Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

متشددون منتمون لداعش أثناء توقيفهم (أرشيف)

محمد المحمود/

كثيرا ما تساءل الباحثون في قضايا التطرف والإرهاب: هل التطرف/ الإرهاب هو نتاج مباشر لأفكار دينية متشددة، أم هو نتاج واقع اجتماعي مُعْتلّ بشتى العِلل التي تجعل من تبَنّي تلك الأفكار الدينية المتشددة ضرورة، أم أن التطرف/ الإرهاب هو نتاج تلاقح هذه الأفكار المتشددة مع هذا الواقع المعتل؛ ما يعني أن توفّر أحدهما لا يكفي ـ وحده ـ لإذكاء نيران العنف الأصولي، أو ما يطلق عليه "الإرهاب الديني"؟

لقد ثبت لدي يقينا، بعد كل هذه السنوات العِجَاف التي شهدت ازدهار العنف الأصولي في العالم العربي؛ إلى درجة تماهيه مع الذهنية الشعبوية العامة، أن واقع العرب ـ بكل مستوياته ـ يُشكّل أرضا خِصْبة لتَبَنّي مقولات الانغلاق والانكفاء على الذات؛ بقدر ما هو ـ في الوقت نفسه ـ يُشكّل أرضا خِصْبة لتمدد واستشراء مقولات التطرف المشوبة بنفس تمردي/ انتقامي، يبدأ من محاولة تشويه الآخر وتدميره، ليصل ـ بعد مروره بمحطات الفشل/ الإحباط/ الاكتئاب ـ إلى تشويه وتدمير الذات.

في هذا السياق، نستطيع الاتفاق ـ دونما حرج أو تحفّظ ـ على توصيف الباحث اللبناني القدير/ مصطفى حجازي لحال الإنسان في العالم العربي، أي في هذا العالم الواسع الذي يُشَكّل أهم وأشهر فضاءات التخلف على مستوى العالم، كما هو أهم وأشهر فضاءات العنف أيضا. يقول حجازي واصفا الإنسان العربي المُكبّل بإعاقات نفسية ومجتمعيه تتفاعل فيما بينها لتصنع حالة "الإنسان المقهور": "الإنسان في المجتمع المتخلف عدواني، متوتر، يفتقر إلى العقلانية، ويعجز عن الحوار المنطقي، لأنه يعيش في حالة مزمنة من الإحباط الاعتباطي، ومن الإهمال" (التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ص178).

واقع العرب يُشكّل أرضا خِصْبة لتَبَنّي مقولات الانغلاق والانكفاء على الذات

​​أيضا، يشير الباحث الفرنسي/ ستيفان لاكروا، من خلال استقراء عام لحالة "الجهاديين" الذين تبنوا خيار المواجهة المسلحة، إلى دور التمييز الاجتماعي في تفجير الغضب الكامن، الغضب المنتهي بتبني الأيديولوجية الجهادية كمهرب من القواعد الصارمة المفروضة بحكم التصنيفات الاجتماعية (زمن الصحوة، ستيفان لاكروا، ص163). أي بلغة مصطفى حجازي، تصبح الأيديولوجية العنفية، ومن ورائها السلوكيات العنفية، منافذَ هروب، ملاجئ عاطفية/ واقعية، وسائل يتذرّع بها الإنسان المقهور ـ واعيا أو غير واعٍ ـ للخروج من حالة القهر التي يشعر ـ صادقا أو واهما ـ أنها تحاصره كالقدر المحتوم.

إن الأفكار لا تعمل في فراغ؛ مثلما هي لا تتخلق فقط في حدود الأدمغة التي تشتغل بها وعليها. الأفكار، ومهما كانت الطاقة الكامنة فيها، لا تخلق حالة خاصة بها، أي حالة مكتفية بذاتها، الأفكار لا تَتَخلّق في واقع تقف معادلاته على الضد منها. البذور مهما كانت جودتها وقدرتها على الإخصاب تحتاج لأرضية حاضنة تمدها بعناصر النمو والتمدد والقوة، ومن ثم الإثمار.

من هنا، نجد أن النزعات الأصولية المتطرفة والرؤى التقليدية الانغلاقية يصيبها ما يُشْبه العقم في مجتمعات الوعي المتقدم، تتبخر حيويتها في البيئات التقديمة، الكافية/ المكتفية، التي يتحرر فيها الفرد من قهر ضروريات الحياة، بينما هذه "النزعات والحركات الأصولية والتقليدية تجد مرتعا خصبا في أوساط الطبقة الدنيا والشريحة الهامشية والطبقة الوسطى" (اتجاهات النخب السعودية، مشاري النعيم، ص27).

ولا يعني هذا التقابل بين واقعين/ عالَمين: جاذب وطارد غيابَ الاستثناءات الفردية؛ بقدر ما يعني أن هذا هو الواقع العام، هذا هو الحال الغالب الذي يجب أخذه في الاعتبار عند مقاربة إشكاليتي: التخلف والتطرف في عالمنا/ العالم العربي.

إن الرؤى التقليدية المتواشجة مع وقائع التخلّف من جهة، والمتفاعلة مع مقولات التطرف من جهة أخرى، هي الصانعة لوعي مجتمعي عام مأزوم، هي الصانعة لوعي لا يزال ـ بالتفاعل الجدلي ـ يُكرّسها باستمرار.

نعم، لا يزال هذا الوعي المأزوم يُنتج المجتمع التقليدي الذي أصبح انغلاقيا حتى في تطلّعه للاستنارة، بدليل أنه لا يكفّ عن استشارة التراث السلفي ليبحث فيه عن مشروعية موهومة تُبيح له أن يتبنى مفردة ما/ قيمة ما/ مبدأ ما؛ من مفردات/ قيم/ مبادئ التنوير.

لهذا، يقول الباحث في الحركات الإسلامية المعاصرة/ خالد العضاض ـ واصفا طبيعة التيار التنويري في السعودية ـ: ينطلق في مجمله من منطلقات إسلامية وسلفية تحديدا (التدين السعودي، تجاذبات التشكل والتحول، ص86). وظني أنه يقصد هنا بالتنوير ذلك التيار المتمرد ـ تسامحا وتيسيرا ـ على تطرّف الصحوة (أي التيار الذي ظهر عقب أحداث 11/9 وقاد لما يشبه المراجعات)؛ بغية خلق صحوة أقل تطرفا وأقل انغلاقا، وبالتالي؛ أقل إحراجا وأبعد عن الصدام مع الآخر.

مقولات الصحوة التي صنعت جيلا بأكمله، كانت انغلاقية إلى أقصى الحدود

​​هذا في ظني ما قصده العضاض بالتيار التنويري ذي المنطلقات السلفية؛ وإلا فإن التيار التنويري المتعولم (والتعولم نسبي بطبيعة الحال) إذ يأخذ في اعتباره ثقافة/ دين المجتمع الذي يتموضع فيه، فإنه ـ وعلى نحو صريح ـ يقطع مع الخطاب السلفي التقليدي.

إن الخطاب الصحوي، الذي هو نتاج حالة تخلّف/ ظرف ثقافي واجتماعي مُؤشكل، والذي هو ـ في الوقت نفسه ـ يعكس حالة تطرّف، يزعم لنفسه أنه يمثل حالة تقدّم/ خُطوة استناره في سياق الخطاب الديني التقليدي السائد. لكن، هذا الزعم تفضحه مقولات الصحوة الصريحة، مقولات الصحوة في عِزّ انتشائها وتصورها أنها تفتتح خطابا إسلاميا ثوريا جديدا.

إن مقولات الصحوة التي صنعت جيلا بأكمله، كانت، وعلى لسان أشهر رموزها، انغلاقية إلى أقصى الحدود، فهي لشدة تطرفها تُزايد ـ تطرفا ـ على بقية المتطرفين، إنها تَعُدُّ السلفية الإخوانية، أو حتى سلفية محمد الغزالي، تمييعا للدين، تحللّا من عزائم الشريعة، أو انفتاحا مبالغا فيه على ثقافة الكفر/ ثقافة التنوير في أبعادها الإنسانية التي تشكل وعي العالم المعاصر!. هكذا هي الصحوة بتطرفها الذي تتوهمه تنويرا تُدين خطوات الغزالي "التنويرية" (التي تحاول فتح بعض المسام في الجدار السلفي الصلد)؛ مع أنها خطوات خجولة، حائرة، مترددة، تتخللها حالات نكوص وانتكاس، بل ومراوغة ومخاتلة في كثير من الأحيان.

وإذا كانت مشكلة الصحويين أنهم ـ من حيث هم نتاج بيئتهم ـ يتبنون تراث دينيا (عقائديا وفقهيا/ تشريعيا) ينتمي إلى الماضي بكل مُكوّناته، فإن الخارجين على الصحوة بوسم التنوير/ الإصلاح الديني لم يستطيعوا الانعتاق من أسر هذا التراث التقليدي؛ لا جملة ولا تفصيلا.

إنك تجد هؤلاء المستنيرين (المستنيرين بالصحوة، أو رغم الصحوة!) يستجدون بعض الإضاءات من هذا الكتاب التراثي أو ذاك، من هذا الرمز التراثي أو ذاك. فمثلا تجدهم يستشعرون "الجُرأة التنويرية" إذ يحتمون بالشاطبي ومَقاصِديّته، مع أن الشاطبي لم يخرج في تنظيره لمقاصد الشريعة عما استقر في المنظومة الأصولية الفقهية، بل هو ماضوي تقليدي بامتياز؛ إذ يرى أن على المجتهد أن يتحرّى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد؛ لأنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين، فتحقيق الصحابة بعلوم الشريعة ـ كما يقول ـ ليس كتحقيق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم (إسلام عصور الانحطاط، هالة الورتاني، وعبدالباسط قمودي، ص84).

وبلا ريب، فهذا التقرير يعكس نظرة ماضوية صريحة، إنها نظرة سلفية تحكم بأن الأقدم أعلم وأحكم لمجرد أنه أقدم، وأن المتأخر لا يلحق بالمتقدم مهما فعل، فالأفضل والأجمل والأكمل في الماضي، بل إن المستقبل ذاته ـ وفق هذا التصور التقليدي ـ يقع في الماضي!

النزعات الأصولية المتطرفة والرؤى التقليدية الانغلاقية يصيبها ما يُشْبه العقم في مجتمعات الوعي المتقدم

​​إن كل من يتتبع محاولات الاستنارة التي تقدم بها الخطاب الإسلامي في صورته الصحوية سيجد أنها كانت محاولات اعتذارية في أساسها، وليست ناتجة عن تطور/ نمو ذاتي في الخطاب. إنها محاولات استنارة مُكْره أصحابها؛ لا أبطال! هي محاولات تفرضها القوة المتعولمة لمنطق العصر الذي هو في جوهره منطق خطاب التنوير الأوروبي الذي بات يضطر المتأسلمين المعاصرين إلى تلوين مقولات التراث الإسلامي لتظهر بمظهر عصراني مقبول، وفي المقابل؛ أسلمة المقولات العصرية بتأطيرها لتعبّر عن مقولات التراث التقليدي، أي بنزع روح الاستنارة منها؛ وجعل التراث اللاّتنويري يتحدث من خلالها.

يعجز أسرى التراث عن تجاوز المقولات الصلبة في التراث. إنها تحكمهم؛ لا بقوة تَحكّم منطقها الماضوي بطرائق تفكيرهم فحسب، بل وبقوة مساندة الواقع اللاتنويري الذي لا بد وأن يضطرّ المتموضعين في سياقه إلى استبطان مقولاته لا شعوريا. ومن هنا، لا بد وأن تفشل كل محاولة لتجاوز هذا التراث من خلال هذا التراث.

يقول مشاري النعيم عن المعالجة الإسلاموية لمسألة التسامح، وهي المسألة الجدلية التي تقع في صلب خطاب التنوير الغربي: "لقد تكلس مفهوم التسامح في الوعي الإسلامي في حدوده القروسطية، وقصّر بالتالي عن التطابق مع المعايير الدولية المعاصرة لحقوق الإنسان ومن ضمنها مبادئ المساواة والحرية". ثم هو في موضع آخر، ومن خلال النموذج الإسلاموي (المتمثل بالصحوة في السعودية والخليج) بوصفه نموذجا دالّا، يؤكد التضاد الذي يصل حدّ التناقض بين مسار الصحوة/ السلفية الحركية ومسار التنوير؛ فيقول: "كان صعود وتنامي شعبية الصحوة الإسلامية أحد مظاهر انحسار التنوير الغض" (اتجاهات النخب السعودية، ص71 وص130). بمعنى أن الإرهاصات الأولى للتنوير في السبعينيات من القرن الميلادي المنصرم كانت تحمل مضامين مختلفة جدا عن مضامين الصحوة، بل مضادة لها، ومن ثم؛ لا يستطيع أي تنويع صحوي ـ مهما زعم الاستنارة، وهما بدا تطويرا متمردا ـ أن يطرح نفسه بوصفه تيارا تنويريا؛ لا لشيء، إلا لأن "التنوير الصحوي" في كل أحواله، وبتأكيد جميع رموزه وتياراته وأطيافه، محكوم بأصول عقائد الأسلاف وكليات فِقْههم العتيد.

اقرأ للكاتب أيضا: ثقافة التدين الصحوي

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538594 4

رياض عصمت/

تطالعنا الأخبار منذ مطلع العام 2020 حاملة مفاجآت صاعقة من كل صنف ولون. ارتاع الرأي العام لسماع نبأ محاولة اغتيال غير مألوفة سابقا في السودان كادت تودي بحياة رئيس الوزراء الحالي. أما في السعودية، فوجهت تهم ضد أشخاص لهم مكانتهم الرفيعة. صدق القول: "ليس في السياسة صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة". لكن بعض العداوات، في الواقع، تصبح عصية على الإصلاح، إذ يشكل التوجس من خصم أو أكثر دافعا قويا لفعل استباقي يدرأ الخطر، وإن كانت أحداث كهذه تثير قلقا وتوجسا مزمنين، وتجعل الإنسان محتارا حول ماذا يصدق وماذا ينكر!

ذات يوم، حين كنت أزاول الإخراج المسرحي، دخل مكتبي واحد من "الأخوة ـ الأعداء" على غير ميعاد، وحاول إغرائي بشتى السبل كي أتقدم بمشروع إخراج مسرحية وليم شكسبير "يوليوس قيصر". كنت معجبا بالمسرحية الشهيرة، التي صنفت كمسرحية تراجيدية وليس تاريخية، بالرغم من كونها تحمل الصفتين معا، لكنني شعرت بالفخ الذي كان صديقي اللدود يحاول نصبه لي، مستغلا شغفي بأعمال شكسبير، الذي سبق أن أخرجت من تأليفه "حكاية الشتاء" و"حلم ليلة صيف"، كما أعددت "هاملت" ليخرجها لاحقا بنجاح كبير لصالح "مسرح دمشق القومي" الفنان عروة العربي.

تذكرت في الحال أن "يوليوس قيصر" هي من المسرحيات الأقل إنتاجا على مسارح العالم الثالث، وإن تعددت الأفلام الأجنبية المقتبسة عنها، وأدركت السبب على الفور. لذا، ابتسمت مجاملا وقلت لزائري: "سأفكر في الأمر، لكنني حاليا مشغول بالتفكير في أعمال شكسبير المسلية مثل /جعجعة بلا طحن/ و/خاب سعي العشاق/". 

كان شكسبير أحد أوائل المسرحيين الذين تناولوا موضوع الاستبداد والطغيان

لم تفت إيماءتي اللفظية ذكاء زائري المثقف، بل استوعب بذكائه الحاد سخريتي المبطنة، فكف في زياراته التالية عن محاولة "جر رجلي" لأخرج مسرحية كان موقنا أن الرقابة ستمنع عرضها بعد إجراء البروفات، مما يحقق مأربه في أن يعرضني إلى أزمة محرجة أمام الممثلين والرأي العام.

كان شكسبير أحد أوائل المسرحيين الذين تناولوا موضوع الاستبداد والطغيان، كما في مسرحيتيه "هاملت" و"ماكبث" السياسيتين بامتياز. كما كان أحد أبرز من صور الخديعة والغدر بدافع الجشع إلى السلطة في مسرحيات مثل "الملك لير" و"العاصفة". لكن أخطر تراجيديا سياسية كتبها شكسبير هي "يوليوس قيصر" في عام 1599، أي في ذروة نضجه. 

تتناول المسرحية تحول زعيم تاريخي كان يتمتع باحترام ومحبة شعبه إلى ديكتاتور مستبد، قام بتجاهل آراء نوابه في برلمان ذلك الزمان، حتى اتفق أقرب الناس إليه على اغتياله في روما بتاريخ 44 قبل الميلاد، حسب رواية المؤرخ بلوتارك. لا تنتهي المسرحية بطعن قيصر جماعيا كي تتوزع مسؤولية إراقة دمه على جماعة بدلا من فرد واحد، بل يقوم القائد مارك أنتوني بتهييج الجماهير عبر خطاب رثائه لقيصر، فينقلب الشعب ضد قاتليه لتنشب حرب أهلية تضطرهم إلى الفرار أو الإقدام على الانتحار تجنبا لحمى الانتقام، وتقع الإمبراطورية الرومانية فريسة لوحش الفوضى، وتغرق البلاد في حمام دم.

لعل من الطريف أن نذكر أن شكسبير كتب أيضا عن وقوع كل من يوليوس قيصر ومارك أنتوني بشكل متعاقب في غرام كليوباترا، ملكة مصر الفتية الحسناء، كما صورها سيناريو فيلم "كليوباترا" (1963) من إخراج جوزيف مانكويتش وبطولة إليزابيث تايلور. أما مسرحية شكسبير "يوليوس قيصر"، فأنتجت سينمائيا عدة مرات، أولها عام 1950 في نسخة لعب دور مارك أنتوني فيها تشارلتون هستون، الذي أعاد لعب الدور نفسه في نسخة تالية في عام 1970 تحت إخراج ستيوارت بارج مع نخبة متميزة من الممثلين. لكن، بالرغم من كون الفيلم صور بالألوان، لم يلق التقدير الجيد للفيلم السابق الذي صور بالأسود والأبيض وأخرجه جوزيف مانكويتش، ولعب فيه مارلون براندور دور مارك أنتوني. يعتبر هذا الفيلم أفضل نسخة سينمائية حتى الآن من مسرحية شكسبير "يوليوس قيصر" (1953)، إذ لعب دور بروتوس فيه باقتدار أيضا جيمس ماسون. أما أحدث الاقتباسات السينمائية عن مسرحية شكسبير السياسية "يوليوس قيصر" فجاء معاصرا في العام 2011، حافلا بالسيارات والمسدسات.

اشتهرت عبارة معينة في مسرحية "يوليوس قيصر" حتى أصبحت أشبه بمثل شعبي شائع. عندما يتلقى قيصر الطعنات واحدة تلو الأخرى من النواب الذين يتقدمهم كاشيوس وكاسكا، يلجأ قيصر مترنحا ليستند إلى بروتوس، أحب النواب إليه وأقربهم إلى قلبه، فإذا ببروتوس يعاجله بالطعنة النجلاء الأخيرة. عندئذٍ يقول قيصر جملته الشهيرة: "حتى أنت يا بروتوس؟" ثم يسقط مضرجا بدمائه. مهدت عبقرية شكسبير لمشهد الاغتيال ـ على طريقة أفلام الإثارة والتشويق ـ عبر نبوءة عراف خلال مسيرة يوليوس قيصر في طريقه إلى مجلس الشورى، إذ يستوقفه ليقول له: "حذارِ من منتصف مارس".

"يوليوس قيصر" هي من المسرحيات الأقل إنتاجا على مسارح العالم الثالث

أما الشاعر والناقد الشهير ت. س. إليوت فكتب في رائعته الشعرية "الأرض اليباب" أبياتا قال فيها: "نيسان أقسى الشهور/ ينبت الليلك في الأرض الموات/ مازجا الذكرى والرغبة/ منعشا الجذور الخاملة بمطر الربيع". أي الشهرين، يا ترى، يحمل نبوءة أصدق؟ آذار/مارس أم نيسان/أبريل؟ جدير بالذكر أن إليوت كتب بعض المسرحيات الشعرية إلى جانب القصائد والدراسات النقدية، أشهرها مسرحية "جريمة قتل في الكاتدرائية" عن صداقة وطيدة بين نبيل ورجل دين، لكن عندما يعتلي النبيل العرش، ويعين صديقة في منصب رئيس الأساقفة ليمثل سلطة الكنيسة، لا يستطيع رجل الدين أن يخالف ضميره ويوافق صديقه على سياساته الدنيوية، فيضطر الملك أن يأمر باغتيال صديقه الذي فضل الالتزام بكلام الله على الخضوع لكلام البشر. قارب مؤلفان آخران هاتين الشخصيتين، فكتب الفرنسي جان آنوي مسرحيته "بيكيت أو شرف الله"، وكتب البريطاني روبرت بولت مسرحيته "رجل لكل الفصول".

هناك خطاب آخر مهم يأتي في مسرحية "يوليوس قيصر" عقب مصرع الطاغية الذي كان بطلا محبوبا ذات يوم في أعين شعبه عقب الانتصارات التي حققها وألهبت حماسة الناس. إنه خطاب مارك أنتوني في رثاء قيصر، والذي يبدأ بالجملة الشهيرة: "أيها الأصدقاء، أيها الرومان، يا أبناء بلدي. جئت إلى هنا لا لكي أمتدح قيصر، بل كي أدفنه". لكن الخطيب مارك أنتوني سرعان ما يذكر الجماهير بمآثر قيصر وأفضاله عليهم، فيحرضهم على الثورة ضد أولئك الذين قتلوه، ويؤجج مشاعر الغضب ليطالبوا برؤوسهم على مبدأ "كلن يعني كلن".

لا أدري إذا كان شكسبير مثل نوسترأداموس قد تنبأ عبر مسرحيته "يوليوس قيصر" بأن انفجار الربيع السوري سيحدث في منتصف مارس 2011. ترى، هل يخبئ لنا شهر مارس مفاجآت أخرى قبل أن ينصرم؟ أم أن شهر أبريل سوف يكون "أقسى الشهور" عبر مفاجآت مروعة بعد أن اجتاح العالم بشكلٍ مفزع وباء "كورونا"؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
حتى أنت يا بروتوس؟ 8A9072DD-E4B7-4CCD-8E2C-EAC5FE12E574.jpg AFP حتى-أنت-يا-بروتوس 540890 أعضاء مجموعة التاريخ الروماني خلا إعادة إحياء مشهد اغتيال يوليوس قيصر 2020-03-17 11:35:01 1 2020-03-17 11:36:01 0