Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لم يرد تعبير "معلوم من الدين بالضرورة" أو "ما أجمعت عليه الأمة" ولو مرة واحدة في القرآن!
لم يرد تعبير "معلوم من الدين بالضرورة" أو "ما أجمعت عليه الأمة" ولو مرة واحدة في القرآن!

بابكر فيصل/

"ولئن ساغت العلمانية في بلاد أوروبا لأن النصرانية مُحرَّفة، ولأن رجال الدين سيطروا على عقول الناس وقلوبهم، وحاربوا العلم والعلماء حربا لا هوادة فيها، ولأن النصرانية لا تتضمن نظاما متكاملا عن الحياة، فإنها لا تسوغ في مجتمعات المسلمين بحال، لأن الإسلام دين شامل متكامل يستغرق قضايا الدنيا والآخرة، ويلبي مطالب الروح والجسد، ونصوصه الكلية تندرج تحتها من أحكام الجزئيات ما لا يتناهى".

الحديث أعلاه هو جزء مقتطع من إجابة مطولة لرجل الدين السلفي السوداني، عبد الحي يوسف، عن السؤالين التاليين اللذين سألهما أحد أصدقاء موقع "المشكاة" الإلكتروني: ما هو حكم الديمقراطية والعمل بها في الإسلام؟ ما هو حكم العلمانية في الإسلام؟

عدم وجود نظرية سياسية في الإسلام يؤكد أن شمولية الدين تعني اكتفاءه بوضع القيم والمبادئ العامة

​​من المعلوم أن جميع تيارات الإسلام السياسي تبني دعوتها إلى ضرورة تطبيق الشريعة وأسلمة الدولة وعودة الخلافة على ادعاء يقول إن الإسلام دين شامل لكل نواحي الحياة وبالتالي فإنه من المستحيل فصله عن الدولة مثلما حدث في الديانة المسيحية التي يقولون إنها تختلف اختلافا جذريا عن الإسلام.

وقد شرح الدكتور يوسف القرضاوي فكرة الشمول هذه في كتابه "التربية السياسية عند الإمام حسن البنا" بالقول إنها تعني: "أن الاسلام يشمل الحياة كلها بتوجيهه وتشريعه: رأسيا منذ يولد الإنسان حتى يتوفاه الله. بل من قبل أن يولد وبعد أن يموت حيث هناك أحكام شرعية تتعلق بالجنين وأحكام تتعلق بالإنسان بعد موته. وأفقيا، حيث يوجه الإسلام المسلم في حياته الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية من أدب الاستنجاء إلى إمامة الحكم وعلاقات السلم والحرب".

وعند سيد قطب أن "الدين هو المنهج والنظام الذي يحكم الحياة، وهو في الإسلام يعتمد على العقيدة، ولكنه في عمومه أشمل من العقيدة"، وهذا يعني أن الإسلام يشمل الحياة الإنسانية برمتها ابتداء من السياسة إلى شؤون الحياة الفردية.

بهذا المعنى فإن الدين لدى تيارات الإسلام السياسي ودعاة تطبيق الشريعة ـ وكما يقول صلاح سالم ـ يكون شاملا فقط عندما يتحدث في كل شيء ولا يسكت عن أي شيء، وعندما يطرح كل الأسئلة ويقدم جميع الإجابات، أو كما قال عبد الحي يوسف في إجابته أعلاه عندما "يستغرق قضايا الدنيا والآخرة".

ولكن على العكس التام مما يدعيه هؤلاء فإن شمولية الدين واستمرار فاعليته تكمن في عموميته وتساميه عن الوقائع المتجددة وعدم تدخله في تفاصيل الحياة المتغيرة، فهو يطرح الإجابات على الأسئلة الوجودية الأساسية حول الحياة والموت، خلق الكون ومسيره ومآله الأخير، مصير الإنسان والقيم التي يجب أن تحكم حياته.

​​إن اكتفاء الدين بطرح المبادئ والتصورات والقيم الكبرى وامتناعه عن الاستغراق في الشؤون التفصيلية المرتبطة بكيفية إنزالها على واقع الناس في الحياة هو الذي يؤكد على شموليته، وهذا هو الأمر الذي يثبته النص الديني (القرآن) والتجربة التاريخية الإسلامية.

في مسألة السياسة والحكم، يؤكد القرآن على قيم عامة أساسية مثل الحرية والعدل والشورى، ولكنه يصمت عن كيفية تطبيقها في الواقع الحياتي المتغير، ولا يضع تفصيلات محددة يجب إتباعها في جميع الأحوال والأوقات، وكذلك فعل الرسول الكريم في واقع الممارسة التاريخية، فهو لم يترك لأصحابه دليلا تفصيليا لكيفية تسيير شؤون المسلمين بعد رحيله، وكذلك امتنع عن اختيار من يخلفه في إدارة أمرهم.

قد جاء اختيار أبو بكر الصديق في السقيفة بأسلوب غلب عليه النزاع بين المهاجرين والأنصار من جهة وبين آل بيت الرسول وبعض كبار الصحابة من جهة أخرى. فالأنصار الذين يئسوا من تولية سعد بن عبادة بعد أن رأوا تشبث عمر وأبي بكر قالوا "منا أمير ومنكم أمير" ليجيبهم الصديق "منا الأمراء ومنكم الوزراء".

وعند وفاته، لم يترك أبو بكر شأن تولية من يخلفه إلى عامة المسلمين أو حتى أهل الحل والعقد، بل أوصى لعمر بن الخطاب بكتاب مغلق بايع عليه المسلمين قبيل وفاته دون أن يعلموا ما بداخله.

وعندما دنا عمر من ملاقاة ربه لم يتبع أسلوب السقيفة أو أسلوب الصديِّق في الاختيار، بل قصر الاختيار على ستة أسماء "علي وعثمان وطلحة والزبير وابن عوف وسعد"، يختارون من بينهم من سيتولى الأمر.

القرآن والرسول أحجما عن وضع أسلوب مُفصَّل أو وسيلة معينة لاختيار الحاكم

​​أما علي بن أبي طالب فقد تمت توليته تحت ظلال السيوف وعلى أسنة الرماح بموافقة بعض الأمصار ورفض البعض الآخر، عقب فتنة اغتيال ذي النورين. وبعد اغتيال علي انفرد معاوية بن أبي سفيان بحكم المسلمين، ومع توليه إمارة المسلمين تحول الحكم إلى مُلك عضوض واختفت حتى اليوم كل أساليب الاختيار عدا أسلوبي الغلبة والوراثة.

وإذا كان القرآن والرسول قد أحجما عن وضع أسلوب مُفصَّل أو وسيلة معينة لاختيار الحاكم، فإنهما كذلك لم يضعا نظاما معينا للحكم يُحِّدد سلطات ذلك الحاكم وصلاحياته، وآلية اتخاذ القرار في الدولة، والفترة الزمنية التي يبقى فيها الحاكم على سُدَّة الحكم، وغير ذلك من الأمور التفصيلية التي يجب توافرها في أنظمة الحكم.

يقول قاسم أمين في إطار حديثه عن الخلافة الإسلامية: "أما من جهة النظامات السياسية فإننا مهما دققنا البحث في التاريخ الإسلامي لا نجد عند أهل تلك العصور ما يستحق أن يُسمى نظاما، فإن شكل حكومتهم كان عبارة عن خليفة أو سلطان غير مُقيد، يحكم موظفين غير مُقيدين... ربما يُقال إن هذا الخليفة أو السلطان يُولى بعد أن يُبايعه أفراد الأمة، وأن هذا يدل على أن سلطته مستمدة من الشعب صاحب الأمر. ونحن لا ننكر هذا، ولكن هذه السلطة التي لا يتمتع بها الشعب إلا بضع دقائق هي سلطة لقيطة، أما في الحقيقة فإن السلطان هو وحده صاحب الأمر".

إن عدم وجود نظرية سياسية في الإسلام يؤكد ما ذهبنا إليه من أن شمولية الدين تعني اكتفاءه بوضع القيم والمبادئ العامة التي يجب أن تلتزم بها السلطة السياسية في المجتمع دون الخوض في تفاصيل الأشكال والآليات التي تتخذها السلطة في إنزال تلك المبادئ إلى الواقع التطبيقي. إنها "شمولية وجودية" وليست "شمولية سياسية" بحسب تعبير صلاح سالم.

لم يترك الرسول لأصحابه دليلا تفصيليا لكيفية تسيير شؤون المسلمين بعد رحيله

​​ولعل من أبلغ العبارات الدالة على شمولية الإسلام الوجودية وليست السياسية هي تلك المنسوبة للفقيه ابن القيم: "أينما يكون العدل فثم شرع الله". هذه المقولة الدالة تبين أن أحد المقاصد الكلية للدين هو تحقيق العدل وبالتالي فإنه ليس مهما نوع النظام السياسي (الوسيلة) الذي يتم عن طريقه الوصول لتلك الغاية، بل إن تنزيلها إلى أرض الواقع والممارسة وحده كفيل بإعطائها الصفة الإسلامية.

يظن دعاة أسلمة الدولة خطأ أن غياب القيم الوجودية الكبرى من شاكلة الشورى والعدل والحرية عن العالم الإسلامي إنما يرجع لغياب الدولة الإسلامية "الخلافة"، وأن عودة الأخيرة سيضمن إنزال تلك القيم على أرض الواقع ضربة لازب، ويفوت عليهم أن تلك القيم لم تسد طوال تاريخ الخلافة إلا في فترات استثنائية قصيرة جدا، وأن غيابها لم يكن بسبب زوال الخلافة بل كان بسبب الاستبداد الذي كان سمة تلك الفترة من تاريخ البشرية جمعاء.

وبالتالي فإن أي محاولة لأسلمة الدولة أو استعادة الخلافة لن تجدي في بسط القيم الكبرى التي ينادي بها الإسلام طالما أن توجهات تلك الدولة ظلت قائمة على أسس الاستبداد الذي كان سائدا قبل ظهور الدولة الحديثة، وطالما أنها ترفض نظام الحكم الديمقراطي الذي لا تكتمل أركانه إلا بالعلمانية السياسية.

اقرأ للكاتب أيضا: عقوبة الرجم: حول روايات اعتراف ماعز بالزنا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538591 4

محمد المحمود/

يواجه العالم اليوم وباءً خطيرا؛ أخطر ما فيه: سرعة وسهولة انتشاره، مخترقا كل الحدود السياسية والجغرافية، ومختبرا كل الثقافات الدينية والقومية في مصداقيتها، وفي جدواها أيضا، ومتحديا إمكانيات الدول، وفاصلا ـ في النتائج ـ بين حقائق الإنجاز التنموي وأوهامه، ومظهرا الفروق الهائلة بين الادعاءات الجوفاء وحقائق الواقع، ومعيدا ترتيب الأولويات على نحو غير مسبوق.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال؛ حتى وإن كان الاعتبار على المدى البعيد لا يتوفر عليه إلا قليل أو أقل من القليل؛ لأن ذاكرة المشاعر ـ وهي ذاكرة الجماهير/ الأغلبية الساحقة ـ قصيرة المدى، والتجارب/ الدروس الواقعية التي لا تُحوّلها الثقافة إلى أنماط عقلية مدعومة بتشكيلات مؤسساتية عامة، لا بد وأن يطويها النسيان، وتضطر الأمم لإعادة تجاربها/ آلامها من جديد.

كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته، وبالتالي؛ هو أقدر على التفسير المستغرق لكل التشكلات الثقافية المتمظهرة من خلال المسلك الإنساني الواقعي/ الوقائعي.

الوعي بالعولمة تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء

كوارث الطبيعة، مهما عظمت، تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي الخاص. الزلازل، والبراكين، وموجات التسونامي العاتية، والأعاصير المدمرة، والفيضانات الكبرى، لها مدى جغرافي لا تتعداه، وآثارها غير المباشرة تتضاءل حدتها باستمرار، وفق شروط التنائي الزماني والمكاني.

كذلك الكوارث البشرية/ الحروب وتوابعها؛ مهما عظمت، ومهما كان وقعها على ضحاياها المبشرين أقسى من وباء كرونا بآلاف المرات؛ إلا أنها تبقى محدودة جغرافيا، وبالتالي، فقدرتها التفسيرية التي نستطيع بها اختبار الثقافات تبقى ـ بالتبع ـ محدودة. فمثلا، إذا كانت الحرب العالمية الثانية أبادت الملايين من سكان أوروبا، فإن هناك شعوبا لم تعرف من ويلاتها وعذاباتها شيئا، وهناك شعوبا أخرى لم تمسها هذه الحرب الكونية إلا بأضرار جانبية/ غير مباشرة، كغلاء الأسعار وندرة بعض السلع وانقطاع بعض طرق المواصلات.

إذا كانت المنظمات الدولية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية؛ بقوة دفع مفاعيلها، والشركات العابرة للقارات، ثم الأنظمة الإعلامية والتواصلية التي جعلت العالم كله على مرمى ضغط زر في جهاز الحاسوب أو الهاتف...إلخ قنوات/ آليات العولمة، تعكس حقائق العولمة وتكشف عن تمظهراتها الواقعية، فإن هذا الوباء الفيروسي/ كورونا المستجد جعل العالم ليس قرية واحدة فحسب، بل ولا بيتا واحدا (يكون بإمكان بعض أفراده الاستقلال ببعض غرفه بحواجز/ بجدران، تمنع الرؤية/ تحفظ الأسرار/ تمنع الضرر)، وإنما جعله غرفة واحدة صغيرة ينكشف فيها الجميع على الجميع اضطرارا، ويتبادلون فيها الأسرار كما يتبادلون المصائب والآلام، ويقتسمون رغيف المستقبل ـ في لحظة الخطر الداهم ـ على حد سواء.

بناء على هذا ـ وبمنطق العولمة الأعمق والأقسى ـ لا تصبح كل دولة/ كل حكومة حُرّة تماما بما تفعله في حدود نطاقها الجغرافي/ فضائها السيادي، ولا يصبح من حق كل شعب أن يقرر خياراته الذاتية ـ بالمطلق ـ بعيدا عن العالم؛ لأن الآثار المباشرة وغير المباشرة لكل الخيارات (الحكومية والشعبية) على الآخرين، كل الآخرين أو معظمهم أو بعضهم، هي آثار متحققة على وجه اليقين.

لقد كان الباحثون في كثير من التخصصات الثقافية والعلمية، وبعض السياسيين الواعين، ومعظم المهتمين بالمسلك السياسي يدركون جيّدا أن ما يقع في قرية/ في مدينة نائية في الصين، أو في منافي سيبريا، يمكن أن يؤثر على الإنسان في قرية ما في جبال الألب، أو في صحراء الجزائر، أو في سهول تهامة الحجاز، أو في غابات نيجريا، أو في سواحل تشيلي، أو مستنقعات فيتنام. يدركون هذا على نحو عام، توقّعي، نسبي، غير مباشر، ولكنه كان حاضرا في الأذهان على الدوام.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال

نعم، هذا ما كان يدركه الباحثون والمهتمون منذ أمد بعيد، ولا يزال إدراكهم له يتصاعد بتصاعد قنوات التواصل/ التأثير، ويتعولم باتساع فضاءات العولمة. لكن، بقي وعي عموم الناس/ الجماهير العريضة، بمن فيهم بسطاء أصحاب القرار في كثير من دول العالم، قاصرا عن تصور مستوى تفاعلات العولمة ومتتالياتها، أي قاصرا عن التثاقف مع أطروحات أولئك الباحثين والمهتمين.

هنا، نضع أيدينا على المُتغيِّر الأهم في مدلولات التفاعل العالمي، الرسمي والشعبوي، مع هذا الوباء الجديد، حيث العولمة باتت تقرع كل باب، بل تضع أصابعها ـ بقوة شراسة هذا الوباء ـ في عين كل إنسان، كل إنسان بلا استثناء، فمن لم يره واقعا متجسدا، رآه خيالا كواقع، خيالا يتسلل إليه ـ بشكل متكرر، متواصل، متفاعل كحدث يصنع وقائعه ـ من خلال قنوات التواصل والإعلام. ما يعني أن الوعي بالعولمة ـ الوعي على نحو عملي ـ تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء.

لقد تعمّق الوعي بالعولمة من حيث كون الأمر لم يعد تشابك مصالح على نحو يغدو معه التأثير نسبيا، ومن ثم، يقع في دائرة الخيارات ومُقَايَسة مستوى التضحيات، بل غدا التأثير حاسما/ مصيريا، إذ أدرك الجميع ـ وخاصة بعد تعولم الوباء ـ أن ما يحدث في مدينة صينية لم يسمعوا بها من قبل، لا يؤثر على تيسير أو تعسير نمط من أنماط حياتهم فحسب (كما كان الأمر من قبل في بعض المخترعات التقنية)، بل بات يؤثر في وجودهم ذاته، في حياتهم/ موتهم. 

وطبعا، الوعي بهذا التهديد لا يُشْترط فيه "المباشرية الوقائعية"، أي أن يروا قوافل توابيت الموتى أمام أعينهم في واقعهم، بل يكفي أن ينظروا إليها من خلال الشاشة إعلاميا/ تواصليا، ويروه في الواقع ملموسا من خلال متواليات وقائع الرعب المتمثلة في الشلل الاستثنائي لكثير من أنماط الحياة الطبيعية/ المعتادة. فالأجواء الاستثنائية التي لم تحصل حتى في أزمنة الحروب الكبرى، باتت تعمّق الإحساس بالخطر؛ من حيث هي تعمّق الإحساس بوحدة المصير الإنساني، والعكس صحيح؛ إذ لا أحد، لا أحد بالمطلق، بمنجاة من هذا الخطر الذي يتهدد الوجود ذاته، وليس فقط طبيعة الوجود، وجود كل أحد، وليس وجود بعض دون بعض، فلا أحد يمتلك حصانة، وأصاب بالفعل مشاهير من كافة الميادين، بل وطرق أبواب كثير من قادة العالم الكبار.

من جهة أخرى، بات الوعي بالعولمة يتوسّع نطاقه ليشمل حتى أولئك الذين ظنوا في يوم من الأيام أنهم قادرون على الانزواء عنها، وبالتالي، التحرر من كل آثارها، أو من معظمها على الأقل. اليوم، يجعلهم هذا الوباء في قلب تفاعلات العولمة قسرا. إنهم إن استطاعوا في يوم من الأيام الهروب من أضرارها الحقيقية أو المتوهمة، فهم اليوم ـ وعلى الرغم منهم ـ أصبحوا وجها لوجه مع مخالبها وأنيابها الحادة التي تهددهم بالافتراس. وتكون المفارقة أن لا نجاة لهم من مخالب هذه العولمة إلا بالدخول معها في تفاعل أكبر وأشمل.

لقد توسع نطاق العولمة حتى رأينا أولئك الذين لم يسمعوا بالعولمة في يوم من الأيام، أو سمعوا بها كمصطلح عابر، أقصد: مئات الملايين من البشر الذين هم الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب الحي، وقد أصبحوا يعون ـ عمليا، وبدرجة عميقة بعمق خطر المرض/ خطر الموت ـ أنهم مُتَعَولِمون؛ حتى وإن جهلوا كل كلام المثقفين وكبار الساسة والاقتصاديين عن العولمة طبيعة وآثارا وتطلعات. ما يعني أن كل إنسان وعي العولمة من خلال وعيه بأن مصيره قد يكون مرتبطا بمصير أي إنسان في أي مكان.

ولأن هذا الوباء الخطير أصبح وباء عالميا/ متعولما، فقد أصبحت ردّات الفعل عليه متنوعة بحجم تنوع واختلاف الثقافات في هذا العالم؛ حتى وإن كان الرد الرسمي: الصحي/ الحكومي ـ المؤسساتي في العالم كله، متشابها إلى حد كبير في طبيعة الإجراءات الوقائية أو العلاجية. ففي القرارات التي تدفع بها الثقافات التي تنظر لصحة الإنسان بوصفها مسؤولية فردية، أو بوصفها ليست أولوية بالمطلق؛ شاهدنا التراخي الذي قاد إلى مصائر كارثية، تكاد ـ بقوة العولمة ـ أن تقود العالم كله إلى مصير مجهول.

أما في الثقافات المتخمة بالخرافة، فقد رأينا كيف أن الأغبياء من سدنة هياكل المقدس يُجاهِرون بل ويُفاخِرون بكسر يقينيات الطب، ويستخفون بالتعليمات الصحية الوقائية؛ فيرفضون فضّ الاجتماعات التي تتقارب فيها الأجساد بل تتلاصق، وأكثر من ذلك، رأيناهم يبيعون الوهم لأتباعهم السذج، فيزعمون أن أماكن القداسة تمتلك قدرات خارقة على تطهير الفضاء المقدس من الوباء، أو أن المصلين يمنحهم الله قدرة وقائية استثنائية لأنهم في صلاة/ اتصال روحاني مع الله!.

لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية

تحت وقع الإحساس العميق بالمسؤولية، تصدر كثير من الحكومات قرارات حازمة بمنع التجمّع، بل تُعطّل المدارس، وتلغي الفعاليات، وتغلق المتاجر الكبرى، وتُعلّق معظم الاجتماعات؛ إن لم يكن كلها، وتمنح الموظفين إجازات إجبارية مدفوعة الأجر؛ كل هذا لتساعد الشعوب على تنفيذ التوجيهات للبقاء في البيوت. 

لكن، تجد الثقافة المجتمعية/ الشعبوية بالمرصاد لكل تلك القرارات الإيجابية، إذ لا تكتفي بتفريغ تلك القرارات من مضامينها، بل إنها تقلبها إلى عكس المتوقع منها، حيث تُبادِر هذه الجماهير إلى استغلال هذا التعطيل المؤقت (التعطيل للنشاطات الرسمية العامة) فتعقد الاجتماعات العائلية الكبرى، وتخرج للأسواق والمتنزهات؛ دونما أدنى استشعار للخطر، على الرغم من علمها بالخطر، وعلى الرغم من تكرار التحذير على أوسع نطاق.

طبعا، هنا المعضلة الثقافية، فأنت لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية. المسألة لها أبعادها الثقافية/ التربوية التي تأخذ ـ بالضرورة ـ تخطيطا شموليا/ متضافرا، متتابعا في مدى زمني طويل.

لا يمكن أن تقنع المتدين الساذج بعدم الذهاب للمسجد، والاكتفاء بالصلاة في البيت؛ لأن الوقوف في صف واحد، وبأجساد متلاصقة؛ للصلاة، هو أخطر ـ في هذا الظرف الصحي العام ـ من معظم صور الاجتماع التي تُحذّر وزارات الصحة منها. لا تستطيع أن تقنعه بهذا؛ لأن وعيه تشبّع بمفاهيم تجحد منطق العلوم، أو هي تَزْورّ عنه، أو هي تستخف به في أحسن الأحوال.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الوباء والعولمة والثقافة DF9FFA06-1C3A-440E-8158-D4238A39ADF5.jpg AFP الوباء-والعولمة-والثقافة 540888 كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته 2020-03-17 11:31:17 1 2020-03-17 11:32:17 0