Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تظاهرة في تونس رفضا لاعتقال المفطرين في رمضان
تظاهرة في تونس رفضا لاعتقال المفطرين في رمضان

نضال منصور/

"حرية المعتقد" ليست أكثر من حبر على ورق في العالم العربي، التفاصيل والشواهد كثيرة، والدساتير والقوانين توضع على الرف حينما يتعلق الأمر بالأديان والحريات الشخصية.

لن أدخل في سجالات ونقاشات دينية، ولن أتحدث عن مفهوم "الردة" ونحن في العام 2019، وعن الزواج بين الأشخاص المختلفين في الأديان، وما يترتب على ذلك من إشكالات كارثية، وعن قوانين الأحوال الشخصية المتخلفة عن ركب الحضارة وشرعة حقوق الإنسان، لكني سآخذ زاوية صغيرة ومحدودة تتكرر في شهر رمضان من كل عام.

القصة تتلخص بمنظومة القوانين والقرارات التي تمنع إفطار الناس في رمضان وتعاقبهم، وتشهر بهم، وربما تزج بهم في السجن إن أمسك به متلبسا في المجاهرة في تناول الطعام خلال ساعات الصيام في كثير من البلدان العربية.

رمضان في العالم العربي صار عنوانه "صنع في الصين"

​​قبل عامين في رمضان ضج الناس في الأردن على تصوير نشر على موقع فيسبوك عن مداهمة رجال الأمن لمطعم والقبض على شباب وشابات وهم يأكلون ويدخنون "الأرجيلة" ظهرا قبل موعد الإفطار، والمثير للسخرية أن الاتهامات وجهت لبعض رجال الشرطة بالتصوير ونشر الفيديو.

أكثر من ذلك، ترصدت إحدى التلفزيونات المحلية محدودة الانتشار مقهى مشهور في عمان وقامت بالتصوير بشكل خفي لزبائن يدخنون ويشربون القهوة، وبثوا التسجيل، ليخضع المقهى بعدها للتضييق والملاحقة من رجال الأمن، على الرغم من أن المقهى لديه رخصة سياحية تسمح له بفتح قهوته خلال رمضان، الأمر الذي دفعه بعد ذلك للإغلاق في شهر رمضان وعدم تكرار التجربة حتى لا يواجه المشاكل.

ما حدث في عمان يحدث في العالم العربي والاستثناء نادر الحدوث. فالمطاعم تغلق أبوابها، وربما تعفى الفنادق ذات الخمس نجوم من هذه الإجراءات والمضايقات، وحتى البلدان التي تتعيش على السياحة تطبق هذه التوجهات المتعسفة والتي في الغالب لا سند لها في القانون.

الحكومات الزاجرة التي لا تستمع لصوت الناس وتطبق ما تراه مناسبا، تنصاع في رمضان لصوت المؤسسة الدينية، وتصغي للآراء الشعبوية التي تريد "أسلمة" المجتمعات، وفرض تعاليمها وطقوسها على الجميع، وتتنكر للتنوع وحقوق الآخرين.

لا تجرؤ الغالبية في مجتمعاتنا على إعلان عصيانها لمحاصرة "حرية المعتقد" بالممارسات والاتهامات. من يرفع صوته يتعرض لحملات تشهير، ولهذا كان مختلفا ولافتا مطالبة بشرى بلحاج حميدة النائب في البرلمان التونسي ورئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة وزارة الداخلية في بلادها بضرورة إلغاء القرار المتعلق بإغلاق المقاهي والمطاعم خلال شهر رمضان.

واعتبرت أن قرار وزارة الداخلية يحد من الحريات الفردية للأشخاص المفطرين في رمضان، وبأن القرار يتعارض مع الدستور التونسي لأنه "يمنع ممارسة الحريات".

في تونس تُعيد وزارة الداخلية تفعيل قرار "منشور مزالي"، نسبة وزير الداخلية الأسبق محمد مزالي في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، والذي صدر عام 1981 ويقضي بحظر فتح المقاهي في شهر رمضان.

موقف النائب بشرى بلحاج يتفق مع الائتلاف المدني من أجل الحريات في تونس والذي انتقد قمع المفطرين معتبرا ذلك خرقا للحريات الفردية التي ترتكبها السلطات العامة، أو مجموعة أشخاص نصّبوا أنفسهم حماة للدين والآداب العامة.

جمعية "المفكرين الأحرار" نظمت حملة أطلقت عليها "موش بالسيف" ـ أي ليس بالإكراه ـ لتكريس مبدأ الحريات الفردية التي أصبحت مطلبا في تونس بعد "ثورة الياسمين".

قرارات تمنع إفطار الناس وتعاقب وتشهّر وتسجن من يجاهر بتناول الطعام

​​في المغرب، أطلقت صفحة على موقع فيسبوك تحمل اسم "ما صايمينش" دعت إلى إفطار علني بساحة الأمم المتحدة بالدار البيضاء في تحدي صارخ للقيود على حق المغاربة في الإفطار.

تلبس الحكومات ومثلها كثير من الناس "ثوب الورع والتقوى" في شهر رمضان، ويعتبرون المعيار للتدين وتمام الأخلاق الصيام، دون أن يلتفتوا للكثير من السلوكيات التي لا تتفق مع التوجه، فالإنتاجية في العمل تتراجع عند الكثيرين بحجة الصيام، وقيادة السيارات في الشوارع لا تلتزم بالقوانين، والبذخ في الإنفاق على الطعام صارخ ويتنافى مع فكرة الإحساس بالفقراء.

باختصار وحتى لا تكثر الاتهامات والتأويلات، احترم حق من يريد الصيام، فهذه حريته وقناعاته ومعتقده الذي لا يجادله به أحد، لكن هذا لا يعطيه الحق لفرض رؤيته وقيمه ومعتقداته على الآخرين، وإلا فأعلنوها دولا دينية من المحيط إلى الخليج وللمسلمين فقط، وألغوا الدساتير التي تتحدث عن الحريات الشخصية وحرية المعتقد.

♦♦♦

في رمضان ومنذ سنوات طويلة تشهد التلفزيونات معارك حامية الوطيس على عرض المسلسلات، واستقطاب الفنانين، وقبل أن تنتشر الفضائيات وتحتكر بعض المسلسلات كانت الدراما الرمضانية تستقطب الصائمين، فما زلت حتى الآن أتذكر مسلسل ليالي الحلمية بأجزائه المختلفة.

الفضائيات العربية وخاصة الخليجية احتكرت في السنوات الماضية أعمال العديد من الفنانين البارزين، والغريب في الأمر أن الدراما العربية تعيش حالة سبات طوال أشهر العام ولا تصحو إلا في شهر رمضان.

الأكثر طرافة في رمضان منذ سنوات استمرار مسلسل "باب الحارة" السوري، وكثير من الأطفال كبروا واشتد عودهم وأصبحوا شبابا وما زال المسلسل يعرض، والمخرج بتلذذ بتعذيب المشاهدين في إحياء أبطال المسلسل أو اختفائهم وموتهم، وهذا لا يرتبط بالنص الدرامي والحبكة الفنية، وإنما بخلافات شركة الإنتاج والمخرج مع الممثلين، ولن ننسى طغيان وتوظيف الصراع السياسي بعد "الربيع العربي" في سياق المسلسلات الرمضانية.

شاشات الفضائيات والتلفزيونات في العالم العربي تتقاسمها الدراما المصرية والسورية وهذا الحال منذ عقود، أحيانا تتقدم المسلسلات المصرية مع نجومها لتكتسح، وأحيانا أخرى تتقدم الدارما السورية فتخطف الأضواء وتتراجع أمامها بقوة المسلسلات المصرية.

في السنوات الأخيرة، مزيج جديد ظهر على الشاشة بالتزاوج بين الدراما السورية اللبنانية، فالممثلين السوريين الذين يعانون الحصار بسبب الأوضاع المتردية في بلادهم عادوا ليتصدروا المشهد في المسلسلات اللبنانية السورية، وهو ما أشعل حروب علنية وخفية على "السوشيل ميديا" مفادها من صاحب الفضل، هل الممثلون السوريون أعادوا إحياء الدراما اللبنانية بعد موت وقدموهم للمشاهد العربي... أم العكس؟

وفي سابقة هي الأولى من نوعها منذ سبع سنوات يغيب الفنان عادل إمام من مسلسلات رمضان بعد أن كان الأكثر حضورا وأجرا في رمضان، وما قيل وما عرف أنه كان يستعد للظهور بمسلسل "فالنتينو" غير أن المسلسل ورغم سباق الزمن لم يكن حاضرا.

الحكومات الزاجرة تنصاع في رمضان لصوت المؤسسة الدينية

​​لو تفرغ الناس لمشاهدة المسلسلات في رمضان فإن 24 ساعة يوميا لا تكفي لملاحقة المسلسلات التي أصبحت "الموضة" الأبرز لها استقطاب أصوات المغنين لتكون في مقدمة المسلسل ونهايته.

منذ عامين انشغلت بمشاهدة مسلسل "الهيبة" في جزئيه الأول والثاني، وتعاطفت مع "جبل شيخ الجبل"، الفنان تيم حسن الزعيم وتاجر الأسلحة، ووجدت أن كثيرا من الصديقات والأصدقاء يتابعون المسلسل، ويتعاطفون مع رجل خارج عن القانون، ربما لأنه مع الفقراء ويطبق العدل في "ضيعته" على طريقة "القبضاي" وهو ما يُذكر بالبطل "روبن هود".

♦♦♦

فوانيس رمضان المضاءة، و"الهلال" وأشكال كثيرة باتت مظاهر تغرق العواصم العربية مع بدء شهر رمضان.

حين كنت طفلا، وحتى سنوات قليلة مضت، لم تكن هذه المظاهر حاضرة بقوة، ربما كان "مدفع رمضان" الذي يطلق تقليدا بديلا، وربما كانت الأزقة في المدن والأحياء تحمل صورة أخرى لمظاهر التكافل الاجتماعي وعراقة التاريخ.

رمضان في العالم العربي صار عنوانه "صنع في الصين"، بعد أن صدّرت الصين الفوانيس وتقاليد رمضان الجديدة لعالمنا العربي الغارق في الاستهلاك والاستخدام دون الإبداع والإنتاج حتى لطقوسه في شهر رمضان.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538591 4

محمد المحمود/

يواجه العالم اليوم وباءً خطيرا؛ أخطر ما فيه: سرعة وسهولة انتشاره، مخترقا كل الحدود السياسية والجغرافية، ومختبرا كل الثقافات الدينية والقومية في مصداقيتها، وفي جدواها أيضا، ومتحديا إمكانيات الدول، وفاصلا ـ في النتائج ـ بين حقائق الإنجاز التنموي وأوهامه، ومظهرا الفروق الهائلة بين الادعاءات الجوفاء وحقائق الواقع، ومعيدا ترتيب الأولويات على نحو غير مسبوق.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال؛ حتى وإن كان الاعتبار على المدى البعيد لا يتوفر عليه إلا قليل أو أقل من القليل؛ لأن ذاكرة المشاعر ـ وهي ذاكرة الجماهير/ الأغلبية الساحقة ـ قصيرة المدى، والتجارب/ الدروس الواقعية التي لا تُحوّلها الثقافة إلى أنماط عقلية مدعومة بتشكيلات مؤسساتية عامة، لا بد وأن يطويها النسيان، وتضطر الأمم لإعادة تجاربها/ آلامها من جديد.

كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته، وبالتالي؛ هو أقدر على التفسير المستغرق لكل التشكلات الثقافية المتمظهرة من خلال المسلك الإنساني الواقعي/ الوقائعي.

الوعي بالعولمة تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء

كوارث الطبيعة، مهما عظمت، تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي الخاص. الزلازل، والبراكين، وموجات التسونامي العاتية، والأعاصير المدمرة، والفيضانات الكبرى، لها مدى جغرافي لا تتعداه، وآثارها غير المباشرة تتضاءل حدتها باستمرار، وفق شروط التنائي الزماني والمكاني.

كذلك الكوارث البشرية/ الحروب وتوابعها؛ مهما عظمت، ومهما كان وقعها على ضحاياها المبشرين أقسى من وباء كرونا بآلاف المرات؛ إلا أنها تبقى محدودة جغرافيا، وبالتالي، فقدرتها التفسيرية التي نستطيع بها اختبار الثقافات تبقى ـ بالتبع ـ محدودة. فمثلا، إذا كانت الحرب العالمية الثانية أبادت الملايين من سكان أوروبا، فإن هناك شعوبا لم تعرف من ويلاتها وعذاباتها شيئا، وهناك شعوبا أخرى لم تمسها هذه الحرب الكونية إلا بأضرار جانبية/ غير مباشرة، كغلاء الأسعار وندرة بعض السلع وانقطاع بعض طرق المواصلات.

إذا كانت المنظمات الدولية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية؛ بقوة دفع مفاعيلها، والشركات العابرة للقارات، ثم الأنظمة الإعلامية والتواصلية التي جعلت العالم كله على مرمى ضغط زر في جهاز الحاسوب أو الهاتف...إلخ قنوات/ آليات العولمة، تعكس حقائق العولمة وتكشف عن تمظهراتها الواقعية، فإن هذا الوباء الفيروسي/ كورونا المستجد جعل العالم ليس قرية واحدة فحسب، بل ولا بيتا واحدا (يكون بإمكان بعض أفراده الاستقلال ببعض غرفه بحواجز/ بجدران، تمنع الرؤية/ تحفظ الأسرار/ تمنع الضرر)، وإنما جعله غرفة واحدة صغيرة ينكشف فيها الجميع على الجميع اضطرارا، ويتبادلون فيها الأسرار كما يتبادلون المصائب والآلام، ويقتسمون رغيف المستقبل ـ في لحظة الخطر الداهم ـ على حد سواء.

بناء على هذا ـ وبمنطق العولمة الأعمق والأقسى ـ لا تصبح كل دولة/ كل حكومة حُرّة تماما بما تفعله في حدود نطاقها الجغرافي/ فضائها السيادي، ولا يصبح من حق كل شعب أن يقرر خياراته الذاتية ـ بالمطلق ـ بعيدا عن العالم؛ لأن الآثار المباشرة وغير المباشرة لكل الخيارات (الحكومية والشعبية) على الآخرين، كل الآخرين أو معظمهم أو بعضهم، هي آثار متحققة على وجه اليقين.

لقد كان الباحثون في كثير من التخصصات الثقافية والعلمية، وبعض السياسيين الواعين، ومعظم المهتمين بالمسلك السياسي يدركون جيّدا أن ما يقع في قرية/ في مدينة نائية في الصين، أو في منافي سيبريا، يمكن أن يؤثر على الإنسان في قرية ما في جبال الألب، أو في صحراء الجزائر، أو في سهول تهامة الحجاز، أو في غابات نيجريا، أو في سواحل تشيلي، أو مستنقعات فيتنام. يدركون هذا على نحو عام، توقّعي، نسبي، غير مباشر، ولكنه كان حاضرا في الأذهان على الدوام.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال

نعم، هذا ما كان يدركه الباحثون والمهتمون منذ أمد بعيد، ولا يزال إدراكهم له يتصاعد بتصاعد قنوات التواصل/ التأثير، ويتعولم باتساع فضاءات العولمة. لكن، بقي وعي عموم الناس/ الجماهير العريضة، بمن فيهم بسطاء أصحاب القرار في كثير من دول العالم، قاصرا عن تصور مستوى تفاعلات العولمة ومتتالياتها، أي قاصرا عن التثاقف مع أطروحات أولئك الباحثين والمهتمين.

هنا، نضع أيدينا على المُتغيِّر الأهم في مدلولات التفاعل العالمي، الرسمي والشعبوي، مع هذا الوباء الجديد، حيث العولمة باتت تقرع كل باب، بل تضع أصابعها ـ بقوة شراسة هذا الوباء ـ في عين كل إنسان، كل إنسان بلا استثناء، فمن لم يره واقعا متجسدا، رآه خيالا كواقع، خيالا يتسلل إليه ـ بشكل متكرر، متواصل، متفاعل كحدث يصنع وقائعه ـ من خلال قنوات التواصل والإعلام. ما يعني أن الوعي بالعولمة ـ الوعي على نحو عملي ـ تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء.

لقد تعمّق الوعي بالعولمة من حيث كون الأمر لم يعد تشابك مصالح على نحو يغدو معه التأثير نسبيا، ومن ثم، يقع في دائرة الخيارات ومُقَايَسة مستوى التضحيات، بل غدا التأثير حاسما/ مصيريا، إذ أدرك الجميع ـ وخاصة بعد تعولم الوباء ـ أن ما يحدث في مدينة صينية لم يسمعوا بها من قبل، لا يؤثر على تيسير أو تعسير نمط من أنماط حياتهم فحسب (كما كان الأمر من قبل في بعض المخترعات التقنية)، بل بات يؤثر في وجودهم ذاته، في حياتهم/ موتهم. 

وطبعا، الوعي بهذا التهديد لا يُشْترط فيه "المباشرية الوقائعية"، أي أن يروا قوافل توابيت الموتى أمام أعينهم في واقعهم، بل يكفي أن ينظروا إليها من خلال الشاشة إعلاميا/ تواصليا، ويروه في الواقع ملموسا من خلال متواليات وقائع الرعب المتمثلة في الشلل الاستثنائي لكثير من أنماط الحياة الطبيعية/ المعتادة. فالأجواء الاستثنائية التي لم تحصل حتى في أزمنة الحروب الكبرى، باتت تعمّق الإحساس بالخطر؛ من حيث هي تعمّق الإحساس بوحدة المصير الإنساني، والعكس صحيح؛ إذ لا أحد، لا أحد بالمطلق، بمنجاة من هذا الخطر الذي يتهدد الوجود ذاته، وليس فقط طبيعة الوجود، وجود كل أحد، وليس وجود بعض دون بعض، فلا أحد يمتلك حصانة، وأصاب بالفعل مشاهير من كافة الميادين، بل وطرق أبواب كثير من قادة العالم الكبار.

من جهة أخرى، بات الوعي بالعولمة يتوسّع نطاقه ليشمل حتى أولئك الذين ظنوا في يوم من الأيام أنهم قادرون على الانزواء عنها، وبالتالي، التحرر من كل آثارها، أو من معظمها على الأقل. اليوم، يجعلهم هذا الوباء في قلب تفاعلات العولمة قسرا. إنهم إن استطاعوا في يوم من الأيام الهروب من أضرارها الحقيقية أو المتوهمة، فهم اليوم ـ وعلى الرغم منهم ـ أصبحوا وجها لوجه مع مخالبها وأنيابها الحادة التي تهددهم بالافتراس. وتكون المفارقة أن لا نجاة لهم من مخالب هذه العولمة إلا بالدخول معها في تفاعل أكبر وأشمل.

لقد توسع نطاق العولمة حتى رأينا أولئك الذين لم يسمعوا بالعولمة في يوم من الأيام، أو سمعوا بها كمصطلح عابر، أقصد: مئات الملايين من البشر الذين هم الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب الحي، وقد أصبحوا يعون ـ عمليا، وبدرجة عميقة بعمق خطر المرض/ خطر الموت ـ أنهم مُتَعَولِمون؛ حتى وإن جهلوا كل كلام المثقفين وكبار الساسة والاقتصاديين عن العولمة طبيعة وآثارا وتطلعات. ما يعني أن كل إنسان وعي العولمة من خلال وعيه بأن مصيره قد يكون مرتبطا بمصير أي إنسان في أي مكان.

ولأن هذا الوباء الخطير أصبح وباء عالميا/ متعولما، فقد أصبحت ردّات الفعل عليه متنوعة بحجم تنوع واختلاف الثقافات في هذا العالم؛ حتى وإن كان الرد الرسمي: الصحي/ الحكومي ـ المؤسساتي في العالم كله، متشابها إلى حد كبير في طبيعة الإجراءات الوقائية أو العلاجية. ففي القرارات التي تدفع بها الثقافات التي تنظر لصحة الإنسان بوصفها مسؤولية فردية، أو بوصفها ليست أولوية بالمطلق؛ شاهدنا التراخي الذي قاد إلى مصائر كارثية، تكاد ـ بقوة العولمة ـ أن تقود العالم كله إلى مصير مجهول.

أما في الثقافات المتخمة بالخرافة، فقد رأينا كيف أن الأغبياء من سدنة هياكل المقدس يُجاهِرون بل ويُفاخِرون بكسر يقينيات الطب، ويستخفون بالتعليمات الصحية الوقائية؛ فيرفضون فضّ الاجتماعات التي تتقارب فيها الأجساد بل تتلاصق، وأكثر من ذلك، رأيناهم يبيعون الوهم لأتباعهم السذج، فيزعمون أن أماكن القداسة تمتلك قدرات خارقة على تطهير الفضاء المقدس من الوباء، أو أن المصلين يمنحهم الله قدرة وقائية استثنائية لأنهم في صلاة/ اتصال روحاني مع الله!.

لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية

تحت وقع الإحساس العميق بالمسؤولية، تصدر كثير من الحكومات قرارات حازمة بمنع التجمّع، بل تُعطّل المدارس، وتلغي الفعاليات، وتغلق المتاجر الكبرى، وتُعلّق معظم الاجتماعات؛ إن لم يكن كلها، وتمنح الموظفين إجازات إجبارية مدفوعة الأجر؛ كل هذا لتساعد الشعوب على تنفيذ التوجيهات للبقاء في البيوت. 

لكن، تجد الثقافة المجتمعية/ الشعبوية بالمرصاد لكل تلك القرارات الإيجابية، إذ لا تكتفي بتفريغ تلك القرارات من مضامينها، بل إنها تقلبها إلى عكس المتوقع منها، حيث تُبادِر هذه الجماهير إلى استغلال هذا التعطيل المؤقت (التعطيل للنشاطات الرسمية العامة) فتعقد الاجتماعات العائلية الكبرى، وتخرج للأسواق والمتنزهات؛ دونما أدنى استشعار للخطر، على الرغم من علمها بالخطر، وعلى الرغم من تكرار التحذير على أوسع نطاق.

طبعا، هنا المعضلة الثقافية، فأنت لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية. المسألة لها أبعادها الثقافية/ التربوية التي تأخذ ـ بالضرورة ـ تخطيطا شموليا/ متضافرا، متتابعا في مدى زمني طويل.

لا يمكن أن تقنع المتدين الساذج بعدم الذهاب للمسجد، والاكتفاء بالصلاة في البيت؛ لأن الوقوف في صف واحد، وبأجساد متلاصقة؛ للصلاة، هو أخطر ـ في هذا الظرف الصحي العام ـ من معظم صور الاجتماع التي تُحذّر وزارات الصحة منها. لا تستطيع أن تقنعه بهذا؛ لأن وعيه تشبّع بمفاهيم تجحد منطق العلوم، أو هي تَزْورّ عنه، أو هي تستخف به في أحسن الأحوال.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الوباء والعولمة والثقافة DF9FFA06-1C3A-440E-8158-D4238A39ADF5.jpg AFP الوباء-والعولمة-والثقافة 540888 كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته 2020-03-17 11:31:17 1 2020-03-17 11:32:17 0