Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مغاربة في مسجد بمدينة طنجة شمالي المغرب
مغاربة في مسجد بمدينة طنجة - أرشيف

سناء العاجي/

"ناقصات العقل والدين يتغطوا، عشان كامل الدين والعقل مش قادر يمسك نفسه"، كتبت إحداهن في رد جميل وممتع ولاذع على حملات "غطي بنتك، خلي الناس تعرف تصوم".

منذ بضع سنوات، ومع كل مطلع رمضان، يطلق البعض حملات مشابهة تدعو الرجال لتغطية "بناتهم" و"نسائهم" حتى يتمكن هؤلاء من الصيام بدون إغراءات. طبعا، فالخطاب ليس موجها للمعنيات بالأمر، بل لمن يعتبرهم منسقو هذه الحملات أوصياء على النساء. على الرجال أن يتخذوا القرار في حق بناتهم وزوجاتهم وأخواتهم من النساء، لأن هؤلاء قاصرات، مهما بلغ عمرهن، ولأن الرجل يقرر تغطيتهن، وإلا كان "ديوثا".

لا يمكنك أن تطلب من الآخر أن يمارس سلوكا معينا لكي تدخل أنت الجنة

​​العجيب أن ذلك الرجل القادر القوي العاقل المتدين المؤمن الكامل المكتمل، يزعزع صيامه أن يرى شخصا آخر يأكل بحضوره، ويزعزع صيامه أن يرى امرأة ترتدي بنطلونا ضيقا أو تنورة (علما أن نساء كثيرات تعرضن للعنف أو التحرش أو الاغتصاب، دون أن تكون ملابسهن ضيقة ولا قصيرة) ويزعزع صيامه أن يعلن شخص آخر أنه اختار دينا آخر غير الإسلام (أو اختار عدم التدين أساسا) ويزعزع صيامه نقاش عن الموروث الديني أو عن حرية المعتقد.

متى سيقتنع الرجل المسلم أن تدينه خاص به، ويفترض أن يمارسه بكامل إرادته، بعزيمة خاصة به، بقناعات خاصة به. لا يمكنك أن تطلب من الآخر أن يمارس سلوكا معينا لكي تدخل أنت الجنة. لا يمكنك أن تفرض على الآخر الصوم (أو التظاهر به في الشارع العام، كما ناقشنا ذلك في المقال السابق: "الأكل ليس جريمة") كي تدخل أنت الجنة. لا يمكنك أن تفرض على النساء زيا معينا كي تدخل أنت الجنة.

أين إيمانك في كل هذا، إذا كنت تحتاج لضبط سلوك الآخرين والتحكم فيه، حتى يتحقق لك شرط التدين؟

ثم، هذا الهوس بأجساد النساء، لماذا لا نجده بهذه الشدة إلا في المجتمعات التي يعطى فيها للرجل "حق" تغطية أجساد النساء؟ لماذا توجد أعلى نسب التحرش في بلدان كمصر وأفغانستان، ولا نجدها في السويد والدانمارك؟ لماذا يعتبر سكان الدول المتقدمة بأن التحرش جريمة يعاقب عليها القانون وتعاقبها التمثلات المجتمعية؛ بينما في مجتمعاتنا، قد نقوم بكل شيء حتى نحمي الجاني: نسائل ملابس الضحية ووقت خروجها ومكان وجودها وتنفسها وابتسامتها ولون حقيبة يدها.

حسب دراسة أنجزتها الباحثة المصرية رشا محمود حسن تحت عنوان: "غيوم في سماء مصر"، فإن 72،9٪ من النساء المصريات اللواتي يتعرضن للتحرش بشكل يومي، يلبسن الحجاب أو النقاب. نعم! 72،9٪ من ضحايا التحرش الجنسي اليومي... محجبات أو منقبات.

متى سيقتنع الرجل المسلم أن تدينه خاص به

​​وما زال الأخ العزيز مصرا أنه، على زميله وجاره وابن عمه أن "يغطي ابنته عشان الناس تصوم"! ما زال غير مقتنع أن المشكلة ليست في لباس ابنة جاره بل في الهوس المرضي الذي يعاني منه ويعاني منه الآلاف من الرجال حوله (مع الشكر طبعا لكل للرجال المحترمين الذين لا يوجدون ضمن هذه الخانة).

الكارثة الأخرى هي حين تروج بعض النساء لهذا الخطاب الذي يجعل جسدهن جريمة ويجعل غطاءهن شرطا لسلامة صيام وتدين الرجل.

لعلنا نحتاج لعقود كي نقتع بأمر في غاية البساطة: من حق أي كان أن يكون متدينا. من حق أي كان أن يمارس معتقداته الدينية. لكن، ليس من حق ذاك الشخص أن يفرض التدين أو الممارسة الدينية على الآخرين. ليس من حقه أن يشترط على الآخرين سلوكيات معينة حتى يكتمل تدينه... وفوق كل هذا، من واجب الدولة أن تحمي تدين البعض... لكن أيضا عدم تدين البعض الآخر أو، بكل بساطة، اختياراتهم المختلفة. التدين وعدم التدين اختيار شخصي وليس للدولة أن تتدخل فيه سلبا أو إيجابا؛ وإلا، فهي توسع من هوامش التسلط الديني للأفراد!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538592 4

منى فياض/

في مدة زمنية قياسية استطاع كائن طفيلي مجهري أن يقلب العالم ويثير الرعب والهلع ويقطع أوصال الكرة الأرضية ويتسبب بهبوط الأسهم وخسائر للبورصة تعد بالمليارات. ويعطل هذا الفيروس الشركات والمدارس والجامعات والشركات والإدارات ويوقف السياحة ويفرغ المحال من المواد الغذائية والبضائع ويخفض أسعار البترول ويفضح الثغرات في القطاعات الصحية للبلدان ويغلق دور العبادة ويلغي المؤتمرات والمهرجانات. فينقلب مشهد المدن، وتقفر شوارعها إلا من التحسر لغياب المشاة والسيارات والمتجولين وافتقاد حيوية وحياة المطاعم والمقاهي والملاهي والمرافق. وكأننا نعيش داخل أحد أفلام هوليوود عن انتشار الأوبئة ونهاية العالم.

بأقل من شهر دخلنا نمط حياة جديد؛ تعطلت حركة المطارات والموانئ وارتفعت رايات الانغلاق والتقوقع لتقف كالسد بوجه الآخر والغرباء القادمين من دول أخرى. وهو ما يذكر بأزمة اللاجئين وما أثارته من هلع استعاد مشاعر الخوف والتعصب. بحيث أشار أحد كتاب الغارديان إلى أن "ترامب تعامل مع “كورونا” كجيش أجنبي وشبكة إرهابية تغزو أميركا".

نظرا للانتشار الصاروخي لفيروس كورونا الوبائي، صنفته منظمة الصحة العالمية "بالجائحة". ومن غير المتوقع إيجاد علاج له في المدى المنظور. ونظرا لغزوه الكرة الأرضية بعد الكوارث البيئية المتلاحقة من حرائق وفيضانات وعواصف واضطرابات مناخية مؤهلة للتصاعد، يحيلنا الظن إلى أن الكرة الارضية تنتفض، كالحيوان عندما يريد التخلص من الطفيليات التي غزت جلده. ضاقت بنا الأرض ولم تعتد تحتملنا، فتصفعنا دوريا وكأنها تقول لنا: كفى، كفى عبثا بقوانين الطبيعة.

تشوش الأفكار والمشاعر يثير الهلع فنصبح فريسة سهلة لتلقي البروباغندا

وكأن الكون يريد استعادة بعض توازنه بعد الخلل المتمادي جراء النشاط البشري..

كورونا الذي انتشر بفضل العولمة وسرعة الانتقال وكونية والتبادلات، جاء ليمتحن قدرتنا على تدبر أمورنا والعيش دون شبكة العلاقات والتبادلات الكونية التي تزودنا بما نحتاجه.

المفارقة هنا أن هذه القدرة والسرعة اللامحدودة على التبادل المعولم، كانت السبب في تقطيع أوصالنا عندما سهلت تبادل وانتشار الأوبئة في نفس الوقت.

عجّل كورونا بانتقالنا عقودا إلى الامام، فبعد أن الشكوى المتصاعدة من تأثير وسائط ووسائل التواصل الرقمي على العلاقات بين البشر وعلى سيكولوجيتهم وتأثير العزلة على نفسيتهم وتوازنهم النفسي والخوف على الأطفال ونموهم وعلاقاتهم الاجتماعية السوية؛ وجدنا أنفسنا ممنوعين من التبادل المباشر، محتجزين خلف جدران الحجرات كي نتسمر أمام شاشاتنا الكبيرة والصغيرة، في قلب العالم الافتراضي الذي كنا نتهيب من احتمال سيطرته علينا.

إنه تمرين للمستقبل حيث ستحل اللوغاريتمات مكان النشاط البشري فيتحولون للعيش الافتراضي. علق البعض أن علينا أن نحول المحنة إلى مناسبة كي نتنفس الصعداء ونتغير ونبحر لنتعمق في أبعد حدود دواخل ذواتنا كي نتصالح مع أنفسنا ونسامح الأخطاء ونعيش سلاما داخليا يجلب لنا الفرح المفقود. 

لكن البعض الآخر تخوف من الحجر المنزلي ومن عزلته عن الآخرين وشوقه الآتي لهم وافتقد النشاطات التي جمعته معهم وكانت مجرد ذريعة للتلاقي. وقد يقود هذا إلى الجوع العاطفي وتبعاته.

إن انتشار الأوبئة يثير الهلع والخوف فتستعيد ذاكرة البشر أزمنة الضيق والعوز والفناء واقتراب الآخرة ونهايات العالم. فكان كورونا هو الصدمة المفاجأة التي هيأت أرضية مناسبة كي تستعيد التقاليد الإيمانية زخمها؛ من الصلوات إلى إنارة الشموع والتوسل بتراب القديسين وتزنير الكنائس بالألبسة واللجوء إلى الأدعية والتكبير على الأسطح والشرفات لكن تنتعش في نفس الوقت الشائعات والفرضيات والخرافات فتعم الفوضى في تناقل المعلومات.

إن تشوش الأفكار والمشاعر يثير الهلع فنصبح فريسة سهلة لتلقي البروباغندا وتصديق الأكاذيب على أنواعها. فالشر المستطير ينتظر عند زاوية المستقبل المهتز والغامض. فتتوسع نظريات المؤامرة وتتعدد ردات الفعل. راج جراؤها تسجيل صوتي على "واتساب" يقلد صوت المجيب الإلكتروني يلخص ردود الفعل: "أهلا بكم في لبنان في زمن كورونا، للغة المنطقية القائلة ببقائك في البيت، اضغط على الرقم 1. لنظرية ما في شي كله شقفة كريب (الرشح)، اضغط على الرقم 2. لنظرية وين السهرة اليوم وهل نمارس السكي (التزلج) غدا؟ اضغط على الرقم 3، لنظرية المؤامرة الصهيوأميركية وراء انتشار فيروس كورونا اضغط على الرقم 4. لنظرية الله والقديسين والأنبياء لن يدعوا الفيروس اللعين يطالني، اضغط على الرقم 5. لنظرية فييش انزرب بطق، اضغط على الرقم 6. نظّر متل ما بدك وقد ما بدك بس خليك بالبيت احمي حالك واحميني".

وكل ذلك يحصل على خلفية المشاكل الوجودية غير القابلة للحل والخيبات المتوالية التي يعيشها اللبناني. ناهيك عن فقدان الثقة بالمؤسسات وبالمسؤولين وتقصير الحكومة والمؤسسة الصحية في مواجهة الوباء. لذا يسمح اللجوء إلى الخرافة بتخفيف القلق وخفض التوتر.

يضاف إليها الانقسام السياسي العامودي الذي حوّل كورونا إلى سلاح اضافي في المعارك السياسية. هناك معركة تدور بين السعودية وإيران على خلفية اتهام السعودية لإيران بالمساهمة في نقل الإصابة إليها لعدم الإعلان عنهم لأخذ الاحتياطات اللازمة تجاه القادمين من إيران إلى السعودية.

وفي لبنان تتصاعد الاتهامات لجماعة "حزب الله" اللبنانية بأنها تسببت بانتشار العدوى وجعلها وباء بسبب تسييس كورونا وعدم القبول بوقف الرحلات مع إيران حتى بعد إقفالها هي نفسها الحدود مع الآخرين. مع معلومات عن استقبال مصابين إيرانيين في لبنان. بينما يصرّ الحزب على رفض التهمة بنقل العدوى وترك الحدود مشرعة حتى بعد طلب إيران مساعدة صندوق النقد الدولي لعجزها. ربما يصبح بإمكاننا الآن الاستعانة بالصندوق بعد أن سمحت إيران له "بمس سيادتها!".

فضح كورونا مخاطر العولمة في ظل عجز الدول وتراجع قدرتها على السيطرة والتنسيق بينها

يصبح من الطبيعي أن تهتز ثقة المواطن بكل ما يمس الدولة بصلة. فكل شيء يثير الشبهة والشك والحذر في ظل غياب المسؤولية. لكن المضحك المبكي حالة الإنكار المتمادية لدى المسؤولين، فنجد وزيرة الإعلام تتصدى لإدانة "الافتراءات" على الدولة اللبنانية التي يتهمها الشعب بالتقصير والتقاعس! مذكرة بشهادة العديد من السفراء "الذين أبلغوا المسؤولين اللبنانيين أن بلادهم اتخذت من إجراءات لبنان نموذجا لاعتمادها"! وتعترض على محطة تلفزيونية لرفعها شعار "حالة طوارئ" ـ مع أنها ساهمت بالحجر الطوعي من قبل كثيرين ـ ليتبين أن الشعب في لبنان أكثر مسؤولية من حكومته. 

يبدو أننا نتحول بسرعة إلى دولة استبداد، فيلاحق المغردين ويعاقب الصحفيين وكل من ينتقد أداء الحكومة. فكورونا فضح الأنظمة الاستبدادية التي تمتنع عن الإفصاح عن المصابين فيها كإيران وروسيا وتركيا وحتى مصر.

فضح كورونا مخاطر العولمة في ظل عجز الدول وتراجع قدرتها على السيطرة والتنسيق بينها. الأزمة الصحية ستترجم إذن في اضعاف الديمقراطيات عبر إظهار عجز مؤسساتها عن مواجهة الوباء بفعالية، فيما ستقوي السلطات القمعية، على غرار الصين التي استفادت من الأزمة لزيادة أدوات رقابة وضبط الجمهور بواسطة تطبيقاتها الرقمية.

لكن مهما تصاعدت أصوات الشعبويات المطالبة باستعادة الحدود والحواجز بين البلدان إلى درجة إقفالها والانتقال إلى الفيدراليات داخلها كما يريد البعض في لبنان؛ سينبثق عنها، رغم ذلك، إظهار حقيقة أن عالمنا الحالي، بكل مخاطره وانحرافاته، لديه القدرة على رفع حظوظ التعبئة والتعاون التنسيق بين الأطباء والباحثين من أجل اكتشاف المصل المضاد. وحينها لن تقفل أي حكومة حدودها بوجه هذه العولمة بل العكس، إلا إذا كانت من نمط شخصية مقتدى الصدر الذي أعلن رفضه للقاح إذا جاء من أميركا! 

مع فيروس كورونا ننتقل إلى مرحلة جديدة مفتوحة على كل الاحتمالات. ففي الوقت الذي نتعامل فيه مع الآخر كتهديد ونضع الحواجز بيننا وبينه، نجدنا أمام عالم بأسره يحمل المعقمات ويرتدي القفازات ويضع الكمامة. إنه توحيد في السلوك غير مسبوق. البشرية بأسرها تواجه التهديد الوجودي نفسه. تصبح المفارقة أن البشرية تتوحد في مواجهة خطر داهم مشترك عبر وضع السدود بين أفرادها!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
كورونا... الأرض تنتفض 0118E57E-7508-481A-BE9D-90FF27AF98F0.jpg AFP كورونا-الأرض-تنتفض 540889 في الوقت الذي نتعامل فيه مع الآخر كتهديد ونضع الحواجز بيننا وبينه، نجدنا أمام عالم بأسره يحمل المعقمات ويرتدي القفازات ويضع الكمامة. إنه توحيد في السلوك غير مسبوق 2020-03-17 11:33:49 1 2020-03-17 11:33:49 0