Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

متشددون منتمون لداعش أثناء توقيفهم (أرشيف)

محمد المحمود/

كثيرا ما تساءل الباحثون في قضايا التطرف والإرهاب: هل التطرف/ الإرهاب هو نتاج مباشر لأفكار دينية متشددة، أم هو نتاج واقع اجتماعي مُعْتلّ بشتى العِلل التي تجعل من تبَنّي تلك الأفكار الدينية المتشددة ضرورة، أم أن التطرف/ الإرهاب هو نتاج تلاقح هذه الأفكار المتشددة مع هذا الواقع المعتل؛ ما يعني أن توفّر أحدهما لا يكفي ـ وحده ـ لإذكاء نيران العنف الأصولي، أو ما يطلق عليه "الإرهاب الديني"؟

لقد ثبت لدي يقينا، بعد كل هذه السنوات العِجَاف التي شهدت ازدهار العنف الأصولي في العالم العربي؛ إلى درجة تماهيه مع الذهنية الشعبوية العامة، أن واقع العرب ـ بكل مستوياته ـ يُشكّل أرضا خِصْبة لتَبَنّي مقولات الانغلاق والانكفاء على الذات؛ بقدر ما هو ـ في الوقت نفسه ـ يُشكّل أرضا خِصْبة لتمدد واستشراء مقولات التطرف المشوبة بنفس تمردي/ انتقامي، يبدأ من محاولة تشويه الآخر وتدميره، ليصل ـ بعد مروره بمحطات الفشل/ الإحباط/ الاكتئاب ـ إلى تشويه وتدمير الذات.

في هذا السياق، نستطيع الاتفاق ـ دونما حرج أو تحفّظ ـ على توصيف الباحث اللبناني القدير/ مصطفى حجازي لحال الإنسان في العالم العربي، أي في هذا العالم الواسع الذي يُشَكّل أهم وأشهر فضاءات التخلف على مستوى العالم، كما هو أهم وأشهر فضاءات العنف أيضا. يقول حجازي واصفا الإنسان العربي المُكبّل بإعاقات نفسية ومجتمعيه تتفاعل فيما بينها لتصنع حالة "الإنسان المقهور": "الإنسان في المجتمع المتخلف عدواني، متوتر، يفتقر إلى العقلانية، ويعجز عن الحوار المنطقي، لأنه يعيش في حالة مزمنة من الإحباط الاعتباطي، ومن الإهمال" (التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، ص178).

واقع العرب يُشكّل أرضا خِصْبة لتَبَنّي مقولات الانغلاق والانكفاء على الذات

​​أيضا، يشير الباحث الفرنسي/ ستيفان لاكروا، من خلال استقراء عام لحالة "الجهاديين" الذين تبنوا خيار المواجهة المسلحة، إلى دور التمييز الاجتماعي في تفجير الغضب الكامن، الغضب المنتهي بتبني الأيديولوجية الجهادية كمهرب من القواعد الصارمة المفروضة بحكم التصنيفات الاجتماعية (زمن الصحوة، ستيفان لاكروا، ص163). أي بلغة مصطفى حجازي، تصبح الأيديولوجية العنفية، ومن ورائها السلوكيات العنفية، منافذَ هروب، ملاجئ عاطفية/ واقعية، وسائل يتذرّع بها الإنسان المقهور ـ واعيا أو غير واعٍ ـ للخروج من حالة القهر التي يشعر ـ صادقا أو واهما ـ أنها تحاصره كالقدر المحتوم.

إن الأفكار لا تعمل في فراغ؛ مثلما هي لا تتخلق فقط في حدود الأدمغة التي تشتغل بها وعليها. الأفكار، ومهما كانت الطاقة الكامنة فيها، لا تخلق حالة خاصة بها، أي حالة مكتفية بذاتها، الأفكار لا تَتَخلّق في واقع تقف معادلاته على الضد منها. البذور مهما كانت جودتها وقدرتها على الإخصاب تحتاج لأرضية حاضنة تمدها بعناصر النمو والتمدد والقوة، ومن ثم الإثمار.

من هنا، نجد أن النزعات الأصولية المتطرفة والرؤى التقليدية الانغلاقية يصيبها ما يُشْبه العقم في مجتمعات الوعي المتقدم، تتبخر حيويتها في البيئات التقديمة، الكافية/ المكتفية، التي يتحرر فيها الفرد من قهر ضروريات الحياة، بينما هذه "النزعات والحركات الأصولية والتقليدية تجد مرتعا خصبا في أوساط الطبقة الدنيا والشريحة الهامشية والطبقة الوسطى" (اتجاهات النخب السعودية، مشاري النعيم، ص27).

ولا يعني هذا التقابل بين واقعين/ عالَمين: جاذب وطارد غيابَ الاستثناءات الفردية؛ بقدر ما يعني أن هذا هو الواقع العام، هذا هو الحال الغالب الذي يجب أخذه في الاعتبار عند مقاربة إشكاليتي: التخلف والتطرف في عالمنا/ العالم العربي.

إن الرؤى التقليدية المتواشجة مع وقائع التخلّف من جهة، والمتفاعلة مع مقولات التطرف من جهة أخرى، هي الصانعة لوعي مجتمعي عام مأزوم، هي الصانعة لوعي لا يزال ـ بالتفاعل الجدلي ـ يُكرّسها باستمرار.

نعم، لا يزال هذا الوعي المأزوم يُنتج المجتمع التقليدي الذي أصبح انغلاقيا حتى في تطلّعه للاستنارة، بدليل أنه لا يكفّ عن استشارة التراث السلفي ليبحث فيه عن مشروعية موهومة تُبيح له أن يتبنى مفردة ما/ قيمة ما/ مبدأ ما؛ من مفردات/ قيم/ مبادئ التنوير.

لهذا، يقول الباحث في الحركات الإسلامية المعاصرة/ خالد العضاض ـ واصفا طبيعة التيار التنويري في السعودية ـ: ينطلق في مجمله من منطلقات إسلامية وسلفية تحديدا (التدين السعودي، تجاذبات التشكل والتحول، ص86). وظني أنه يقصد هنا بالتنوير ذلك التيار المتمرد ـ تسامحا وتيسيرا ـ على تطرّف الصحوة (أي التيار الذي ظهر عقب أحداث 11/9 وقاد لما يشبه المراجعات)؛ بغية خلق صحوة أقل تطرفا وأقل انغلاقا، وبالتالي؛ أقل إحراجا وأبعد عن الصدام مع الآخر.

مقولات الصحوة التي صنعت جيلا بأكمله، كانت انغلاقية إلى أقصى الحدود

​​هذا في ظني ما قصده العضاض بالتيار التنويري ذي المنطلقات السلفية؛ وإلا فإن التيار التنويري المتعولم (والتعولم نسبي بطبيعة الحال) إذ يأخذ في اعتباره ثقافة/ دين المجتمع الذي يتموضع فيه، فإنه ـ وعلى نحو صريح ـ يقطع مع الخطاب السلفي التقليدي.

إن الخطاب الصحوي، الذي هو نتاج حالة تخلّف/ ظرف ثقافي واجتماعي مُؤشكل، والذي هو ـ في الوقت نفسه ـ يعكس حالة تطرّف، يزعم لنفسه أنه يمثل حالة تقدّم/ خُطوة استناره في سياق الخطاب الديني التقليدي السائد. لكن، هذا الزعم تفضحه مقولات الصحوة الصريحة، مقولات الصحوة في عِزّ انتشائها وتصورها أنها تفتتح خطابا إسلاميا ثوريا جديدا.

إن مقولات الصحوة التي صنعت جيلا بأكمله، كانت، وعلى لسان أشهر رموزها، انغلاقية إلى أقصى الحدود، فهي لشدة تطرفها تُزايد ـ تطرفا ـ على بقية المتطرفين، إنها تَعُدُّ السلفية الإخوانية، أو حتى سلفية محمد الغزالي، تمييعا للدين، تحللّا من عزائم الشريعة، أو انفتاحا مبالغا فيه على ثقافة الكفر/ ثقافة التنوير في أبعادها الإنسانية التي تشكل وعي العالم المعاصر!. هكذا هي الصحوة بتطرفها الذي تتوهمه تنويرا تُدين خطوات الغزالي "التنويرية" (التي تحاول فتح بعض المسام في الجدار السلفي الصلد)؛ مع أنها خطوات خجولة، حائرة، مترددة، تتخللها حالات نكوص وانتكاس، بل ومراوغة ومخاتلة في كثير من الأحيان.

وإذا كانت مشكلة الصحويين أنهم ـ من حيث هم نتاج بيئتهم ـ يتبنون تراث دينيا (عقائديا وفقهيا/ تشريعيا) ينتمي إلى الماضي بكل مُكوّناته، فإن الخارجين على الصحوة بوسم التنوير/ الإصلاح الديني لم يستطيعوا الانعتاق من أسر هذا التراث التقليدي؛ لا جملة ولا تفصيلا.

إنك تجد هؤلاء المستنيرين (المستنيرين بالصحوة، أو رغم الصحوة!) يستجدون بعض الإضاءات من هذا الكتاب التراثي أو ذاك، من هذا الرمز التراثي أو ذاك. فمثلا تجدهم يستشعرون "الجُرأة التنويرية" إذ يحتمون بالشاطبي ومَقاصِديّته، مع أن الشاطبي لم يخرج في تنظيره لمقاصد الشريعة عما استقر في المنظومة الأصولية الفقهية، بل هو ماضوي تقليدي بامتياز؛ إذ يرى أن على المجتهد أن يتحرّى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد؛ لأنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين، فتحقيق الصحابة بعلوم الشريعة ـ كما يقول ـ ليس كتحقيق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم (إسلام عصور الانحطاط، هالة الورتاني، وعبدالباسط قمودي، ص84).

وبلا ريب، فهذا التقرير يعكس نظرة ماضوية صريحة، إنها نظرة سلفية تحكم بأن الأقدم أعلم وأحكم لمجرد أنه أقدم، وأن المتأخر لا يلحق بالمتقدم مهما فعل، فالأفضل والأجمل والأكمل في الماضي، بل إن المستقبل ذاته ـ وفق هذا التصور التقليدي ـ يقع في الماضي!

النزعات الأصولية المتطرفة والرؤى التقليدية الانغلاقية يصيبها ما يُشْبه العقم في مجتمعات الوعي المتقدم

​​إن كل من يتتبع محاولات الاستنارة التي تقدم بها الخطاب الإسلامي في صورته الصحوية سيجد أنها كانت محاولات اعتذارية في أساسها، وليست ناتجة عن تطور/ نمو ذاتي في الخطاب. إنها محاولات استنارة مُكْره أصحابها؛ لا أبطال! هي محاولات تفرضها القوة المتعولمة لمنطق العصر الذي هو في جوهره منطق خطاب التنوير الأوروبي الذي بات يضطر المتأسلمين المعاصرين إلى تلوين مقولات التراث الإسلامي لتظهر بمظهر عصراني مقبول، وفي المقابل؛ أسلمة المقولات العصرية بتأطيرها لتعبّر عن مقولات التراث التقليدي، أي بنزع روح الاستنارة منها؛ وجعل التراث اللاّتنويري يتحدث من خلالها.

يعجز أسرى التراث عن تجاوز المقولات الصلبة في التراث. إنها تحكمهم؛ لا بقوة تَحكّم منطقها الماضوي بطرائق تفكيرهم فحسب، بل وبقوة مساندة الواقع اللاتنويري الذي لا بد وأن يضطرّ المتموضعين في سياقه إلى استبطان مقولاته لا شعوريا. ومن هنا، لا بد وأن تفشل كل محاولة لتجاوز هذا التراث من خلال هذا التراث.

يقول مشاري النعيم عن المعالجة الإسلاموية لمسألة التسامح، وهي المسألة الجدلية التي تقع في صلب خطاب التنوير الغربي: "لقد تكلس مفهوم التسامح في الوعي الإسلامي في حدوده القروسطية، وقصّر بالتالي عن التطابق مع المعايير الدولية المعاصرة لحقوق الإنسان ومن ضمنها مبادئ المساواة والحرية". ثم هو في موضع آخر، ومن خلال النموذج الإسلاموي (المتمثل بالصحوة في السعودية والخليج) بوصفه نموذجا دالّا، يؤكد التضاد الذي يصل حدّ التناقض بين مسار الصحوة/ السلفية الحركية ومسار التنوير؛ فيقول: "كان صعود وتنامي شعبية الصحوة الإسلامية أحد مظاهر انحسار التنوير الغض" (اتجاهات النخب السعودية، ص71 وص130). بمعنى أن الإرهاصات الأولى للتنوير في السبعينيات من القرن الميلادي المنصرم كانت تحمل مضامين مختلفة جدا عن مضامين الصحوة، بل مضادة لها، ومن ثم؛ لا يستطيع أي تنويع صحوي ـ مهما زعم الاستنارة، وهما بدا تطويرا متمردا ـ أن يطرح نفسه بوصفه تيارا تنويريا؛ لا لشيء، إلا لأن "التنوير الصحوي" في كل أحواله، وبتأكيد جميع رموزه وتياراته وأطيافه، محكوم بأصول عقائد الأسلاف وكليات فِقْههم العتيد.

اقرأ للكاتب أيضا: ثقافة التدين الصحوي

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538592 4

منى فياض/

في مدة زمنية قياسية استطاع كائن طفيلي مجهري أن يقلب العالم ويثير الرعب والهلع ويقطع أوصال الكرة الأرضية ويتسبب بهبوط الأسهم وخسائر للبورصة تعد بالمليارات. ويعطل هذا الفيروس الشركات والمدارس والجامعات والشركات والإدارات ويوقف السياحة ويفرغ المحال من المواد الغذائية والبضائع ويخفض أسعار البترول ويفضح الثغرات في القطاعات الصحية للبلدان ويغلق دور العبادة ويلغي المؤتمرات والمهرجانات. فينقلب مشهد المدن، وتقفر شوارعها إلا من التحسر لغياب المشاة والسيارات والمتجولين وافتقاد حيوية وحياة المطاعم والمقاهي والملاهي والمرافق. وكأننا نعيش داخل أحد أفلام هوليوود عن انتشار الأوبئة ونهاية العالم.

بأقل من شهر دخلنا نمط حياة جديد؛ تعطلت حركة المطارات والموانئ وارتفعت رايات الانغلاق والتقوقع لتقف كالسد بوجه الآخر والغرباء القادمين من دول أخرى. وهو ما يذكر بأزمة اللاجئين وما أثارته من هلع استعاد مشاعر الخوف والتعصب. بحيث أشار أحد كتاب الغارديان إلى أن "ترامب تعامل مع “كورونا” كجيش أجنبي وشبكة إرهابية تغزو أميركا".

نظرا للانتشار الصاروخي لفيروس كورونا الوبائي، صنفته منظمة الصحة العالمية "بالجائحة". ومن غير المتوقع إيجاد علاج له في المدى المنظور. ونظرا لغزوه الكرة الأرضية بعد الكوارث البيئية المتلاحقة من حرائق وفيضانات وعواصف واضطرابات مناخية مؤهلة للتصاعد، يحيلنا الظن إلى أن الكرة الارضية تنتفض، كالحيوان عندما يريد التخلص من الطفيليات التي غزت جلده. ضاقت بنا الأرض ولم تعتد تحتملنا، فتصفعنا دوريا وكأنها تقول لنا: كفى، كفى عبثا بقوانين الطبيعة.

تشوش الأفكار والمشاعر يثير الهلع فنصبح فريسة سهلة لتلقي البروباغندا

وكأن الكون يريد استعادة بعض توازنه بعد الخلل المتمادي جراء النشاط البشري..

كورونا الذي انتشر بفضل العولمة وسرعة الانتقال وكونية والتبادلات، جاء ليمتحن قدرتنا على تدبر أمورنا والعيش دون شبكة العلاقات والتبادلات الكونية التي تزودنا بما نحتاجه.

المفارقة هنا أن هذه القدرة والسرعة اللامحدودة على التبادل المعولم، كانت السبب في تقطيع أوصالنا عندما سهلت تبادل وانتشار الأوبئة في نفس الوقت.

عجّل كورونا بانتقالنا عقودا إلى الامام، فبعد أن الشكوى المتصاعدة من تأثير وسائط ووسائل التواصل الرقمي على العلاقات بين البشر وعلى سيكولوجيتهم وتأثير العزلة على نفسيتهم وتوازنهم النفسي والخوف على الأطفال ونموهم وعلاقاتهم الاجتماعية السوية؛ وجدنا أنفسنا ممنوعين من التبادل المباشر، محتجزين خلف جدران الحجرات كي نتسمر أمام شاشاتنا الكبيرة والصغيرة، في قلب العالم الافتراضي الذي كنا نتهيب من احتمال سيطرته علينا.

إنه تمرين للمستقبل حيث ستحل اللوغاريتمات مكان النشاط البشري فيتحولون للعيش الافتراضي. علق البعض أن علينا أن نحول المحنة إلى مناسبة كي نتنفس الصعداء ونتغير ونبحر لنتعمق في أبعد حدود دواخل ذواتنا كي نتصالح مع أنفسنا ونسامح الأخطاء ونعيش سلاما داخليا يجلب لنا الفرح المفقود. 

لكن البعض الآخر تخوف من الحجر المنزلي ومن عزلته عن الآخرين وشوقه الآتي لهم وافتقد النشاطات التي جمعته معهم وكانت مجرد ذريعة للتلاقي. وقد يقود هذا إلى الجوع العاطفي وتبعاته.

إن انتشار الأوبئة يثير الهلع والخوف فتستعيد ذاكرة البشر أزمنة الضيق والعوز والفناء واقتراب الآخرة ونهايات العالم. فكان كورونا هو الصدمة المفاجأة التي هيأت أرضية مناسبة كي تستعيد التقاليد الإيمانية زخمها؛ من الصلوات إلى إنارة الشموع والتوسل بتراب القديسين وتزنير الكنائس بالألبسة واللجوء إلى الأدعية والتكبير على الأسطح والشرفات لكن تنتعش في نفس الوقت الشائعات والفرضيات والخرافات فتعم الفوضى في تناقل المعلومات.

إن تشوش الأفكار والمشاعر يثير الهلع فنصبح فريسة سهلة لتلقي البروباغندا وتصديق الأكاذيب على أنواعها. فالشر المستطير ينتظر عند زاوية المستقبل المهتز والغامض. فتتوسع نظريات المؤامرة وتتعدد ردات الفعل. راج جراؤها تسجيل صوتي على "واتساب" يقلد صوت المجيب الإلكتروني يلخص ردود الفعل: "أهلا بكم في لبنان في زمن كورونا، للغة المنطقية القائلة ببقائك في البيت، اضغط على الرقم 1. لنظرية ما في شي كله شقفة كريب (الرشح)، اضغط على الرقم 2. لنظرية وين السهرة اليوم وهل نمارس السكي (التزلج) غدا؟ اضغط على الرقم 3، لنظرية المؤامرة الصهيوأميركية وراء انتشار فيروس كورونا اضغط على الرقم 4. لنظرية الله والقديسين والأنبياء لن يدعوا الفيروس اللعين يطالني، اضغط على الرقم 5. لنظرية فييش انزرب بطق، اضغط على الرقم 6. نظّر متل ما بدك وقد ما بدك بس خليك بالبيت احمي حالك واحميني".

وكل ذلك يحصل على خلفية المشاكل الوجودية غير القابلة للحل والخيبات المتوالية التي يعيشها اللبناني. ناهيك عن فقدان الثقة بالمؤسسات وبالمسؤولين وتقصير الحكومة والمؤسسة الصحية في مواجهة الوباء. لذا يسمح اللجوء إلى الخرافة بتخفيف القلق وخفض التوتر.

يضاف إليها الانقسام السياسي العامودي الذي حوّل كورونا إلى سلاح اضافي في المعارك السياسية. هناك معركة تدور بين السعودية وإيران على خلفية اتهام السعودية لإيران بالمساهمة في نقل الإصابة إليها لعدم الإعلان عنهم لأخذ الاحتياطات اللازمة تجاه القادمين من إيران إلى السعودية.

وفي لبنان تتصاعد الاتهامات لجماعة "حزب الله" اللبنانية بأنها تسببت بانتشار العدوى وجعلها وباء بسبب تسييس كورونا وعدم القبول بوقف الرحلات مع إيران حتى بعد إقفالها هي نفسها الحدود مع الآخرين. مع معلومات عن استقبال مصابين إيرانيين في لبنان. بينما يصرّ الحزب على رفض التهمة بنقل العدوى وترك الحدود مشرعة حتى بعد طلب إيران مساعدة صندوق النقد الدولي لعجزها. ربما يصبح بإمكاننا الآن الاستعانة بالصندوق بعد أن سمحت إيران له "بمس سيادتها!".

فضح كورونا مخاطر العولمة في ظل عجز الدول وتراجع قدرتها على السيطرة والتنسيق بينها

يصبح من الطبيعي أن تهتز ثقة المواطن بكل ما يمس الدولة بصلة. فكل شيء يثير الشبهة والشك والحذر في ظل غياب المسؤولية. لكن المضحك المبكي حالة الإنكار المتمادية لدى المسؤولين، فنجد وزيرة الإعلام تتصدى لإدانة "الافتراءات" على الدولة اللبنانية التي يتهمها الشعب بالتقصير والتقاعس! مذكرة بشهادة العديد من السفراء "الذين أبلغوا المسؤولين اللبنانيين أن بلادهم اتخذت من إجراءات لبنان نموذجا لاعتمادها"! وتعترض على محطة تلفزيونية لرفعها شعار "حالة طوارئ" ـ مع أنها ساهمت بالحجر الطوعي من قبل كثيرين ـ ليتبين أن الشعب في لبنان أكثر مسؤولية من حكومته. 

يبدو أننا نتحول بسرعة إلى دولة استبداد، فيلاحق المغردين ويعاقب الصحفيين وكل من ينتقد أداء الحكومة. فكورونا فضح الأنظمة الاستبدادية التي تمتنع عن الإفصاح عن المصابين فيها كإيران وروسيا وتركيا وحتى مصر.

فضح كورونا مخاطر العولمة في ظل عجز الدول وتراجع قدرتها على السيطرة والتنسيق بينها. الأزمة الصحية ستترجم إذن في اضعاف الديمقراطيات عبر إظهار عجز مؤسساتها عن مواجهة الوباء بفعالية، فيما ستقوي السلطات القمعية، على غرار الصين التي استفادت من الأزمة لزيادة أدوات رقابة وضبط الجمهور بواسطة تطبيقاتها الرقمية.

لكن مهما تصاعدت أصوات الشعبويات المطالبة باستعادة الحدود والحواجز بين البلدان إلى درجة إقفالها والانتقال إلى الفيدراليات داخلها كما يريد البعض في لبنان؛ سينبثق عنها، رغم ذلك، إظهار حقيقة أن عالمنا الحالي، بكل مخاطره وانحرافاته، لديه القدرة على رفع حظوظ التعبئة والتعاون التنسيق بين الأطباء والباحثين من أجل اكتشاف المصل المضاد. وحينها لن تقفل أي حكومة حدودها بوجه هذه العولمة بل العكس، إلا إذا كانت من نمط شخصية مقتدى الصدر الذي أعلن رفضه للقاح إذا جاء من أميركا! 

مع فيروس كورونا ننتقل إلى مرحلة جديدة مفتوحة على كل الاحتمالات. ففي الوقت الذي نتعامل فيه مع الآخر كتهديد ونضع الحواجز بيننا وبينه، نجدنا أمام عالم بأسره يحمل المعقمات ويرتدي القفازات ويضع الكمامة. إنه توحيد في السلوك غير مسبوق. البشرية بأسرها تواجه التهديد الوجودي نفسه. تصبح المفارقة أن البشرية تتوحد في مواجهة خطر داهم مشترك عبر وضع السدود بين أفرادها!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
كورونا... الأرض تنتفض 0118E57E-7508-481A-BE9D-90FF27AF98F0.jpg AFP كورونا-الأرض-تنتفض 540889 في الوقت الذي نتعامل فيه مع الآخر كتهديد ونضع الحواجز بيننا وبينه، نجدنا أمام عالم بأسره يحمل المعقمات ويرتدي القفازات ويضع الكمامة. إنه توحيد في السلوك غير مسبوق 2020-03-17 11:33:49 1 2020-03-17 11:33:49 0