصلين يمنحهم الله قدرة وقائية استثنائية لأنهم في صلاة/ اتصال روحاني مع الله!.

لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية

تحت وقع الإحساس العميق بالمسؤولية، تصدر كثير من الحكومات قرارات حازمة بمنع التجمّع، بل تُعطّل المدارس، وتلغي الفعاليات، وتغلق المتاجر الكبرى، وتُعلّق معظم الاجتماعات؛ إن لم يكن كلها، وتمنح الموظفين إجازات إجبارية مدفوعة الأجر؛ كل هذا لتساعد الشعوب على تنفيذ التوجيهات للبقاء في البيوت. 

لكن، تجد الثقافة المجتمعية/ الشعبوية بالمرصاد لكل تلك القرارات الإيجابية، إذ لا تكتفي بتفريغ تلك القرارات من مضامينها، بل إنها تقلبها إلى عكس المتوقع منها، حيث تُبادِر هذه الجماهير إلى استغلال هذا التعطيل المؤقت (التعطيل للنشاطات الرسمية العامة) فتعقد الاجتماعات العائلية الكبرى، وتخرج للأسواق والمتنزهات؛ دونما أدنى استشعار للخطر، على الرغم من علمها بالخطر، وعلى الرغم من تكرار التحذير على أوسع نطاق.

طبعا، هنا المعضلة الثقافية، فأنت لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية. المسألة لها أبعادها الثقافية/ التربوية التي تأخذ ـ بالضرورة ـ تخطيطا شموليا/ متضافرا، متتابعا في مدى زمني طويل.

لا يمكن أن تقنع المتدين الساذج بعدم الذهاب للمسجد، والاكتفاء بالصلاة في البيت؛ لأن الوقوف في صف واحد، وبأجساد متلاصقة؛ للصلاة، هو أخطر ـ في هذا الظرف الصحي العام ـ من معظم صور الاجتماع التي تُحذّر وزارات الصحة منها. لا تستطيع أن تقنعه بهذا؛ لأن وعيه تشبّع بمفاهيم تجحد منطق العلوم، أو هي تَزْورّ عنه، أو هي تستخف به في أحسن الأحوال.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الوباء والعولمة والثقافة DF9FFA06-1C3A-440E-8158-D4238A39ADF5.jpg AFP الوباء-والعولمة-والثقافة 540888 كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته 2020-03-17 11:31:17 1 2020-03-17 11:32:17 0