Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

أطفال ترعاهم الجمعية التونسية لقرى الأطفال
أطفال ترعاهم الجمعية التونسية لقرى الأيتام

د. عماد بوظو/

يقدم تحريم التبنّي مثالا آخر حول كيفية قيام رجال الدين بتحميل النصوص الدينية معاني بعيدة عنها، تؤدي إلى تعقيد حياة المسلمين بما لا يتماشى مع مقاصد الشريعة ومصلحة الإنسان وخاصة الطفل الذي حرمته ظروف الحياة من عناية الأبوين.

اتّبع رجال الدين المسلمون فتاوى قديمة لم يحاولوا دراستها أو التحقق من صحتها على أن التبنّي محرّم في الإسلام اعتمادا على الآية: "ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما" (الأحزاب 5)، والآية واضحة بأن انتساب الأبناء لآبائهم أكثر عدلا؛ لكن هناك فرق كبير بين عبارة "أكثر عدلا"، وبين جعل التبنّي محرّما كما ذكر رجال الدين في أحاديث نسبوها للرسول في مراحل لاحقة. أما اعتبار مجهولي النسب موالي على الطريقة التي كانت تنقسم فيها المجتمعات القديمة بين أسياد وعبيد أو أتباع فلم تعد مقبولة في عالم اليوم.

تنفرد تونس بأنها البلد الوحيد في المنطقة الذي أباح قانونه التبني

​​وحتى في الآية التي سبقتها من سورة الأحزاب: "وما جعل أدعياءكم أبناءكم"، فإنها تتكلم عن قصة محددة تدور حول زيد بن حارثة مولى السيدة خديجة الذي منحته للرسول بعد زواجها منه وكان زيد وقتها في الثلاثين من عمره ومن شدّة تعلقه بالرسول صار يدعى زيد بن محمد، ومن هنا أتت كلمة أدعياء أي الذين يدعون باسم شخص آخر وينسبون أنفسهم له، وما أتى بعدها من طلاقه لزوجته زينب بنت جحش وزواج الرسول منها، ولا يوجد سبب لتعميم أحكام هذه العلاقة الخاصة التي نشأت بين مولى وسيده على الرابطة المتينة التي تنشأ عند تبنّي الرضّع والأطفال وتأمين كافة احتياجاتهم والاعتناء بهم ومراقبتهم ساعة بساعة وهم يكبرون تحت أنظار والديهم.

شدد رجال الدين المسلمون خلال القرون الماضية الكثير من الحدود وبالغوا في العبادات بما يتجاوز ما هو مذكور في القرآن، ولكن ما ارتكبوه في موضوع تحريم التبنّي فاق في آثاره الضارة كل ذلك، لأنهم يلحقون أذى نفسي وجسدي بأعداد لا حصر لها من الأطفال نتيجة اتباع أحكام واجتهادات لا دليل على صحتها في قضية بالغة الحساسية.

فهناك سنويا الآلاف من الرضع وصغار الأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية أسرية نتيجة فقدانهم آباءهم الحقيقيين؛ وهناك في نفس الوقت عائلات لم تتح لها فرصة الإنجاب؛ لذلك فإن التبني يمكن أن يكون هو الحل الذي تتحقق فيه مصلحة الجميع، ولذلك فقد اعتمدته البشرية مبكرا، ووردت قواعده وشروطه في شريعة حمورابي وما زال مستمرا حتى اليوم حيث ينتشر التبني في جميع أنحاء العالم، وأباحته كافة القوانين الوضعية والدينية ولم يحرّمه سوى رجال الدين المسلمون.

يقوم نظام التبني على إنشاء شهادة ميلاد جديدة للطفل يذكر فيها الأب والأم بالتبني كآباء حقيقيين، وتكون له نفس الحقوق والواجبات التي للأبناء البيولوجيين بما فيها الإرث. ومن الممكن عند نضوج هذا الإنسان وإذا شعر والداه أن إخباره بالحقيقة لن يعرّضه لأي صدمة ولن يترك عنده أثرا ضارا إخباره بالواقع.

نتيجة عدم اقتناع الكثير من المسلمين بتحريم التبني، اضطّروا للتزوير

​​أما في الدول الإسلامية ونتيجة تحريم التبني وضع ما سمي بنظام الكفالة وفيه يعيش الطفل مع عائلة جديدة ولكن يمنع إطلاق اسم أبوه بالتبني عليه، ولذلك فإنه في العمر بين ست وثماني سنوات ومع تعلمه القراءة والكتابة سيبدأ بالتساؤل لماذا اسم والده المستخدم في الأوراق الرسمية والمدرسة وشهادة الميلاد يختلف عن اسم الأب الذي يعيش معه بالمنزل، ولا مفر عندها من إخباره بالحقيقة مع ما يترتب على معرفته بأنه مجهول النسب أو أن أهله قد تخلّوا عنه أو أنه أتى نتيجة علاقة "غير مشروعة" من صدمة. وفي هذه الحالة، قد تأخذ علاقته مع "عائلته" شكلها الحقيقي كنوع من التصدّق والعطف على طفل يتيم غريب وليس كأحد الأبناء، ونتيجة ذلك تقوم القوانين في البلاد الإسلامية بحرمان هؤلاء الأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة من الميراث من العائلة التي تكفلّتهم بما فيه راتب الوالدين التقاعدي، بحيث يعودون بلا معيل عند وفاة الأهل مهما كانوا أغنياء.

لتبرير هذه القسوة لجأ رجال الدين لاستخدام موضوع "الشرف"، عبرّت عنه تسجيلات للشيخ الشعراوي والقرضاوي قالوا فيها إنه بما أن الطفل المتبنّى ليس ابنا حقيقيا، فكيف ستنكشف عليه أمه أو أخته ومن في حكمهما بعد أن يكبر؟ وأين الغيرة على العرض، إذ تجري في عروق هذا الغريب دماء العائلة؟

المفارقة أن نفس رجال الدين هؤلاء يتحدثون بنفس الحماس والاقتناع، ولكن بطريقة معاكسة تماما، أن من تناول عددا بسيطا من الرضعات خلال بضع ساعات قد أصبح ابنا لمن أرضعته وبإمكانها مع نساء عائلتها أن تنكشف عليه شرعا، اعتمادا على أحاديث تقول: "يحرّم بالإرضاع ما يحرّم بالنسب". وهنا يتجاهل رجال الدين ما قالوه في التبنّي عن الدم الغريب الذي يجري في عروق الطفل، لأن كتب الحديث حلّلت رابطة سببتها حادثة إرضاع عابرة وحرّمت علاقة مبنية على الحب والحنان والرعاية والتربية والأمومة.

تزداد الحاجة للتبني في الدول الإسلامية نتيجة البنية الاجتماعية المغلقة ومفهوم الفضيحة الذي لا يترك مخرجا للحمل خارج إطار الزواج أو غير المرغوب به، سوى وضعه في الشارع.

ورغم التكتّم في الدول الإسلامية على كثير من تلك الحوادث، فإن الإحصائيات في السعودية تقول إن هناك سنويا أكثر من 500 طفل مجهول الأبوين؛ أما مصر فإنها تقدم الصورة الحقيقية عن الآثار الضارة لتحريم التبني الذي منعه القانون المصري حتى عن المسيحيين رغم أن دينهم لا يحرّمه، فهناك في مصر بحدود 500 دار للأيتام، ويقدر عدد "اللقطاء" سنويا بالآلاف، وقد يصل عدد الأيتام للملايين، ومن الصعب معرفة عدد أطفال الشوارع ولكنهم على أقل تقدير بعشرات الآلاف ولا يحظون بأي رعاية. كما تكثر التقارير التي تتحدث عن كل أشكال سوء المعاملة والاستغلال التي يتعرض لها الأطفال في دور الأيتام، وقالت وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي إن 75 في المئة من هذه الدور تستحق الإغلاق، ورغم هذا الواقع المأساوي فإن مؤسسة الأزهر برفضها للتبني لا تترك لهؤلاء الأطفال من خيار سوى الشوارع أو هذه الملاجئ البائسة.

نتيجة عدم اقتناع الكثير من المسلمين بتحريم التبني، وعدم اعترافهم بالقوانين التي تمنعه فقد اضطّروا للتزوير، عن طريق استخراج شهادات ميلاد من قابلات أو أطباء يدّعون فيها أن عملية الولادة قد تمت بالمنزل ويتم فيها تسجيل أسماء الوالدين بالتبني كوالدين حقيقيين، وأحيانا تقوم هؤلاء الأمهات الوهميات بالاختفاء عدة أشهر في قرية أو حي بعيد لتعود مع الطفل الجديد، ويتم إحاطة هذه العملية بأقصى درجات السرية لأنها غير قانونية وقد تقود إلى السجن، ولكن الوالدين يقبلون بهذه المخاطرة لأنها تؤمّن لطفلهم حماية دائمة من هذا المجتمع وقوانينه الظالمة ونظرته السلبية له لظروف لا ذنب له فيها.

في الدول الإسلامية ونتيجة تحريم التبني ابتكروا ما سمي بنظام الكفالة

​​وتنفرد تونس بأنها البلد الوحيد في المنطقة الذي أباح قانونه التبني بحيث يحظى الطفل بفرصة العيش مع عائلته الجديدة التي تسجّل معلوماتها في أوراقه الثبوتية، مع الاحتفاظ بنسخة من شهادة ميلاده الأصلية إذا قرر في المستقبل البحث عن عائلته البيولوجية. وفي النموذج التونسي، هناك نظام التبني لمن يرغب ونظام الكفالة لمن يرى أن الدين يأمره بذلك، وبهذا تقدم تونس الطريق الذي يجب أن تسير عليه بقية الدول الإسلامية.

إذا كانت قلوب وعقول رجال الدين متحجرة لم تتمكن كل هذه المآسي التي يتعرض لها الأطفال من تحريكها، وإذا لم تكن المراكز الإسلامية قادرة على إصلاح خطابها الديني بما يتلاءم مع العصر ومصلحة المجتمع، فأين هي مؤسسات الدولة، التشريعية والتنفيذية والقضائية وأين مسؤوليتها وواجبها في العمل على حماية أبنائها وتأمين حياة كريمة لأطفالها؟ فصمت هذه المؤسسات عما يحدث واقتصار دورها على انتظار رجال الدين حتى يقوموا بإعادة النظر بفتاويهم لا يدل إلا على الضعف والتقصير ولا يمكن تبريره.

اقرأ للكاتب أيضا: رسالة أوجلان.. مناورة من أردوغان أم خطوة تاريخية؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

538592 4

منى فياض/

في مدة زمنية قياسية استطاع كائن طفيلي مجهري أن يقلب العالم ويثير الرعب والهلع ويقطع أوصال الكرة الأرضية ويتسبب بهبوط الأسهم وخسائر للبورصة تعد بالمليارات. ويعطل هذا الفيروس الشركات والمدارس والجامعات والشركات والإدارات ويوقف السياحة ويفرغ المحال من المواد الغذائية والبضائع ويخفض أسعار البترول ويفضح الثغرات في القطاعات الصحية للبلدان ويغلق دور العبادة ويلغي المؤتمرات والمهرجانات. فينقلب مشهد المدن، وتقفر شوارعها إلا من التحسر لغياب المشاة والسيارات والمتجولين وافتقاد حيوية وحياة المطاعم والمقاهي والملاهي والمرافق. وكأننا نعيش داخل أحد أفلام هوليوود عن انتشار الأوبئة ونهاية العالم.

بأقل من شهر دخلنا نمط حياة جديد؛ تعطلت حركة المطارات والموانئ وارتفعت رايات الانغلاق والتقوقع لتقف كالسد بوجه الآخر والغرباء القادمين من دول أخرى. وهو ما يذكر بأزمة اللاجئين وما أثارته من هلع استعاد مشاعر الخوف والتعصب. بحيث أشار أحد كتاب الغارديان إلى أن "ترامب تعامل مع “كورونا” كجيش أجنبي وشبكة إرهابية تغزو أميركا".

نظرا للانتشار الصاروخي لفيروس كورونا الوبائي، صنفته منظمة الصحة العالمية "بالجائحة". ومن غير المتوقع إيجاد علاج له في المدى المنظور. ونظرا لغزوه الكرة الأرضية بعد الكوارث البيئية المتلاحقة من حرائق وفيضانات وعواصف واضطرابات مناخية مؤهلة للتصاعد، يحيلنا الظن إلى أن الكرة الارضية تنتفض، كالحيوان عندما يريد التخلص من الطفيليات التي غزت جلده. ضاقت بنا الأرض ولم تعتد تحتملنا، فتصفعنا دوريا وكأنها تقول لنا: كفى، كفى عبثا بقوانين الطبيعة.

تشوش الأفكار والمشاعر يثير الهلع فنصبح فريسة سهلة لتلقي البروباغندا

وكأن الكون يريد استعادة بعض توازنه بعد الخلل المتمادي جراء النشاط البشري..

كورونا الذي انتشر بفضل العولمة وسرعة الانتقال وكونية والتبادلات، جاء ليمتحن قدرتنا على تدبر أمورنا والعيش دون شبكة العلاقات والتبادلات الكونية التي تزودنا بما نحتاجه.

المفارقة هنا أن هذه القدرة والسرعة اللامحدودة على التبادل المعولم، كانت السبب في تقطيع أوصالنا عندما سهلت تبادل وانتشار الأوبئة في نفس الوقت.

عجّل كورونا بانتقالنا عقودا إلى الامام، فبعد أن الشكوى المتصاعدة من تأثير وسائط ووسائل التواصل الرقمي على العلاقات بين البشر وعلى سيكولوجيتهم وتأثير العزلة على نفسيتهم وتوازنهم النفسي والخوف على الأطفال ونموهم وعلاقاتهم الاجتماعية السوية؛ وجدنا أنفسنا ممنوعين من التبادل المباشر، محتجزين خلف جدران الحجرات كي نتسمر أمام شاشاتنا الكبيرة والصغيرة، في قلب العالم الافتراضي الذي كنا نتهيب من احتمال سيطرته علينا.

إنه تمرين للمستقبل حيث ستحل اللوغاريتمات مكان النشاط البشري فيتحولون للعيش الافتراضي. علق البعض أن علينا أن نحول المحنة إلى مناسبة كي نتنفس الصعداء ونتغير ونبحر لنتعمق في أبعد حدود دواخل ذواتنا كي نتصالح مع أنفسنا ونسامح الأخطاء ونعيش سلاما داخليا يجلب لنا الفرح المفقود. 

لكن البعض الآخر تخوف من الحجر المنزلي ومن عزلته عن الآخرين وشوقه الآتي لهم وافتقد النشاطات التي جمعته معهم وكانت مجرد ذريعة للتلاقي. وقد يقود هذا إلى الجوع العاطفي وتبعاته.

إن انتشار الأوبئة يثير الهلع والخوف فتستعيد ذاكرة البشر أزمنة الضيق والعوز والفناء واقتراب الآخرة ونهايات العالم. فكان كورونا هو الصدمة المفاجأة التي هيأت أرضية مناسبة كي تستعيد التقاليد الإيمانية زخمها؛ من الصلوات إلى إنارة الشموع والتوسل بتراب القديسين وتزنير الكنائس بالألبسة واللجوء إلى الأدعية والتكبير على الأسطح والشرفات لكن تنتعش في نفس الوقت الشائعات والفرضيات والخرافات فتعم الفوضى في تناقل المعلومات.

إن تشوش الأفكار والمشاعر يثير الهلع فنصبح فريسة سهلة لتلقي البروباغندا وتصديق الأكاذيب على أنواعها. فالشر المستطير ينتظر عند زاوية المستقبل المهتز والغامض. فتتوسع نظريات المؤامرة وتتعدد ردات الفعل. راج جراؤها تسجيل صوتي على "واتساب" يقلد صوت المجيب الإلكتروني يلخص ردود الفعل: "أهلا بكم في لبنان في زمن كورونا، للغة المنطقية القائلة ببقائك في البيت، اضغط على الرقم 1. لنظرية ما في شي كله شقفة كريب (الرشح)، اضغط على الرقم 2. لنظرية وين السهرة اليوم وهل نمارس السكي (التزلج) غدا؟ اضغط على الرقم 3، لنظرية المؤامرة الصهيوأميركية وراء انتشار فيروس كورونا اضغط على الرقم 4. لنظرية الله والقديسين والأنبياء لن يدعوا الفيروس اللعين يطالني، اضغط على الرقم 5. لنظرية فييش انزرب بطق، اضغط على الرقم 6. نظّر متل ما بدك وقد ما بدك بس خليك بالبيت احمي حالك واحميني".

وكل ذلك يحصل على خلفية المشاكل الوجودية غير القابلة للحل والخيبات المتوالية التي يعيشها اللبناني. ناهيك عن فقدان الثقة بالمؤسسات وبالمسؤولين وتقصير الحكومة والمؤسسة الصحية في مواجهة الوباء. لذا يسمح اللجوء إلى الخرافة بتخفيف القلق وخفض التوتر.

يضاف إليها الانقسام السياسي العامودي الذي حوّل كورونا إلى سلاح اضافي في المعارك السياسية. هناك معركة تدور بين السعودية وإيران على خلفية اتهام السعودية لإيران بالمساهمة في نقل الإصابة إليها لعدم الإعلان عنهم لأخذ الاحتياطات اللازمة تجاه القادمين من إيران إلى السعودية.

وفي لبنان تتصاعد الاتهامات لجماعة "حزب الله" اللبنانية بأنها تسببت بانتشار العدوى وجعلها وباء بسبب تسييس كورونا وعدم القبول بوقف الرحلات مع إيران حتى بعد إقفالها هي نفسها الحدود مع الآخرين. مع معلومات عن استقبال مصابين إيرانيين في لبنان. بينما يصرّ الحزب على رفض التهمة بنقل العدوى وترك الحدود مشرعة حتى بعد طلب إيران مساعدة صندوق النقد الدولي لعجزها. ربما يصبح بإمكاننا الآن الاستعانة بالصندوق بعد أن سمحت إيران له "بمس سيادتها!".

فضح كورونا مخاطر العولمة في ظل عجز الدول وتراجع قدرتها على السيطرة والتنسيق بينها

يصبح من الطبيعي أن تهتز ثقة المواطن بكل ما يمس الدولة بصلة. فكل شيء يثير الشبهة والشك والحذر في ظل غياب المسؤولية. لكن المضحك المبكي حالة الإنكار المتمادية لدى المسؤولين، فنجد وزيرة الإعلام تتصدى لإدانة "الافتراءات" على الدولة اللبنانية التي يتهمها الشعب بالتقصير والتقاعس! مذكرة بشهادة العديد من السفراء "الذين أبلغوا المسؤولين اللبنانيين أن بلادهم اتخذت من إجراءات لبنان نموذجا لاعتمادها"! وتعترض على محطة تلفزيونية لرفعها شعار "حالة طوارئ" ـ مع أنها ساهمت بالحجر الطوعي من قبل كثيرين ـ ليتبين أن الشعب في لبنان أكثر مسؤولية من حكومته. 

يبدو أننا نتحول بسرعة إلى دولة استبداد، فيلاحق المغردين ويعاقب الصحفيين وكل من ينتقد أداء الحكومة. فكورونا فضح الأنظمة الاستبدادية التي تمتنع عن الإفصاح عن المصابين فيها كإيران وروسيا وتركيا وحتى مصر.

فضح كورونا مخاطر العولمة في ظل عجز الدول وتراجع قدرتها على السيطرة والتنسيق بينها. الأزمة الصحية ستترجم إذن في اضعاف الديمقراطيات عبر إظهار عجز مؤسساتها عن مواجهة الوباء بفعالية، فيما ستقوي السلطات القمعية، على غرار الصين التي استفادت من الأزمة لزيادة أدوات رقابة وضبط الجمهور بواسطة تطبيقاتها الرقمية.

لكن مهما تصاعدت أصوات الشعبويات المطالبة باستعادة الحدود والحواجز بين البلدان إلى درجة إقفالها والانتقال إلى الفيدراليات داخلها كما يريد البعض في لبنان؛ سينبثق عنها، رغم ذلك، إظهار حقيقة أن عالمنا الحالي، بكل مخاطره وانحرافاته، لديه القدرة على رفع حظوظ التعبئة والتعاون التنسيق بين الأطباء والباحثين من أجل اكتشاف المصل المضاد. وحينها لن تقفل أي حكومة حدودها بوجه هذه العولمة بل العكس، إلا إذا كانت من نمط شخصية مقتدى الصدر الذي أعلن رفضه للقاح إذا جاء من أميركا! 

مع فيروس كورونا ننتقل إلى مرحلة جديدة مفتوحة على كل الاحتمالات. ففي الوقت الذي نتعامل فيه مع الآخر كتهديد ونضع الحواجز بيننا وبينه، نجدنا أمام عالم بأسره يحمل المعقمات ويرتدي القفازات ويضع الكمامة. إنه توحيد في السلوك غير مسبوق. البشرية بأسرها تواجه التهديد الوجودي نفسه. تصبح المفارقة أن البشرية تتوحد في مواجهة خطر داهم مشترك عبر وضع السدود بين أفرادها!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
كورونا... الأرض تنتفض 0118E57E-7508-481A-BE9D-90FF27AF98F0.jpg AFP كورونا-الأرض-تنتفض 540889 في الوقت الذي نتعامل فيه مع الآخر كتهديد ونضع الحواجز بيننا وبينه، نجدنا أمام عالم بأسره يحمل المعقمات ويرتدي القفازات ويضع الكمامة. إنه توحيد في السلوك غير مسبوق 2020-03-17 11:33:49 1 2020-03-17 11:33:49 0