Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

طالبات مسلمات يمارسن رياضة اليوغا في أحمدأباد في الهند في اليوم الدولي لليوغا
طالبات مسلمات يمارسن رياضة اليوغا في أحمدأباد في الهند في اليوم الدولي لليوغا

محمد المحمود/

لا يخفى على القارئ المعني بتاريخ مسار التقدم الإنساني، والذي هو في جوهره مسار تحرري، أن الحريات الدينية التي تبدأ من تحرير الضمير، لتصل إلى تحرير التعبير، مرورا بتحرير التفكير؛ هي جَذرْ الحريات الإنسانية كافة، وأنه لا حرية؛ من أي نوع، يمكن لها أن تسبق هذه الحريات الدينية التي تفتح نوافذ الضمير على آفاق التسامح مع المختلف، حتى في أشد مكونات الضمير خصوصية وحرجا. ما يعني أن إقرارها وتأكيدها كحريات مقدسة؛ في المستوى الثقافي؛ كما في المستوى القانوني، من شأنه أن يشرعن ـ ثقافيا وقانونيا ـ للتسامح مع صور الاختلاف/ المُغايَرة الأخرى التي هي ـ بالضرورة ـ دونها خصوصية وقداسة، وبالتالي، أولى منها بالتسامح والقبول.

اتساقا مع هذا الدور الفاعل لمسألة "الحريات الدينية"، من حيث هو دور مُقرّر/ متوقع/ منتظر، وجدنا أنها أصبحت إحدى أهم الإشكاليات التي تأخذ مساحة واسعة من الجدل الفكري/ الفقهي داخل خطاب هذه التيارات المتأسلمة، إلى درجة أنها تسببت في حالات خصام وانفصال واتهامات واسعة بالضلال، كما هي ـ في الوقت نفسه ـ إحدى أهم الإشكاليات التي تؤزّم علاقة الآخرين بهذا الخطاب؛ من حيث كونهم لا يحصلون منه على جواب مقنع، ثابت، مدعوم بتطبيق عملي، جواب مُمَنهج يشمل بمنطقه تفاصيل (والشيطان يكمن في التفاصيل كما يقال) هذه المسألة الشائكة التي يتحدى بها الواقعُ أصولَ هذا الخطاب.

نسير حثيثا؛ ولكننا نرجع للوراء، فبدل التوجه نحو مزيد من الانفتاح، تسير قوافلنا الفكرية مزيد من الانغلاق

​​نحن هنا لن نُسائل النصوص المقدسة الأولى/ المتعالية في هذا الشأن، سنتجاوزها مع وافر التقدير لها؛ لا لأنها نصوص مشروطة بتاريخها/ ظرفها الخاص، ولا لأنها نصوص مفتوحة على التأويل، وكل تأويل هو اجتهاد يوهن التأويلات الأخرى...إلخ، وإنما لأنها في الحقيقة ليست هي التي تتحدث أصالة؛ فتحكم المقولات الصلبة في الخطاب الإسلاموي، بدليل أن هذا الخطاب المتأسلم المتنوع حتى وإن قرّر في النهاية أحكاما متشابهة في هذا المضمار (مضمار تحجيم الحريات الدينية)، إلا أنه وصل إليها بطرائق استدلالية مختلفة/ متنوعة، تقضي بكون "النص الأوليّ" ليس هو المتحدث الحَكَم، بل المتحدث المحكوم في هذا السياق.

إضافة إلى ذلك، فإن لدينا قناعة بأن حركة التاريخ بكل ضروراتها الظاهرة والمضمرة هي التي صنعت على مدى زمني متطاول نوعا من التعصب الضروري الذي استلزمه بناء امبراطورية توسعية تتأسس متعاليات المعنى فيها على إخضاع الآخرين لمنطقها الكلي كشرط لتشكيل الوعي العام بالهوية؛ من خلال تثبيت الذات كشاهد على التاريخ.

في مقابل هذا التعصب المتشكل بفعل التاريخ، نجد أن النصوص الأولى المتعالية كانت تفتح الآفاق على مشروع حريات دينية واسعة النطاق، بل يضيق عنها أفق الوعي في ذلك الزمان. لكنها للأسف لم تتحقق واقعا؛ فلم تُكْتبْ فِقْها، بل ما تحقق فعلا كان في الاتجاه المعاكس لهذا الرشد الديني المأمول، إذ أُجْهِضَت بدايتها الأولى على يد محترفي صناعة الإمبراطوريات في تاريخنا القديم.

هكذا يبدو الأمر، وكأن مسار التاريخ/ تاريخنا كان معاكسا لمسار النص الأول/ النص المُؤسِّس في هذه المسألة بالذات. ربما معادلات الواقع الجغرافي وسياق حركة التاريخ، جعلا من هذا المسار اللاطبيعي/ اللانصي مسارا طبيعيا، بل وضروريا، أو ربما هو قَدَرُ الأفكار المثالية دائما على اختلاف مصادر استلهامها؛ كما يشير إلى ذلك عبد المجيب الشرفي بقوله: "إن الفارق بين الأهداف التي رمت إليها الرسالة من ناحية، ومآلها في التاريخ من ناحية ثانية، لا يستغرب، بل يكاد يكون هو القاعدة في الحركات الدينية والفلسفية" (الإسلام بين الرسالة والتاريخ، عبدالمجيد الشرفي، ص98).

المهم هنا، أن إلغاء الحريات الدينية أو حتى محاولة منعها من التشكل على مستوى الواقع العيني كان هو السائد فقهيا؛ حتى وإن كانت بعض فترات التاريخ/ تاريخنا تشي بدرجة معقولة من التسامح، فهذا التسامح الاستثناء، وإن بدا كحقيقة واقعية، إلا أن منطق الخطاب الفقهي المهيمن كان له بالمرصاد؛ مُدِيْناً؛ ومُحرّضا على تغييره ليتحوّل إلى واقع تُقمع فيه الحريات الدينية بأبشع الصور الممكنة التي وجدت طريقها إلى التنظير الفقهي على نحو مُفصّل مؤصّل.

هذا التنظير الفقهي الذي لم يكن حبيس الأدراج، ولا رهين المخطوطات البالية، بل واقعا تنظيميا/ قانونيا يَتنَزّل في الواقع، أو يُرَاد له أن يتنزل في الواقع، وهو ليس محددا أو محصورا في أطروحات الإسلامويين المتعصبين فحسب، بل وصل مداه لما هو أوسع، فكثير من قوانين التعامل مع الآخر (المنتمي لغير الدين، أو لغير المذهب) حتى في الجمهوريات العربية التي تتمظهر بصفة علمانية، تقوم ـ في مضمونها ـ على منطق الفقه القديم، وتستلهم كثيرا من تحيزاته ضد الآخر المختلف في المذهب أو في الدين.

منذ الأيام الأولى للإمبراطورية العربية الإسلامية كان مذهب/ تيار الأكثرية يضطهد مذهب/ تيار الأقلية؛ مثلما يُلغي ممثلو الدين السائد المهيمن أبسط الحريات الدينية لأتباع الديانات الأخرى. في العصر العباسي، وفي العراق تحديدا، كان الحنابلة هم المسيطرون على الشارع، وبالتالي، هم المؤثرون على توجيه القرارات الصادرة من دار الخلافة، وكانت قرارات قمعية في حق المختلفين معهم مذهبيا ودينيا؛ إلى درجة إلزامهم الصمت التام، وقد يمتد ذلك إلى الحصار والقتل إذا ما كان الطرف الآخر من المؤثرين الذين يخشى على عقول الأتباع منهم، فيكون قمعهم تحت شعار قمع البدعة والضلال.

خطاب الإسلامويين يتبنى صراحة معظم التحيزات الدينية المتضمنة لكثير من صور القمع والإلغاء

​​طبعا، كان هذا المنطق التَّغلّبي الأحادي هو منطق العصر القديم. فدين/ مذهب المتغلبين آنذاك يقضي بفرض ما يرونه صوابا، وهو دينهم/ مذهبهم بطبيعة الحال، في مقابل محاصرة الأديان/ المذاهب الأخرى التي لا بد أن توضع عليها الشروط والقيود. ويرى أنطوني جيل في بحثه المُطوّل عن الحرية الدينية وعلاقتها بالمسارات السياسية، أن الأديان المهيمنة تفضل وجود مستويات أعلى من القانون الحكومي المقيد للحريات الدينية، بينما تميل الأقليات إلى تفضيل وجود قوانين تمنح حرية أكبر للممارسات الدينية؛ لأنه هي المستفيد الأول من هذه الحرية (الأصول السياسية للحرية الدينية، أنطوني جيل، يؤكد هذا الرأي في مواضع كثيرة، منها ص29و79و106).

وبما أن الفقهيات السائدة هي فقهيات الأكثرية في الإمبراطوريات العربية/ الإسلامية البائدة، فإن خطاب الإسلامويين الذين يسعون جاهدين لاستعادة المجد الإمبراطوري البائد يتبنى صراحة ـ ودونما مراجعة نقدية جذرية ـ معظم التحيزات الدينية المتضمنة لكثير من صور القمع والإلغاء. وشواهد الحال من أقوالهم وأفعالهم تؤكد أنهم لا يتطورون ـ تجاوزا ـ لهذا التراث؛ بقدر ما هم يزدادون التصاقا به بحرفية اتباعية عمياء، ازدادت وتيرتها مع الأيام بفعل رواج الإرث السلفي التقليدي أواخر القرن العشرين.

وأيا كان الأمر، فالمشكلة ليست في هذا التراث الذي يُصرّ على قمع المختلف ويطمح لمصادرة حق الاعتقاد؛ إذ كثير من الأمم لديها ما هو أبشع وأشنع منه في تراثها، ولكنها تجاوزته بنقده وتحييد السلبي فيه، واعتباره ـ في أحسن أحواله ـ مجرد محاولات عابرة في ظرف تاريخي عابر، بينما بقينا نجتر تراثنا، ونمتحن أنفسنا باستفراغ طاقاتنا لاستعادته تنظيرا كما هو، ثم القيام بمحاولة قسر الواقع ليتلاءم معه؛ زاعمين أن غاية التجديد هو تطبيقه حرفيا، وأن صلاح الزمن المتأخر لا يكون إلا بالتطابق مع الزمن المتقدم.

إنه لمن المحبط جدا أن نجد خطابات الأسلمة التي هي أقدر على الحشد والتوجيه الجماهيري تتراجع ولا تتقدم؛ فتتراجع المجتمعات بتراجعها تصورا وتفكيرا. نسير حثيثا؛ ولكننا نرجع للوراء، فبدل التوجه نحو مزيد من الانفتاح، تسير قوافلنا الفكرية المُحَمّلة ببضائع السلوك نحو مزيد من الانغلاق. هذا ما لاحظه الباحث المصري الراحل/ حسام تمام عندما تحدث عن الموجة الثانية من تسلّف الإخوان (تبنيهم الإرث السلفي بشكل مبالغ فيه) بداية السبعينيات من القرن العشرين، ورأى أن هذا التسلّف أثر بصورة واضحة على الجماعة/ جماعة الإخوان سلبا من حيث موقفها من الآخر، أي آخر، حتى الآخر داخل الإطار الإسلامي، فأصبحت تتمحور حول ذاتها تصويبا، وتنفي/ تقصي الآخرين تخطئة وتخوينا (الإخوان، سنوات ما قبل الثورة، حسام تمام، ص110).

إلغاء الحريات الدينية أو حتى محاولة منعها من التشكل على مستوى الواقع العيني كان هو السائد فقهيا

​​وبما أن جماعة الإخوان تسلّفت وهي الجماعة الأم للأغلبية الساحقة من تيارات التأسلم الاجتماعي والسياسي، فإن خيار الإقصاء الديني لا زال هو الخيار الحقيقي؛ مهما حاولت كثير من هذه التيارات (ولاعتبارات حشدية أو سياسية/ انتخابية) المراوغة في تقرير الأحكام المعتمدة في هذا الشأن. بل يكفي أن جماعة الإخوان، وعلى امتداد أكثر من تسعين عاما من عمرها المديد، لم تحسم ـ على نحو واضح، ومُؤصّل؛ في الاتجاه المضاد للموقف التراثي ـ موقفها من تولي غير المسلم منصب الرئاسة، ولا موقع الأقباط من المناصب الحساسة في الجيش؛ مع أن هذا سؤال كان ولا يزال سؤالا مطروحا بقوة، ويتسبب الارتباك المتكرر بشأنه في إضفاء مزيد من الغموض على موقفهم من المبدأ الديمقراطي، في الوقت الذي يُلِحّون فيه على السّلْمِيّة، وعلى الانحياز الكامل للخيار الديمقراطي كخيار وحيد؛ مع أن "المواطنة" المتعالية على كل فروع الانتماء، بما فيه الانتماء الديني/ المذهبي، تُعَدُّ شرطا أساسيا للعمل الديمقراطي.

أخيرا، هناك من يتصوّر أن قمع الحريات الدينية لا يكون إلا بمنع أصحاب الديانات/ المذاهب صراحة من التعبير عن معتقداتهم أو ممارستها بقوة القانون. والحقيقة أن القمع قد يأخذ صورا متعددة، ليس أقلها أن يجد المرء نفسه يخسر بعض حقوقه كمواطن لمجرد انتمائه الديني، مما يشكل ضغطا غير مباشر يدفعه للتنازل عن قناعاته الدينية أو إخفائها؛ بغية الحفاظ عليها أو لاستردادها بعد خسارتها. فمثلا، عندما ينص الدستور الإيراني على أن الإسلام كدين، والجعفرية الإمامية كمذهب، هما شرطان أساسيان لتولي منصب رئيس الجمهورية، فهذا انتهاك صريح للحريات الدينية بالتفريق بين المواطنين على أساس الدين/ المذهب. وعلى هذا المثال يمكن أن نقيس بقية الأمثال.

اقرأ للكاتب أيضا: التخلف والتطرف في العالم العربي

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

538591 4

محمد المحمود/

يواجه العالم اليوم وباءً خطيرا؛ أخطر ما فيه: سرعة وسهولة انتشاره، مخترقا كل الحدود السياسية والجغرافية، ومختبرا كل الثقافات الدينية والقومية في مصداقيتها، وفي جدواها أيضا، ومتحديا إمكانيات الدول، وفاصلا ـ في النتائج ـ بين حقائق الإنجاز التنموي وأوهامه، ومظهرا الفروق الهائلة بين الادعاءات الجوفاء وحقائق الواقع، ومعيدا ترتيب الأولويات على نحو غير مسبوق.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال؛ حتى وإن كان الاعتبار على المدى البعيد لا يتوفر عليه إلا قليل أو أقل من القليل؛ لأن ذاكرة المشاعر ـ وهي ذاكرة الجماهير/ الأغلبية الساحقة ـ قصيرة المدى، والتجارب/ الدروس الواقعية التي لا تُحوّلها الثقافة إلى أنماط عقلية مدعومة بتشكيلات مؤسساتية عامة، لا بد وأن يطويها النسيان، وتضطر الأمم لإعادة تجاربها/ آلامها من جديد.

كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته، وبالتالي؛ هو أقدر على التفسير المستغرق لكل التشكلات الثقافية المتمظهرة من خلال المسلك الإنساني الواقعي/ الوقائعي.

الوعي بالعولمة تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء

كوارث الطبيعة، مهما عظمت، تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي الخاص. الزلازل، والبراكين، وموجات التسونامي العاتية، والأعاصير المدمرة، والفيضانات الكبرى، لها مدى جغرافي لا تتعداه، وآثارها غير المباشرة تتضاءل حدتها باستمرار، وفق شروط التنائي الزماني والمكاني.

كذلك الكوارث البشرية/ الحروب وتوابعها؛ مهما عظمت، ومهما كان وقعها على ضحاياها المبشرين أقسى من وباء كرونا بآلاف المرات؛ إلا أنها تبقى محدودة جغرافيا، وبالتالي، فقدرتها التفسيرية التي نستطيع بها اختبار الثقافات تبقى ـ بالتبع ـ محدودة. فمثلا، إذا كانت الحرب العالمية الثانية أبادت الملايين من سكان أوروبا، فإن هناك شعوبا لم تعرف من ويلاتها وعذاباتها شيئا، وهناك شعوبا أخرى لم تمسها هذه الحرب الكونية إلا بأضرار جانبية/ غير مباشرة، كغلاء الأسعار وندرة بعض السلع وانقطاع بعض طرق المواصلات.

إذا كانت المنظمات الدولية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية؛ بقوة دفع مفاعيلها، والشركات العابرة للقارات، ثم الأنظمة الإعلامية والتواصلية التي جعلت العالم كله على مرمى ضغط زر في جهاز الحاسوب أو الهاتف...إلخ قنوات/ آليات العولمة، تعكس حقائق العولمة وتكشف عن تمظهراتها الواقعية، فإن هذا الوباء الفيروسي/ كورونا المستجد جعل العالم ليس قرية واحدة فحسب، بل ولا بيتا واحدا (يكون بإمكان بعض أفراده الاستقلال ببعض غرفه بحواجز/ بجدران، تمنع الرؤية/ تحفظ الأسرار/ تمنع الضرر)، وإنما جعله غرفة واحدة صغيرة ينكشف فيها الجميع على الجميع اضطرارا، ويتبادلون فيها الأسرار كما يتبادلون المصائب والآلام، ويقتسمون رغيف المستقبل ـ في لحظة الخطر الداهم ـ على حد سواء.

بناء على هذا ـ وبمنطق العولمة الأعمق والأقسى ـ لا تصبح كل دولة/ كل حكومة حُرّة تماما بما تفعله في حدود نطاقها الجغرافي/ فضائها السيادي، ولا يصبح من حق كل شعب أن يقرر خياراته الذاتية ـ بالمطلق ـ بعيدا عن العالم؛ لأن الآثار المباشرة وغير المباشرة لكل الخيارات (الحكومية والشعبية) على الآخرين، كل الآخرين أو معظمهم أو بعضهم، هي آثار متحققة على وجه اليقين.

لقد كان الباحثون في كثير من التخصصات الثقافية والعلمية، وبعض السياسيين الواعين، ومعظم المهتمين بالمسلك السياسي يدركون جيّدا أن ما يقع في قرية/ في مدينة نائية في الصين، أو في منافي سيبريا، يمكن أن يؤثر على الإنسان في قرية ما في جبال الألب، أو في صحراء الجزائر، أو في سهول تهامة الحجاز، أو في غابات نيجريا، أو في سواحل تشيلي، أو مستنقعات فيتنام. يدركون هذا على نحو عام، توقّعي، نسبي، غير مباشر، ولكنه كان حاضرا في الأذهان على الدوام.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال

نعم، هذا ما كان يدركه الباحثون والمهتمون منذ أمد بعيد، ولا يزال إدراكهم له يتصاعد بتصاعد قنوات التواصل/ التأثير، ويتعولم باتساع فضاءات العولمة. لكن، بقي وعي عموم الناس/ الجماهير العريضة، بمن فيهم بسطاء أصحاب القرار في كثير من دول العالم، قاصرا عن تصور مستوى تفاعلات العولمة ومتتالياتها، أي قاصرا عن التثاقف مع أطروحات أولئك الباحثين والمهتمين.

هنا، نضع أيدينا على المُتغيِّر الأهم في مدلولات التفاعل العالمي، الرسمي والشعبوي، مع هذا الوباء الجديد، حيث العولمة باتت تقرع كل باب، بل تضع أصابعها ـ بقوة شراسة هذا الوباء ـ في عين كل إنسان، كل إنسان بلا استثناء، فمن لم يره واقعا متجسدا، رآه خيالا كواقع، خيالا يتسلل إليه ـ بشكل متكرر، متواصل، متفاعل كحدث يصنع وقائعه ـ من خلال قنوات التواصل والإعلام. ما يعني أن الوعي بالعولمة ـ الوعي على نحو عملي ـ تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء.

لقد تعمّق الوعي بالعولمة من حيث كون الأمر لم يعد تشابك مصالح على نحو يغدو معه التأثير نسبيا، ومن ثم، يقع في دائرة الخيارات ومُقَايَسة مستوى التضحيات، بل غدا التأثير حاسما/ مصيريا، إذ أدرك الجميع ـ وخاصة بعد تعولم الوباء ـ أن ما يحدث في مدينة صينية لم يسمعوا بها من قبل، لا يؤثر على تيسير أو تعسير نمط من أنماط حياتهم فحسب (كما كان الأمر من قبل في بعض المخترعات التقنية)، بل بات يؤثر في وجودهم ذاته، في حياتهم/ موتهم. 

وطبعا، الوعي بهذا التهديد لا يُشْترط فيه "المباشرية الوقائعية"، أي أن يروا قوافل توابيت الموتى أمام أعينهم في واقعهم، بل يكفي أن ينظروا إليها من خلال الشاشة إعلاميا/ تواصليا، ويروه في الواقع ملموسا من خلال متواليات وقائع الرعب المتمثلة في الشلل الاستثنائي لكثير من أنماط الحياة الطبيعية/ المعتادة. فالأجواء الاستثنائية التي لم تحصل حتى في أزمنة الحروب الكبرى، باتت تعمّق الإحساس بالخطر؛ من حيث هي تعمّق الإحساس بوحدة المصير الإنساني، والعكس صحيح؛ إذ لا أحد، لا أحد بالمطلق، بمنجاة من هذا الخطر الذي يتهدد الوجود ذاته، وليس فقط طبيعة الوجود، وجود كل أحد، وليس وجود بعض دون بعض، فلا أحد يمتلك حصانة، وأصاب بالفعل مشاهير من كافة الميادين، بل وطرق أبواب كثير من قادة العالم الكبار.

من جهة أخرى، بات الوعي بالعولمة يتوسّع نطاقه ليشمل حتى أولئك الذين ظنوا في يوم من الأيام أنهم قادرون على الانزواء عنها، وبالتالي، التحرر من كل آثارها، أو من معظمها على الأقل. اليوم، يجعلهم هذا الوباء في قلب تفاعلات العولمة قسرا. إنهم إن استطاعوا في يوم من الأيام الهروب من أضرارها الحقيقية أو المتوهمة، فهم اليوم ـ وعلى الرغم منهم ـ أصبحوا وجها لوجه مع مخالبها وأنيابها الحادة التي تهددهم بالافتراس. وتكون المفارقة أن لا نجاة لهم من مخالب هذه العولمة إلا بالدخول معها في تفاعل أكبر وأشمل.

لقد توسع نطاق العولمة حتى رأينا أولئك الذين لم يسمعوا بالعولمة في يوم من الأيام، أو سمعوا بها كمصطلح عابر، أقصد: مئات الملايين من البشر الذين هم الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب الحي، وقد أصبحوا يعون ـ عمليا، وبدرجة عميقة بعمق خطر المرض/ خطر الموت ـ أنهم مُتَعَولِمون؛ حتى وإن جهلوا كل كلام المثقفين وكبار الساسة والاقتصاديين عن العولمة طبيعة وآثارا وتطلعات. ما يعني أن كل إنسان وعي العولمة من خلال وعيه بأن مصيره قد يكون مرتبطا بمصير أي إنسان في أي مكان.

ولأن هذا الوباء الخطير أصبح وباء عالميا/ متعولما، فقد أصبحت ردّات الفعل عليه متنوعة بحجم تنوع واختلاف الثقافات في هذا العالم؛ حتى وإن كان الرد الرسمي: الصحي/ الحكومي ـ المؤسساتي في العالم كله، متشابها إلى حد كبير في طبيعة الإجراءات الوقائية أو العلاجية. ففي القرارات التي تدفع بها الثقافات التي تنظر لصحة الإنسان بوصفها مسؤولية فردية، أو بوصفها ليست أولوية بالمطلق؛ شاهدنا التراخي الذي قاد إلى مصائر كارثية، تكاد ـ بقوة العولمة ـ أن تقود العالم كله إلى مصير مجهول.

أما في الثقافات المتخمة بالخرافة، فقد رأينا كيف أن الأغبياء من سدنة هياكل المقدس يُجاهِرون بل ويُفاخِرون بكسر يقينيات الطب، ويستخفون بالتعليمات الصحية الوقائية؛ فيرفضون فضّ الاجتماعات التي تتقارب فيها الأجساد بل تتلاصق، وأكثر من ذلك، رأيناهم يبيعون الوهم لأتباعهم السذج، فيزعمون أن أماكن القداسة تمتلك قدرات خارقة على تطهير الفضاء المقدس من الوباء، أو أن المصلين يمنحهم الله قدرة وقائية استثنائية لأنهم في صلاة/ اتصال روحاني مع الله!.

لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية

تحت وقع الإحساس العميق بالمسؤولية، تصدر كثير من الحكومات قرارات حازمة بمنع التجمّع، بل تُعطّل المدارس، وتلغي الفعاليات، وتغلق المتاجر الكبرى، وتُعلّق معظم الاجتماعات؛ إن لم يكن كلها، وتمنح الموظفين إجازات إجبارية مدفوعة الأجر؛ كل هذا لتساعد الشعوب على تنفيذ التوجيهات للبقاء في البيوت. 

لكن، تجد الثقافة المجتمعية/ الشعبوية بالمرصاد لكل تلك القرارات الإيجابية، إذ لا تكتفي بتفريغ تلك القرارات من مضامينها، بل إنها تقلبها إلى عكس المتوقع منها، حيث تُبادِر هذه الجماهير إلى استغلال هذا التعطيل المؤقت (التعطيل للنشاطات الرسمية العامة) فتعقد الاجتماعات العائلية الكبرى، وتخرج للأسواق والمتنزهات؛ دونما أدنى استشعار للخطر، على الرغم من علمها بالخطر، وعلى الرغم من تكرار التحذير على أوسع نطاق.

طبعا، هنا المعضلة الثقافية، فأنت لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية. المسألة لها أبعادها الثقافية/ التربوية التي تأخذ ـ بالضرورة ـ تخطيطا شموليا/ متضافرا، متتابعا في مدى زمني طويل.

لا يمكن أن تقنع المتدين الساذج بعدم الذهاب للمسجد، والاكتفاء بالصلاة في البيت؛ لأن الوقوف في صف واحد، وبأجساد متلاصقة؛ للصلاة، هو أخطر ـ في هذا الظرف الصحي العام ـ من معظم صور الاجتماع التي تُحذّر وزارات الصحة منها. لا تستطيع أن تقنعه بهذا؛ لأن وعيه تشبّع بمفاهيم تجحد منطق العلوم، أو هي تَزْورّ عنه، أو هي تستخف به في أحسن الأحوال.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الوباء والعولمة والثقافة DF9FFA06-1C3A-440E-8158-D4238A39ADF5.jpg AFP الوباء-والعولمة-والثقافة 540888 كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته 2020-03-17 11:31:17 1 2020-03-17 11:32:17 0