Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

اللغة العربية
اللغة العربية

سناء العاجي/

"أرشيف بريطانيا وفرنسا يكتب باللغة العربية... لأنهم هناك، اكتشفوا أن اللغات التي كتبوا بها أرشيفهم سابقا، تغيرت ولم يعد بإمكانهم قراءتها وفهمها"... و"اللغة العربية هي الأولى اليوم في العالم، بما في ذلك الصين. لكنهم يرفضون الاعتراف بهذا الأمر".

هذه واحدة من التصريحات الغرائبية للبرلماني المغربي المقرئ أبو زيد. فتارة يعتبر أن ستيفن هاوكينز "أبلد من الحمار"، وتارة يقول إن "لا أحد يمكنه إنكار أن الإنسان ينشأ من الحيوان المنوي للرجل والحيوان المنوي للمرأة" وغير ذلك من الخرافات التي يقدمها على أساس أنها حقائق علمية ثابتة.

المركزية العربية و/أو الإسلامية التي يشعر بها البعض هي جزء من دائنا

​​هذه التصريحات الكاريكاتورية تطرح أكثر من سؤال، أولها كوننا نعتبر أي شخص يتحدث في أمور الدين عالما... بينما للعلم أبجدياته وتجاربه وأبحاثه التي تمكن العلماء من تقديم نظريات علمية وإثباتها أو نفيها، تطويرها، تسجيل نتائج أو ملاحظات وما دون ذلك. لا يكفي أن يتحدث شخص باسم الدين لكي نقول إنه "عالم"؛ حتى لو قال كلاما بعيدا عن الحدود الدنيا من المعرفة العلمية، مثل حكاية "الحيوان المنوي للمرأة".

لكن التصريحات التي خصصها المقرئ أبو زيد للغة العربية تستدعي، لوحدها، أن نتوقف عندها قليلا.

بداية؛ اللغة العربية لغة جميلة جدا وهي اللغة الخامسة في ترتيب اللغات الأكثر استعمالا في العالم (بعد الصينية، الإسبانية، الإنكليزية والهندية)، وهي تتقدم في عدد مستعمليها على البرتغالية، البنغالية، الروسية، اليابانية والبنجابية. للإشارة، فاللغة الفرنسية التي تعتبر اللغة الثانية في المغرب والجزائر وتونس، لا توجد ضمن اللغات العشر الأكثر استعمالا في العالم، بل توجد في المرتبة 17 عالميا. وهذا يطرح أسئلة أخرى حول الاختيارات اللغوية للبلد.

لكن جمالية اللغة العربية واعتبارها الخامسة عالميا في عدد المستعملين (وليس الأولى كما يدعي أبو زيد) لا يجعل منها لغة مقدسة. القرآن كتاب مقدس... لكن اللغة العربية هي لغة كغيرها من اللغات الحية عبر العالم: تتطور، تتغير، تتجدد. كما أن أغلب المسلمين ليسوا عربا، حيث أن البلدان التي تضم أكبر عدد من المسلمين هي أندونيسيا، باكستان، الهند وبنغلاديش. هذه البلدان لوحدها تضم 43،8 في المئة من مسلمي العالم، بينما الدول المسماة عربية لا تضم إلا 20 في المئة من المسلمين. هذا يعني أننا نحتاج لفصل حقيقي بين الإسلام كدين والقرآن ككتاب مقدس من جهة، وبين اللغة العربية من جهة أخرى. كل العرب ليسوا مسلمين وكل المسلمين ليسوا عربا.

اللغات التي لا تتطور تموت، بكل بساطة

​ثم، هل يستطيع أبو زيد ومن هم على شاكلته تجاوز سؤال عدد المستعملين، ليخبرونا كم بحثا علميا تطور باللغة العربية؟ وكم كتابا نطبع باللغة العربية؟

من جهة ثانية، فمن الغباء أن نتصور أن أرشيفات دول كبريطانيا أو الولايات المتحدة الأميركية تكتب باللغة العربية. ببساطة لأنه لا وجود لموظفين يجلسون في مكتب ما ليدونوا الأرشيف!

الأرشيف هو مراسلات وقوانين وقرارات وخطابات وما دون ذلك من تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفنية والتعليمية للبلد، والتي يحتفظ بنسخ منها للأرشيف؛ وباللغة التي كتبت بها. حين يقدم رئيس الولايات المتحدة الأميركية أو أي مرشح رئاسي خطابا للشعب الأمريكي، فهذا الخطاب يدخل الأرشيف بلغته الأصلية. حين يراسل برلماني بريطاني مسؤولا هنديا، فإن المراسلة يتم الاحتفاظ بها في أرشيف المؤسسة البرلمانية الهندية والبريطانية في لغتها الأصلية. قد تترجم هذه الوثائق للغات أخرى عند الحاجة. لكن، ليس هناك موظف أرشيف يجلس لـ "يدون الأرشيف!".

من جهة أخرى، كل اللغات عبر العالم تتطور. تدخلها مفردات وصياغات جديدة وتغادرها أخرى، بما فيها اللغة العربية. اللغات التي لا تتطور تموت، بكل بساطة. اللغة العربية التي يتحدث بها المقرئ أبو زيد تختلف كثيرا عن اللغة التي كان يتحدث بها أبو جهل وأبو لهب... وهم عرب.

جمالية اللغة العربية وانتشارها لا يجعل منها لغة مقدسة

​​هذه المركزية العربية و/أو الإسلامية التي يشعر بها البعض هي جزء من دائنا. يمكنك أن تكون مسلما مؤمنا مقتنعا بدينك... دون أن تعتبر نفسك أفضل من العالم بأسره لمجرد أنك مسلم. يمكنك أن تحب عروبتك ولغتك العربية، دون أن تخترع حولها الأكاذيب وتعطيها صبغة علمية أسطورية، بينما يوفر التطور العلمي اليوم الإمكانية لكل شخص عاقل لأن يبحث عن المعطيات المتوفرة ويتأكد بنفسه.

لكن المشكلة الحقيقية التي يستغلها أبو زيد وأمثاله، أن الكثير من أتابعهم لا يبحثون عن المعطيات للتأكد... يصدقون كلامهم لأنه يصبح مقدسا، ما داموا يبدؤونه بـ "باسم الله". حتى لو أخبروهم أنهم نشؤوا من الحيوان المنوي للرجل والحيوان المنوي للمرأة!

اقرأ للكاتبة أيضا: لا وساطة في الإسلام؟ حقا؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538594 4

رياض عصمت/

تطالعنا الأخبار منذ مطلع العام 2020 حاملة مفاجآت صاعقة من كل صنف ولون. ارتاع الرأي العام لسماع نبأ محاولة اغتيال غير مألوفة سابقا في السودان كادت تودي بحياة رئيس الوزراء الحالي. أما في السعودية، فوجهت تهم ضد أشخاص لهم مكانتهم الرفيعة. صدق القول: "ليس في السياسة صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة". لكن بعض العداوات، في الواقع، تصبح عصية على الإصلاح، إذ يشكل التوجس من خصم أو أكثر دافعا قويا لفعل استباقي يدرأ الخطر، وإن كانت أحداث كهذه تثير قلقا وتوجسا مزمنين، وتجعل الإنسان محتارا حول ماذا يصدق وماذا ينكر!

ذات يوم، حين كنت أزاول الإخراج المسرحي، دخل مكتبي واحد من "الأخوة ـ الأعداء" على غير ميعاد، وحاول إغرائي بشتى السبل كي أتقدم بمشروع إخراج مسرحية وليم شكسبير "يوليوس قيصر". كنت معجبا بالمسرحية الشهيرة، التي صنفت كمسرحية تراجيدية وليس تاريخية، بالرغم من كونها تحمل الصفتين معا، لكنني شعرت بالفخ الذي كان صديقي اللدود يحاول نصبه لي، مستغلا شغفي بأعمال شكسبير، الذي سبق أن أخرجت من تأليفه "حكاية الشتاء" و"حلم ليلة صيف"، كما أعددت "هاملت" ليخرجها لاحقا بنجاح كبير لصالح "مسرح دمشق القومي" الفنان عروة العربي.

تذكرت في الحال أن "يوليوس قيصر" هي من المسرحيات الأقل إنتاجا على مسارح العالم الثالث، وإن تعددت الأفلام الأجنبية المقتبسة عنها، وأدركت السبب على الفور. لذا، ابتسمت مجاملا وقلت لزائري: "سأفكر في الأمر، لكنني حاليا مشغول بالتفكير في أعمال شكسبير المسلية مثل /جعجعة بلا طحن/ و/خاب سعي العشاق/". 

كان شكسبير أحد أوائل المسرحيين الذين تناولوا موضوع الاستبداد والطغيان

لم تفت إيماءتي اللفظية ذكاء زائري المثقف، بل استوعب بذكائه الحاد سخريتي المبطنة، فكف في زياراته التالية عن محاولة "جر رجلي" لأخرج مسرحية كان موقنا أن الرقابة ستمنع عرضها بعد إجراء البروفات، مما يحقق مأربه في أن يعرضني إلى أزمة محرجة أمام الممثلين والرأي العام.

كان شكسبير أحد أوائل المسرحيين الذين تناولوا موضوع الاستبداد والطغيان، كما في مسرحيتيه "هاملت" و"ماكبث" السياسيتين بامتياز. كما كان أحد أبرز من صور الخديعة والغدر بدافع الجشع إلى السلطة في مسرحيات مثل "الملك لير" و"العاصفة". لكن أخطر تراجيديا سياسية كتبها شكسبير هي "يوليوس قيصر" في عام 1599، أي في ذروة نضجه. 

تتناول المسرحية تحول زعيم تاريخي كان يتمتع باحترام ومحبة شعبه إلى ديكتاتور مستبد، قام بتجاهل آراء نوابه في برلمان ذلك الزمان، حتى اتفق أقرب الناس إليه على اغتياله في روما بتاريخ 44 قبل الميلاد، حسب رواية المؤرخ بلوتارك. لا تنتهي المسرحية بطعن قيصر جماعيا كي تتوزع مسؤولية إراقة دمه على جماعة بدلا من فرد واحد، بل يقوم القائد مارك أنتوني بتهييج الجماهير عبر خطاب رثائه لقيصر، فينقلب الشعب ضد قاتليه لتنشب حرب أهلية تضطرهم إلى الفرار أو الإقدام على الانتحار تجنبا لحمى الانتقام، وتقع الإمبراطورية الرومانية فريسة لوحش الفوضى، وتغرق البلاد في حمام دم.

لعل من الطريف أن نذكر أن شكسبير كتب أيضا عن وقوع كل من يوليوس قيصر ومارك أنتوني بشكل متعاقب في غرام كليوباترا، ملكة مصر الفتية الحسناء، كما صورها سيناريو فيلم "كليوباترا" (1963) من إخراج جوزيف مانكويتش وبطولة إليزابيث تايلور. أما مسرحية شكسبير "يوليوس قيصر"، فأنتجت سينمائيا عدة مرات، أولها عام 1950 في نسخة لعب دور مارك أنتوني فيها تشارلتون هستون، الذي أعاد لعب الدور نفسه في نسخة تالية في عام 1970 تحت إخراج ستيوارت بارج مع نخبة متميزة من الممثلين. لكن، بالرغم من كون الفيلم صور بالألوان، لم يلق التقدير الجيد للفيلم السابق الذي صور بالأسود والأبيض وأخرجه جوزيف مانكويتش، ولعب فيه مارلون براندور دور مارك أنتوني. يعتبر هذا الفيلم أفضل نسخة سينمائية حتى الآن من مسرحية شكسبير "يوليوس قيصر" (1953)، إذ لعب دور بروتوس فيه باقتدار أيضا جيمس ماسون. أما أحدث الاقتباسات السينمائية عن مسرحية شكسبير السياسية "يوليوس قيصر" فجاء معاصرا في العام 2011، حافلا بالسيارات والمسدسات.

اشتهرت عبارة معينة في مسرحية "يوليوس قيصر" حتى أصبحت أشبه بمثل شعبي شائع. عندما يتلقى قيصر الطعنات واحدة تلو الأخرى من النواب الذين يتقدمهم كاشيوس وكاسكا، يلجأ قيصر مترنحا ليستند إلى بروتوس، أحب النواب إليه وأقربهم إلى قلبه، فإذا ببروتوس يعاجله بالطعنة النجلاء الأخيرة. عندئذٍ يقول قيصر جملته الشهيرة: "حتى أنت يا بروتوس؟" ثم يسقط مضرجا بدمائه. مهدت عبقرية شكسبير لمشهد الاغتيال ـ على طريقة أفلام الإثارة والتشويق ـ عبر نبوءة عراف خلال مسيرة يوليوس قيصر في طريقه إلى مجلس الشورى، إذ يستوقفه ليقول له: "حذارِ من منتصف مارس".

"يوليوس قيصر" هي من المسرحيات الأقل إنتاجا على مسارح العالم الثالث

أما الشاعر والناقد الشهير ت. س. إليوت فكتب في رائعته الشعرية "الأرض اليباب" أبياتا قال فيها: "نيسان أقسى الشهور/ ينبت الليلك في الأرض الموات/ مازجا الذكرى والرغبة/ منعشا الجذور الخاملة بمطر الربيع". أي الشهرين، يا ترى، يحمل نبوءة أصدق؟ آذار/مارس أم نيسان/أبريل؟ جدير بالذكر أن إليوت كتب بعض المسرحيات الشعرية إلى جانب القصائد والدراسات النقدية، أشهرها مسرحية "جريمة قتل في الكاتدرائية" عن صداقة وطيدة بين نبيل ورجل دين، لكن عندما يعتلي النبيل العرش، ويعين صديقة في منصب رئيس الأساقفة ليمثل سلطة الكنيسة، لا يستطيع رجل الدين أن يخالف ضميره ويوافق صديقه على سياساته الدنيوية، فيضطر الملك أن يأمر باغتيال صديقه الذي فضل الالتزام بكلام الله على الخضوع لكلام البشر. قارب مؤلفان آخران هاتين الشخصيتين، فكتب الفرنسي جان آنوي مسرحيته "بيكيت أو شرف الله"، وكتب البريطاني روبرت بولت مسرحيته "رجل لكل الفصول".

هناك خطاب آخر مهم يأتي في مسرحية "يوليوس قيصر" عقب مصرع الطاغية الذي كان بطلا محبوبا ذات يوم في أعين شعبه عقب الانتصارات التي حققها وألهبت حماسة الناس. إنه خطاب مارك أنتوني في رثاء قيصر، والذي يبدأ بالجملة الشهيرة: "أيها الأصدقاء، أيها الرومان، يا أبناء بلدي. جئت إلى هنا لا لكي أمتدح قيصر، بل كي أدفنه". لكن الخطيب مارك أنتوني سرعان ما يذكر الجماهير بمآثر قيصر وأفضاله عليهم، فيحرضهم على الثورة ضد أولئك الذين قتلوه، ويؤجج مشاعر الغضب ليطالبوا برؤوسهم على مبدأ "كلن يعني كلن".

لا أدري إذا كان شكسبير مثل نوسترأداموس قد تنبأ عبر مسرحيته "يوليوس قيصر" بأن انفجار الربيع السوري سيحدث في منتصف مارس 2011. ترى، هل يخبئ لنا شهر مارس مفاجآت أخرى قبل أن ينصرم؟ أم أن شهر أبريل سوف يكون "أقسى الشهور" عبر مفاجآت مروعة بعد أن اجتاح العالم بشكلٍ مفزع وباء "كورونا"؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
حتى أنت يا بروتوس؟ 8A9072DD-E4B7-4CCD-8E2C-EAC5FE12E574.jpg AFP حتى-أنت-يا-بروتوس 540890 أعضاء مجموعة التاريخ الروماني خلا إعادة إحياء مشهد اغتيال يوليوس قيصر 2020-03-17 11:35:01 1 2020-03-17 11:36:01 0