Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

إسلاميون جزائريون في مسيرة (2013)

محمد المحمود/

قبل مقاربة هذا الموضوع/ الصحوة الإسلامية من حيث البداية والنهاية، لا بد من الإشارة إلى أن هناك التباسا يتكرر عند استحضار هذا الدّال؛ من حيث تحديد ماهية المدلول/ المشار إليه. فعند إطلاق مصطلح "الصحوة الإسلامية"، هناك الصحوة الإسلامية التي بدأ زخمها منذ العقود الأولى للقرن العشرين (وتحديدا بظهور جماعة الإخوان المسلمين ابتداء من 1928) تلك الصحوة التي تمتد بداياتها/ جذورها إلى أواخر القرن التاسع عشر على يد الأفغاني ومحمد عبده، وهناك الصحوة الإسلامية المعاصرة التي بزغ نجمها بعد اندحار المشروع القومي بفعل الهزيمة الساحقة المخزية عام 1967، وبلغت أوجها أواخر القرن العشرين، ثم بدأ نجمها الصاعد بالأفول

بين الصحوتين عموم وخصوص، فالصحوة المتأخرة التي استأثرت إعلاميا بهذا المصطلح هي نتاج ـ بقدر ما هي جزء ـ من الصحوة الإسلامية الأولى التي ظهرت كرد فعل على التهديد الغربي الحديث، الذي اتضح بعد الاصطدام الأول به، أنه لم يكن تهديدا عسكريا كما هو المعتاد إبان القرون الوسطى (الحروب الصليبية)، وإنما هو تهديد ثقافي/ حضاري/ ديني؛ فضلا عن كونه تهديدا عسكريا.

تبدو الصحوة الإسلامية اليوم وكأنها في طريقها إلى الاندثار

​​الصحوة الإسلامية المتأخرة هي ذروة الحراك النضالي الأول الذي كان يرد بالإسلام على التحدي الغربي، هي اكتمال الطموح ونضوج الفكرة في بلوغها الحد الأعلى من التغول الشمولي. وبلا شك، لولا المنجز السابق في الصحوة الأولى، المنجز الذي أسس لمشروعية كثير من مقولات الثانية؛ ما كان لهذه الصحوة الثانية أن تكون، أو على الأقل، ما كان لها أن تكون على هذا النحو الذي كانت عليه في الثلث الأخير من القرن العشرين.

على أي حال، كانت الصورة الأولى تشي بأن الصحوة الإسلامية تسير ـ بعمومها ـ في طريق الانتصار الشامل؛ جماهيريا على الأقل. لقد نمت وتطورت بشكل فاق كل التوقعات، انفجرت ـ كإغراء إيديولوجي وكفاعلية حركية ـ أواخر القرن العشرين. وقد شكل هذا الانفجار أو الازدهار صدمة لكثير من الباحثين، العرب والأجانب، إلى درجة أن بعض مثقفي العرب من ذوي التوجهات العلمانية رفضوا تصديق هذا الواقع الجديد المعاند لتوقعاتهم، ومارسوا المغالطة في كثير من تنظيراتهم التشخيصية لهذا الواقع، مقدمين رغباتهم وأحلامهم بوصفها الواقع المتحقق فعلا، بينما هي لم تكن إلا الواقع الحلم/ الواقع المخادع في أحسن الأحوال.

مع كل هذا، تبدو الصحوة الإسلامية اليوم وكأنها في طريقها إلى الاندثار، تبدو وكأنها ـ من حيث هي تعبير عن أزمة ما، وعن ظرف سياسي واجتماعي وثقافي/ ديني ـ خارج نطاق الفعل التاريخي؛ بما يوحي بهزيمتها النهائية، وخروجها من المشهد عما قريب.

وإذا كان هذا لا يعني بالضرورة امّحاء الظاهرة الإسلاموية تماما، ولا غياب المتأسلمين من مسار الحراك الاجتماعي والسياسي بالكلية، فإنه يعني ـ وهو الأهم تشخيصا ـ غياب الفعل المؤثر كرقم صعب في مجمل التحولات التي تمر بها الأقطار ذات الأغلبية الإسلامية، بحيث يصبح "الصحويون" في مسرح الأحداث مجرد متفرجين كبقية الأطياف؛ بعد أن كانوا من جملة صانعي الأحداث.

لكن، وهنا السؤال الأهم، ما الذي حدث لتنتهي الصحوة إلى هذا الواقع المزري، إلى هذه الهزيمة، بعد كل مؤشرات النصر، وكل توقعات الانتصار؟ في تقديري أن هذه الهزيمة، أو هذا الانحدار الذي يبدو مفاجئا، يرجع لأسباب كثيرة، ذاتية وموضوعية، يصعب حصرها هنا، ولكن أهمها ما يلي:

1 ـ التحولات العميقة في العوامل التي دفعت في اتجاه ازدهارها سابقا. فالعوامل التي كانت قد أسهمت في صعود الصحوة وازدهارها، تراجعت أو ضعفت، أو انقلبت إلى الضد؛ فأصبحت عوامل تسهم في تراجعها، أو كبح جماحها. فمثلا، مساحة الجهل العامة التي استثمرت فيها الصحوة كثيرا؛ أخذت في التلاشي نسبيا، وكذلك طرأ تغير جذري على احتياج بعض الحكومات التي كانت قد تحالفت معها أو فتحت المجال لها لتدعيم شرعيتها الجماهيرية، وذلك لأنها أصبحت مصدر تهديد بعد أن كانت مصدر تأييد.

الانهيار التام لمشروع هذه الصحوة مرهونا بتراجع التجربة التركية والتجربة الإيرانية

​​أيضا، يمكن ملاحظة تراجع الروح الأممي لحساب الروح الوطني القُطْري، والروح الأممي هو الذي كان سائدا، وقد لعبت الإسلاموية على أوتاره كما لعبت القومية على أوتاره من قبل. والمعنى أن احتلال موقع القومية بعد هزيمتها الساحقة كبديل واعد لم يعد مغريا من الأساس؛ لأن التفكير الأممي الحالم من حيث هو كذلك/ أممي، بدا تافها؛ بقدر ما هو ساذج وغير واقعي؛ أيا كان نوع الأيديولوجية التي تحاول الاستثمار فيه.

2 ـ راهنت الصحوة/ الإسلاموية على التأطير الأيديولوجي المحكم الذي كان من ضروراته الانغلاق/ الجهل. وقد كان هذا ممكنا إلى حد كبير في مرحلة ما قبل الانفتاح الاعلامي والمعلوماتي الذي جعل من المستحيل التحكم في مصادر التلقي، بعد أن أصبح الفرد في أي مكان في هذا العالم مفتوحا على الفضاء بكل ما فيه. فمثلا، إذا كانت الصحوة قامت على تشويه بل وتجريم نمط الحياة الغربية/ العالم المتحضر؛ بوصفه نمطا غير أخلاقي وغير فاعل في آن؛ لصالح نمط إسلامي مُتخيّل يتعالى على الواقع الإسلامي المتردي، فهذا الانفتاح الإعلامي وضع جماهير التلقي/ المسلمين في قلب المشهد، بحيث يرون الآخر على حقيقته، وليس كما ترسمه أيديولوجية التطرف الديني.

3 ـ اصطدامها ـ نتيجة تطور؛ فتحوّل من الكمي إلى النوعي ـ بالقوى السياسية الفاعلة التي كانت داعمة لها في الماضي، فأصبحت تضعها في خانة العداء؛ نتيجة إدراكها لخطرها على وجودها، لا من حيث تبني كل طرف لأيديولوجية مختلفة عن أيديولوجية الطرف الآخر فحسب، وإنما لكون الحراك السياسي لكلٍ من الطرفين يسير في الاتجاه المعاكس للطرف الآخر. فهذه القوى السياسية الفاعلة قائمة على التصور القُطْري/ الوطني، والصحوة قائمة على التصور الأممي الذي لا يمكن أن يكتمل مشروعه المعلن/ دولة الخلافة إلا على أنقاض الأقطار الوطنية التي كانت ولا تزال محل ازدراء بل وعداء الأيديولوجية السائدة لدى الصحويين.

يمكن ملاحظة تراجع الروح الأممي لحساب الروح الوطني القُطْري

​​4ـ فشل التجارب الناجحة، أو تلك التي بدت أنها ناجحة بمجرد نجاحها في الوصول إلى الحكم، كما في السودان، وإيران، طالبان، ومصر الإخوان. فالصحوة الإسلامية كانت قد وضعت مسألة الحكم كهدف محوري؛ من حيث هو آلية تحقيق الوعود الطوباوية التي سحرت بها جماهير المقهورين والمهزومين. وعندما وصلت إلى الحكم لم يكن المنجز على مستوى الوعود، بل كان كارثيا في معظم الأحوال. وبهذا فَقَدَ الوعد الطوباوي بريقه، وربما تحوّل إلى ضده، فبعد أن كان أداة جذب وحشد، أصبح أداة نفي وتنفير؛ بعدما انكشف واقع مروجيه؛ إما عن "جهلة مغفلين"، وإما عن "مخادعين محتالين"، وهم في كلتا الحالتين لا يستحقون الاحترام، وخاصة في نظر جماهير القرن الميلادي الجديد، هذه الجماهير التي بدأت ـ بفضل الانفتاح الكبير في المجالين: الإعلامي والمعلوماتي ـ تعقد المقارنات المتنوعة بين واقعها البائس من جهة، وواقع كثير من دول العالم التي حققت كثيرا من المنجزات من جهة أخرى.

كل هذا يشير إلى تراجع صحوي إسلاموي شديد بدأ منذ نحو عقدين تقريبا. لكن، يبقى الانهيار التام لمشروع هذه الصحوة مرهونا بتراجع التجربة التركية والتجربة الإيرانية، بوصفهما تجربتين حاضرتين في ضمير الصحوة والصحويين المتأسلمين. وأهميتهما ـ من حيث النتائج المترتبة على نجاحهما أو فشلهما ـ لا تنبع من كونهما يمثلان الخيارات الأيديولوجية لأهم مذهبيين في العالم الإسلامي (السني ـ الشيعي) فحسب، وإنما ـ أيضا ـ من حيث هما يمثلان نماذج حية للتجارب الممكنة؛ من حيث مستويات التديين أو مستويات العلمنة (الديني ـ العلماني). فإذا كانت التجربة الإيرانية تمثل الصراحة الأصولية المتمثلة في دولة ثيوقراطية منحازة إلى أقصى اليمين الديني، فإن التجربة التركية تمثل الخيار الإسلاموي المتعلمن/ المراوغ؛ عندما يقرر امتطاء العلمنة؛ ليظهر كخيار مرن يقف في أقصى اليسار الديني، وأقصى اليسار العلماني.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538592 4

منى فياض/

في مدة زمنية قياسية استطاع كائن طفيلي مجهري أن يقلب العالم ويثير الرعب والهلع ويقطع أوصال الكرة الأرضية ويتسبب بهبوط الأسهم وخسائر للبورصة تعد بالمليارات. ويعطل هذا الفيروس الشركات والمدارس والجامعات والشركات والإدارات ويوقف السياحة ويفرغ المحال من المواد الغذائية والبضائع ويخفض أسعار البترول ويفضح الثغرات في القطاعات الصحية للبلدان ويغلق دور العبادة ويلغي المؤتمرات والمهرجانات. فينقلب مشهد المدن، وتقفر شوارعها إلا من التحسر لغياب المشاة والسيارات والمتجولين وافتقاد حيوية وحياة المطاعم والمقاهي والملاهي والمرافق. وكأننا نعيش داخل أحد أفلام هوليوود عن انتشار الأوبئة ونهاية العالم.

بأقل من شهر دخلنا نمط حياة جديد؛ تعطلت حركة المطارات والموانئ وارتفعت رايات الانغلاق والتقوقع لتقف كالسد بوجه الآخر والغرباء القادمين من دول أخرى. وهو ما يذكر بأزمة اللاجئين وما أثارته من هلع استعاد مشاعر الخوف والتعصب. بحيث أشار أحد كتاب الغارديان إلى أن "ترامب تعامل مع “كورونا” كجيش أجنبي وشبكة إرهابية تغزو أميركا".

نظرا للانتشار الصاروخي لفيروس كورونا الوبائي، صنفته منظمة الصحة العالمية "بالجائحة". ومن غير المتوقع إيجاد علاج له في المدى المنظور. ونظرا لغزوه الكرة الأرضية بعد الكوارث البيئية المتلاحقة من حرائق وفيضانات وعواصف واضطرابات مناخية مؤهلة للتصاعد، يحيلنا الظن إلى أن الكرة الارضية تنتفض، كالحيوان عندما يريد التخلص من الطفيليات التي غزت جلده. ضاقت بنا الأرض ولم تعتد تحتملنا، فتصفعنا دوريا وكأنها تقول لنا: كفى، كفى عبثا بقوانين الطبيعة.

تشوش الأفكار والمشاعر يثير الهلع فنصبح فريسة سهلة لتلقي البروباغندا

وكأن الكون يريد استعادة بعض توازنه بعد الخلل المتمادي جراء النشاط البشري..

كورونا الذي انتشر بفضل العولمة وسرعة الانتقال وكونية والتبادلات، جاء ليمتحن قدرتنا على تدبر أمورنا والعيش دون شبكة العلاقات والتبادلات الكونية التي تزودنا بما نحتاجه.

المفارقة هنا أن هذه القدرة والسرعة اللامحدودة على التبادل المعولم، كانت السبب في تقطيع أوصالنا عندما سهلت تبادل وانتشار الأوبئة في نفس الوقت.

عجّل كورونا بانتقالنا عقودا إلى الامام، فبعد أن الشكوى المتصاعدة من تأثير وسائط ووسائل التواصل الرقمي على العلاقات بين البشر وعلى سيكولوجيتهم وتأثير العزلة على نفسيتهم وتوازنهم النفسي والخوف على الأطفال ونموهم وعلاقاتهم الاجتماعية السوية؛ وجدنا أنفسنا ممنوعين من التبادل المباشر، محتجزين خلف جدران الحجرات كي نتسمر أمام شاشاتنا الكبيرة والصغيرة، في قلب العالم الافتراضي الذي كنا نتهيب من احتمال سيطرته علينا.

إنه تمرين للمستقبل حيث ستحل اللوغاريتمات مكان النشاط البشري فيتحولون للعيش الافتراضي. علق البعض أن علينا أن نحول المحنة إلى مناسبة كي نتنفس الصعداء ونتغير ونبحر لنتعمق في أبعد حدود دواخل ذواتنا كي نتصالح مع أنفسنا ونسامح الأخطاء ونعيش سلاما داخليا يجلب لنا الفرح المفقود. 

لكن البعض الآخر تخوف من الحجر المنزلي ومن عزلته عن الآخرين وشوقه الآتي لهم وافتقد النشاطات التي جمعته معهم وكانت مجرد ذريعة للتلاقي. وقد يقود هذا إلى الجوع العاطفي وتبعاته.

إن انتشار الأوبئة يثير الهلع والخوف فتستعيد ذاكرة البشر أزمنة الضيق والعوز والفناء واقتراب الآخرة ونهايات العالم. فكان كورونا هو الصدمة المفاجأة التي هيأت أرضية مناسبة كي تستعيد التقاليد الإيمانية زخمها؛ من الصلوات إلى إنارة الشموع والتوسل بتراب القديسين وتزنير الكنائس بالألبسة واللجوء إلى الأدعية والتكبير على الأسطح والشرفات لكن تنتعش في نفس الوقت الشائعات والفرضيات والخرافات فتعم الفوضى في تناقل المعلومات.

إن تشوش الأفكار والمشاعر يثير الهلع فنصبح فريسة سهلة لتلقي البروباغندا وتصديق الأكاذيب على أنواعها. فالشر المستطير ينتظر عند زاوية المستقبل المهتز والغامض. فتتوسع نظريات المؤامرة وتتعدد ردات الفعل. راج جراؤها تسجيل صوتي على "واتساب" يقلد صوت المجيب الإلكتروني يلخص ردود الفعل: "أهلا بكم في لبنان في زمن كورونا، للغة المنطقية القائلة ببقائك في البيت، اضغط على الرقم 1. لنظرية ما في شي كله شقفة كريب (الرشح)، اضغط على الرقم 2. لنظرية وين السهرة اليوم وهل نمارس السكي (التزلج) غدا؟ اضغط على الرقم 3، لنظرية المؤامرة الصهيوأميركية وراء انتشار فيروس كورونا اضغط على الرقم 4. لنظرية الله والقديسين والأنبياء لن يدعوا الفيروس اللعين يطالني، اضغط على الرقم 5. لنظرية فييش انزرب بطق، اضغط على الرقم 6. نظّر متل ما بدك وقد ما بدك بس خليك بالبيت احمي حالك واحميني".

وكل ذلك يحصل على خلفية المشاكل الوجودية غير القابلة للحل والخيبات المتوالية التي يعيشها اللبناني. ناهيك عن فقدان الثقة بالمؤسسات وبالمسؤولين وتقصير الحكومة والمؤسسة الصحية في مواجهة الوباء. لذا يسمح اللجوء إلى الخرافة بتخفيف القلق وخفض التوتر.

يضاف إليها الانقسام السياسي العامودي الذي حوّل كورونا إلى سلاح اضافي في المعارك السياسية. هناك معركة تدور بين السعودية وإيران على خلفية اتهام السعودية لإيران بالمساهمة في نقل الإصابة إليها لعدم الإعلان عنهم لأخذ الاحتياطات اللازمة تجاه القادمين من إيران إلى السعودية.

وفي لبنان تتصاعد الاتهامات لجماعة "حزب الله" اللبنانية بأنها تسببت بانتشار العدوى وجعلها وباء بسبب تسييس كورونا وعدم القبول بوقف الرحلات مع إيران حتى بعد إقفالها هي نفسها الحدود مع الآخرين. مع معلومات عن استقبال مصابين إيرانيين في لبنان. بينما يصرّ الحزب على رفض التهمة بنقل العدوى وترك الحدود مشرعة حتى بعد طلب إيران مساعدة صندوق النقد الدولي لعجزها. ربما يصبح بإمكاننا الآن الاستعانة بالصندوق بعد أن سمحت إيران له "بمس سيادتها!".

فضح كورونا مخاطر العولمة في ظل عجز الدول وتراجع قدرتها على السيطرة والتنسيق بينها

يصبح من الطبيعي أن تهتز ثقة المواطن بكل ما يمس الدولة بصلة. فكل شيء يثير الشبهة والشك والحذر في ظل غياب المسؤولية. لكن المضحك المبكي حالة الإنكار المتمادية لدى المسؤولين، فنجد وزيرة الإعلام تتصدى لإدانة "الافتراءات" على الدولة اللبنانية التي يتهمها الشعب بالتقصير والتقاعس! مذكرة بشهادة العديد من السفراء "الذين أبلغوا المسؤولين اللبنانيين أن بلادهم اتخذت من إجراءات لبنان نموذجا لاعتمادها"! وتعترض على محطة تلفزيونية لرفعها شعار "حالة طوارئ" ـ مع أنها ساهمت بالحجر الطوعي من قبل كثيرين ـ ليتبين أن الشعب في لبنان أكثر مسؤولية من حكومته. 

يبدو أننا نتحول بسرعة إلى دولة استبداد، فيلاحق المغردين ويعاقب الصحفيين وكل من ينتقد أداء الحكومة. فكورونا فضح الأنظمة الاستبدادية التي تمتنع عن الإفصاح عن المصابين فيها كإيران وروسيا وتركيا وحتى مصر.

فضح كورونا مخاطر العولمة في ظل عجز الدول وتراجع قدرتها على السيطرة والتنسيق بينها. الأزمة الصحية ستترجم إذن في اضعاف الديمقراطيات عبر إظهار عجز مؤسساتها عن مواجهة الوباء بفعالية، فيما ستقوي السلطات القمعية، على غرار الصين التي استفادت من الأزمة لزيادة أدوات رقابة وضبط الجمهور بواسطة تطبيقاتها الرقمية.

لكن مهما تصاعدت أصوات الشعبويات المطالبة باستعادة الحدود والحواجز بين البلدان إلى درجة إقفالها والانتقال إلى الفيدراليات داخلها كما يريد البعض في لبنان؛ سينبثق عنها، رغم ذلك، إظهار حقيقة أن عالمنا الحالي، بكل مخاطره وانحرافاته، لديه القدرة على رفع حظوظ التعبئة والتعاون التنسيق بين الأطباء والباحثين من أجل اكتشاف المصل المضاد. وحينها لن تقفل أي حكومة حدودها بوجه هذه العولمة بل العكس، إلا إذا كانت من نمط شخصية مقتدى الصدر الذي أعلن رفضه للقاح إذا جاء من أميركا! 

مع فيروس كورونا ننتقل إلى مرحلة جديدة مفتوحة على كل الاحتمالات. ففي الوقت الذي نتعامل فيه مع الآخر كتهديد ونضع الحواجز بيننا وبينه، نجدنا أمام عالم بأسره يحمل المعقمات ويرتدي القفازات ويضع الكمامة. إنه توحيد في السلوك غير مسبوق. البشرية بأسرها تواجه التهديد الوجودي نفسه. تصبح المفارقة أن البشرية تتوحد في مواجهة خطر داهم مشترك عبر وضع السدود بين أفرادها!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
كورونا... الأرض تنتفض 0118E57E-7508-481A-BE9D-90FF27AF98F0.jpg AFP كورونا-الأرض-تنتفض 540889 في الوقت الذي نتعامل فيه مع الآخر كتهديد ونضع الحواجز بيننا وبينه، نجدنا أمام عالم بأسره يحمل المعقمات ويرتدي القفازات ويضع الكمامة. إنه توحيد في السلوك غير مسبوق 2020-03-17 11:33:49 1 2020-03-17 11:33:49 0